شارعٌ: شهيدُ الكلمة فرج فودة

فاطمة ناعوت
2021 / 6 / 13

حين تتجوّل في شوارع مدينة "قرطبة" الإسبانية، ستجدُ مدرسة Averroes، وجامعة Averroes وشارع Averroes وميدان Averroes، وهلم جرّا. أما Avveroes فهو الاسم الغربي للشيخ الإسلامي الأندلسي المثقف الفيلسوف والطبيب والقاضي والفلكي والفيزيائي ابن القرن الثاني عشر: “أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد"، الذي كان سببًا مباشرًا في نهضة أوروبا بعد تقديمه شروحًا قيّمة لأفكار الفيلسوف الإغريقي "أرسطو"، الذي شيدت أوروبا نهضتَها الكبرى على أفكاره. في عصره حاربه شيوخُ الحِسبة لأنه حاول إظهارَ الوجه المشرق للإسلام بوصفه دينَ العقل والرحمة، فحرقوا كتبَه ونفوه عن وطنه؛ لأنهم يريدون وصمَ الإسلام بالنقل وعدم إعمال العقل وإعلاء صوتَ الرصاص والدماء، بدلا من صوت العدل والرحمة.
ويعيدُ التاريخُ نفسَه على قماشة الزمان والمكان الدوّارة، مع مفكر إسلامي مصري آخر، هو الشهيد المستنير د. “فرج فودة" الذي تلقّى وابلا من الرصاص في صدره العامر بالمحبة والسلام والفكر الإسلامي السويّ في مثل أمس الأول 8 يونيو 1992، على يد أُميٍّ لا يقرأ ولا يكتب، لكنه تلقّى الأوامر من الجماعة الإسلامية بقتله. قتلوا فرج فودة لأنه كان أكثر إيمانًا وفهمًا لجوهر الإسلام من أولئك الذين أهدروا دمه، ومن "السمّاك" الذي أطلق الرصاص على صدر المفكر الكبير، دون أن يقرأ حرفًا مما كتب!القاتلُ لا يقرأ، غير أنه يمتلك أُذنًا كبيرة تُنصتُ إلى صوت الشر. سمع أن الرجلَ كافرٌ، فاغتاله، دون بحث وراء صدق أو كذب هذا الذي "قيل" له. تلك ثقافة "قالوا له" التي تهدمُ مجتمعنا المصري. وماذا قال "فرج فودة" ليُقتل؟ قال إن الإسلامَ الدينَ في أعلى عِليّين، لكن الدولة كيانٌ اعتباري يجب أن تقف على مسافة متساوية من جميع الأديان. وهذا ألف باء "الدولة المدنية" التي ننشدها، وكذلك ألف باء "الإسلام" الذي قال نبيُّه ورسولُنا الكريمُ صلى الله عليه وسلم: “أنتم أعلمُ بشؤون دنياكم.” تلك العبارة هي جوهرُ المدنية والعلمانية في مفهومها الصحيح، قبل تشويهها وشيطنتها على يد أدعياء الدين الذين يريدون أن يجهلَ الناسُ جوهرَ دينهم الحنيف، حتى يظلّوا سدنةً يرتزقون من غفلة البسطاء، فيثرون على حسابهم ويسكنون القصور ويركبون السيارات الفارهة.
اليومَ، يقولُ "الأزهرُ الشريف" ما قاله د. "فرج فودة" قبل ثلاثة عقود، وتقول السعوديةُ ما قاله د. "نصر حامد أبو زيد" قبل عقود، وما قاله "ابن رشد" قبل تسعة قرون. فهل آن أوانُ تكريم "فرج فودة" وطباعة كتبه وتخليد اسمه على أحد شوارع مصر المستنيرة أو ميادينها؟
إلى متى نظلُّ نُشهر سيوفنا في وجه كل من شحذ عقله وأعمل فكرَه ونادى بالتحضُّر والعدالة في معاملة المرأة وغير المسلمين؟! متى نحتفي برموزنا الفكرية النيّرة ونكرّم الاستثنائيين ممن كسروا الصندوق الحديدي وغرسوا نبتَتهم في رحاب أرض الله تحت شمسه ونوره بعيدًا عن جحور الخفافيش وكهوف الظلام الذين خرّبوا الدين وشوهوا العلم وأضحكوا الدنيا علينا حين قالوا إن الشمسَ تدورُ حول الأرض، وأن الأرض مستوية، فوقها السماء مستوية، وأن القمرَ نجمٌ منير!
واليومَ، منَّ اللهُ على مصرَ بهدية هائلة هو الرئيس "عبد الفتاح السيسي"، حاكمًا مثقفًا مستنيرًا يريدُ ان يُعيدَ للدين الإسلامي وجهَه المشرق المنير، بعدما طمسه ظلاميون يشتهون الدمَ والرصاص والتكفير والظلم والظلام. نشكرُ الله على تلك الهدية ونحن نشهدُ الطفرات الواثبة التي يصنعها على مدار اليوم للنهوض بمصر في كافة الأصعدة وجميع الملفات في توازٍ مدهش، ومنها "ملف التنوير وتصويب الخطاب الديني" لكي تستنير مصر. لهذا نناشد الرئيس بإطلاق اسم "فرج فودة" على أحد شوارع مصر وإعادة طباعة كتبه القيمة النيرة لكي يقرأها النشءُ فيعرفون وجه الإسلام المشرق الذي غيّبه المغيبون عمدًا مع سبق الإصرار والترصد من أجل الارتزاق وإرهاب الناس.
كنتُ بالأمس على الهواء على قناة"الفكر الحر"من ألمانيا مع الإعلامي "سام"، نتحدث عن ذكرى رحيل "فرج فودة". وتعمّدتُ أن أرتدي ملابس بيضاء لأن ذكرى رحيله هي يوم ميلاده الخالد في ذاكرة العالم. رحم الُله شهيدَ الكلمة "فرج فودة" وأنار مشعلَه الذي لا يخبو. “الدينُ لله والوطنُ لمن ينادي باستنارة الوطن.”


***

سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي