علم كلام جديد، أم علم كلام سائل ؟… في فكر عبد الجبار الرفاعي

قحطان الفرج الله
2021 / 6 / 13

يطرح المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي منذ فترة عدّة مفاهيم تثير الأسئلة أكثر من طرح الأجوبة، وهذا بحد ذاته جهدٌ فكري مهم.
إن التفتيش عن السؤال يعني ديمومة التفكير، وكذلك يعني فتح آفاق كبيرة لا نوافذ ضيقة، صلابة علم الكلام القديم التي تتوقف عند (معرفة الله وصفاته وأفعاله) تسيل -إذا استعرنا مصطلح بومان بتصرف- نحو معرفة الإنسان نفسه، هل إنسان علم الكلام القديم هو ذاته إنسان العصر الحديث؟ هل طريقته وأدوات تفكيره هي ذاتها؟ بعد حل الكثير من شفرات الطبيعة وشفرات الإنسان وميوله ورغباته، وتحليل دوافعها، وسلوك الحياة بدلا من الغرق في بحار الميتافيزيقا التي صلبت الكثير من المفاهيم التي أصبحت بمرور الزمن (أصنامًا مقدسة) يكون الإنسان بتراكم المعارف والعلوم والأدوات ليس هو ذات الإنسان السابق.
وبالعودة إلى فلسفة عالم الاجتماع البولندي (بومان) الذي يرى أن الحداثة هي مرحلة صلبة أيضًا معرفًا إياها بأنها "مرحلة سابقة من سيادة العقل على كلّ شيء، وظاهرة ما بعد الحداثة التي وصفها بأنها حداثة سائلة وهي حسب رؤيته مرحلة نعيشها حاليًا من تفكك المفاهيم الصلبة والتحرر من الحقائق والمفاهيم والمقدسات" وبذلك هو يقترب من مفهوم (الصلابة الهشة) القابلة للاذابة والتحرك بفعل العوامل الخارجية كأنها جبل جليدي ضخم ولكنه لا يقوى على مصارعة شمس تفكير الإنسان وتطور حياته المستمرة، وهذا الجبل سرعان ما يتصلب من جديد بتوقف عوامل الإذابة.
أما (الصلابة المآسية) التي وقع فيها علم الكلام القديم في تحجير المفاهيم وعدم قبول تحركها بعوامل الزمن والتطور والمعرفة فهي عاجزة عن تحليل نفسها فضلا عن فهم حاجة الإنسان.
قد يجد بعضهم الحل في (التصوف) أو (البوذية) أو الديانات الروحية مع التحفظ على هذه المقاربة ولكن التصوف لم يطرح حلًا كلاميًا بقدر ما طرح حلًا روحيًا متجرًا من فكرة (الترغيب، الجزاء) (الترهيب، والعقاب) إلى فكرة التوحد مع الخير المطلق من أجل الخير ذاته، وبذلك يكون طرحه فرديًا خالصًا لتجربة تختلف معطياتها من إنسان لآخر. وبهذا المنهج يكون فهم العالم الخارجي غير قائم على صورة واحدة، فما يراه الحس غير ما يدركه الخيال وهو لا يقع تحت منظومة واحدة منسجمة بل قد تكون متعارضة ومتقاطعة يفسرها الصوفي (بالكشف) ويسترها بالكتمان والغموض الشديد.
معايير التميز في الكلام الجديد لا تعني استغناء الإنسان عن الله! فالرفاعي يعترف بافتقار الإنسان في طبيعته إلى الاتصال بوجود غني لا نهائي لا محدود كي لا يقع في الاغتراب الميتافيزيقي.
وهو يقر بحاجة الإنسان المستمرة للدين كحاجة روحية لايمكن الفرار منها ومع ذلك يعترف بعجز الإنسان عن طرح الأجوبة الشافية "للاسئلة الميتافيزيقية الكبرى" وبذلك هو يقف تجاه الأجوبة السابقة التي طرحها علم الكلام القديم موقف واضحًا حين وصف إجاباتهم (والإجابات المرحلية) التي يجب أن تخضع لعوامل تغير الزمان والبيئة والثقافة وعلى حد تعبيره "إن استئناف رسالة القران وتموضعها في سياق متطلبات المسلم -الإنسان- الروحية والأخلاقية لن تنجزها أدوات النظر ومناهج الفهم القديمة، لأنها تمثل عبئًا ينهك دلالة النصوص، عبر تكرار المعنى الذي أنتجته في الماضي، ومصادرة تعدد الدلالة" وبذلك يضع يده بشكل مباشر على تفعيل عوامل حركية النص الذي يتفاعل مع الإنسان ولا يمكن أن يعيش دون أن يعطي الإجابات أو يساعد في الوصول إليها بفعل اذابة الصلابة لا تحطيمها والتخلي عنها.
وهنا يطرح الرفاعي عدة أسئلة ضمنيًا هل خلقت الحياة من أجل النص (في البعد الدلالي الواحد)؟ أم خلق الإنسان صاحب العقل الذي يرى عدة وجوه؟ هل الدين مختلف بعامل التعدد؟ أم انه متعدد بعوامل الفهم؟ وهل الحل في التمسك بتحجير النصوص أم البحث عن البعد القيمي للدين؟ كيف يمكن فهم الأبعاد الروحية في الدين كقواسم مشتركة؟
إن التخلي عن فكرة (الفرقة الناجية) يفتح ابواب حياة للإنسان الحر نحو فهم النصوص وفهم نفسه، وتحرير اختياراته التي أساسها وجود خالق عظيم متعدد الصور ، وبذلك يكون الإنسان واعيًا بالاختيارات التي يسلكها في حياته أي متمكنا من خلق قيمه الخاصة من خلال استخدام أدوات المستمرة بالتصاعد لا أدوات غيره القديمة …وهذا ما يعطي للبعد الروحي أهمية قصوى كما يقول (كير كيجارد) "إن الشيء الجوهري أن أجد أن حقيقة تكون حقيقة بالنسبة لي، وأن أجد الفكرة التي أرغب في الحياة أو الموت من أجلها، … وعلى الرغم من المشكوك فيه تمامًا والمليء بتناقضات ظاهرية لا نهاية لها، فإن اليقين العاطفي، والإيمان الأعمى بالله فقط يمكن أن يتجاوز اضطراب الوجود المحدود "

سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي