تأثيل في الوعي والتغيير

المنصور جعفر
2021 / 6 / 12

يتجه هذا المقال إلى تأثيل وتمحيص جزء من الكلام السياسي عن موضوع "الوعي والتغيير" متناولاً بعض أشكال الأزمة الفكرية والعملية في هذا الموضوع وأصولها وبعض إمكانات العلاج من سلبياتها.



1- فكر الأزمة وأزمة التفكير في موضوع الوعي والتغيير؟

(أ) الظاهرة:
في عموم الكلام عن أسباب الأزمات السياسية الإقتصادية أو عن طبيعة التغييرات و الانتفاضات أو الثورات المواشجة لها، وكفاءتها أو فشلها توجد إشارات مغالية إلى ضعف الأحزاب والتكوين والوعي الوطني والسياسي وإشارات أخرى إلى ضعف التكوين والوعي الإجتماعي والطبقي، وعادة تواشج هذه الإشارات عملية فرز أو سلخ لـ "الوعي الوطني" وشقيقه "الوعي السياسي" البرجوازيين عن حقيقة "الوعي الطبقي" وقوامه الإجتماعي الشامل غالبية الشعب.

بأزمة الغلو في الكلام عن غياب التكوين والوعي الطبقي أو عن ضعف الدولة والأحزاب والوعي السياسي أمام السمات العشائرية والطائفية ومن ثم فصل الوعي الوطني وشقيقه الوعي السياسي عن الوعي الطبقي تتكون حالة مضادة للتطور الاجتماعي بزعم غياب أو إنتظار تكون وعي معين أو حضوره.


(ب) بداية الأزمة:
يدل فصل "الوعي الوطني" أو "الوعي السياسي" عن "الوعي الطبقي" إلى خللين طبقي وسياسي في عملية رصد وحساب وتحليل عوامل التغيير الطبقية طبيعتها السياسية.


(ج) علامة الخلل:
يتجلى خلل الرصد والحساب المؤسس أو المرتبط بفصل "الوعي الوطني" و"الوعي السياسي" عن "الوعي الطبقي" بإهتمام بعض التحليلات السياسية بالمايزة بينهما أكثر من اتجاهها إلى التعامل الموضوعي مع موضوع الطبقات والسياسة كمظهر وجوهر لطبيعة المجتمع والدولة والصراع الطبقي فيهما.


(د) ثقافة التجزئة:
يواشج فصل "الوعي الوطني وشقيقه "الوعي السياسي " عن "الوعي الطبقي" جزءاً كبيراً من ثقافة المعيشة السائدة يرتبط بنشاط وتجارة التجزئة البرجوازية. كما ان نفس التجزئة تكشف انحيازاً إلى تحليلات تزعم لنفسها الحياد ولكن طبيعتها الإقتصادية وتنظيمها السياسي يضاد تحسن معيشة الكادحين..


(هـ) السياسة انحياز طبقي:
يؤشر الغلو في فصل "الوعي الوطني" وشقيقه "الوعي السياسي" عن "الوعي الطبقي" إلى تجاهل أصحابه حقيقة الإرتباط التاريخي والمادي بين تفاوت الأوضاع المعيشية للمجتمعات وصراع طبقاتها في مختلف أشكال الحكم والدولة البرجوازية. ففي كل مراحل التاريخ لم توجد سياسة بدون طبقات ولم توجد طبقة في المجتمع والدولة خارج السياسة والصراع بين إتجاه تنظيم الموارد لصالح الطبقة المسيطرة وإتجاه تخفيض أو إلغاء الاستغلال الطبقي.


(و) سلبية فصل أو إختلاس الوعيين الوطني والسياسي من "الوعي الطبقي":
تؤثر الممايزة بين شكل الوعي الوطني/السياسي وشكل الوعي الطبقي على بعضهما وعلى إمكان تطور المجتمع، فكل من الوعيين يشترط الآخر ومن ثم تنقطع إمكانية تطور أي من الوعيين لعدم اكتمال الوعي الآخر، وبالتالي لا يحدث تغيير شامل جذري بل يعاب الطموح إليه ويدان في الأدب السياسي البرجوازي.



2- الخطوط العريضة:

(أ) مكونات التفريق السلبي بين الوعي السياسي والوعي الطبقي:
غلو الممايزة بين "الوعي الطبقي" و"الوعي السياسي" غلو شائع له ظروف وأسباب مرتبطة بالصراع الطبقي وسياسات طرفيه وموقف ما بينهما من فئات البرجوازية الصغيرة.

(ب) بعض حالات التفريق بين الوعيين:
منطقاً يزيد الغلو في التفريق بين الوعيين الوطني والسياسي، والوعي الطبقي عندما يحتدم أو يتراخى الصراع الطبقي في حالات تمويه قمع أو إستلاب الطبقة الكادحة ودور قادة البرجوازية الصغيرة وقادة البرجوازية الكبيرة في ذلك القمع أو في ذلك الإستلاب.

كذلك يعلو إتجاه فصل النزعة الوطنية والتنظيم السياسي عن النزعة الطبقية وإرتباطها بحقوق معيشة غالبية السكان في الصراع داخل دوائر البرجوازية الصغيرة مع أو ضد تواشج ثوارها مع فئات البرجوازية الكبيرة ضد شبه الاقطاعيين، أو تحالفهم مع الكادحين الثوار وسط الرعاة والزراع والعمال وحتى أشباه الإقطاعيين ضد البرجوازية الكبيرة وعملاء الاستعمار..


-
3 - من حالات عزل الوعيين الوطني والسياسي وسلخهما عن الوعي الطبقي:

(أ) حالات تفريق قديمة:
لفترة طويلة منذ أيام انتفاضات الفلاحين في ألمانيا وإنتفاضات الحفارين في انجلترا ثم الثورات الهولندية والانجليزية والفرنسية البرجوازية وفشلها ثم الثورة البروليتارية في روسيا ثم انتفاضات بعض بلدان إفريقيا واسيا في عشرينيات القرن العشرين ثم الانتفاضات والانقلابات والانتخابات التي سبقت الحرب العالمية الثانية والتي جاءت بعدها وتواصلت إلى فترة السبعينيات، كانت الآداب السياسية في عناوين ومقالات الصحف وفي الكتيبات والمذكرات والبيانات تتأجج بتزكيات شتى تفصل الوعي الوطني أو السياسي عن "الوعي الطبقي" وبشكل عام كان أنصار الوعي السياسي يأخذون "مصلحة العقيدة" أو "مصلحة الوطن" إلى جانبهم، كعامل ترجيح.


(ب) اإنتشار التفريق إلى داخل الأممية الثالثة:
بعد الثورة الإشتراكية في روسيا عام 1917 وضحت بعض مظاهر هذا التفريق وتجلت في مسألة شروط عضوية "الأممية الثالثة" (= الهيئة الأممية للنشاط الشيوعي في مختلف مجتمعات العالم) وتحولت حالة هذه الشروط من التشدد البروليتاري أيام الرفيق لينين إلى التساهل الوطني والتراحم الإجتماعي أيام الرفيق إستالين. أشهر الأدلة وسط كتابات الإعلام على ذلك الفصل هي مسألة قبول الحزب الشيوعي المصري في عضوية الأممية الثالثة، إذ رفضت عضويته على إسم الشيوعي وقبلت عضويته على إسم الحزب الإشتراكي المصري.


(ج) معالم التفريق:
عموماً، كان أنصار "الوعي الطبقي" يعقدون حرية الوطن بحرية الشعب (= الكادحين) من الاستغلال والتهميش أي بحرية متكاملة للمجتمع من الإستعمار الداخلي ومن الإستعمار الخارجي. وفي الجهة الضد كان أنصار "الوعي الوطني" و"الوعي السياسي" يمايزون ويفرقون بينهما ككتلة إدعاءات عن كتلة "الوعي الطبقي".

كان "السياسيون" -ولم يزلو-ا يرفعون كلمة "الوطنية" على أسنة الرماح، ويكشرون أنيابهم وأنيابها في وجوه النقابات والأحزاب الشيوعية ويفهمون السياسة ويعلمونها لكبراء محازبيهم كفن قيادة وتحريك يجمع بين اللباقة والأناقة والخداع ومصلحة الزعيم وفهلوته. لكن السياسيين خلافاً للثوريين الطبقيين كانوا ولم يزلوا يعقدون كلمة "الوطنية" ونجاح الدولة ومجتمعها بحرية الإستثمار الأجنبي وحرية التملك والتجارة، وبحرية تكوين الأحزاب على أساس تجاري، وحرية تداخل التجارة والسياسة.

وكانت معيشة الناس والحالة الإقتصادية للمجتمع والدولة في رأيهم أمر لا يدعو لتنمية مستقلة متوازنة ونضال تخرير داخلي وصمود دولي، بل يظنون ان معيشة الانسان والمجتمع مجرد نتيجة لعوامل آلهية وأخرى أخلاقية وبعض الإجتهادات والحظوظ الفردية وبعض ظروف السياسة الدولية ولايرتبط أكثرها بنظام الدولة وطبيعة توزيعها الموارد! أي مسألة محصورة بين القدر والطبيعة ورد فعل الفرد.


(د) تفريق "الوعي السياسي" عن "الوعي الطبقي" في "الربيع العربي":
في تحليلات الأوضاع السياسية والطبقية في فترة ما سمي "الربيع العربي" تمت في تلك الفترة المشتركة في العالم العربي اللغة ممايزة "الوعي السياسي" وزعم اختلافه عن "الوعي الطبقي".

تدريجاً إنحسر الكلام: فبعد كلام كثير في أول فترة انتصارات الربيع فسرت نتائج التغييرات بإنها مقدمة لحالة إزدهار شامل سياسي ومعيشي وثقافي ودولي ثم تراجعت النتائج وإنحسرت لتنحصر في حالة إزدهار كلامي زعم الإعلام إنه إزدهار سياسي،رغم عدم وجود تغيير طبقي أو في وضع الدولة في العالم. ثم اقتصر الكلام عن نتائج الربيع في إمكان نشر بعض الأراء الحزبية المختلفة وتبادل الإتهامات بخيانة الثورة.

في رد فعل وتلقائية ظلت الفئات الثورية في دوائر اليرجوازية الصغيرة وفي مراكز وعي الطبقة الكادحة تتحدث عن زيف الوعي السياسي وبطلان الكلام الأجنبي الاستثمار عن "الوطنية" وعن الحرية السياسية دون نشاط فعال للوطنية المزعومة في مكافحة الفساد أو في تقوية أنشطة النقابات !



4- نتيجة فصل السياسي عن الطبقي:

(أ) النتيجة العامة:
منذ أكثر من مآئة عام جاءت كل التغييرات السياسية جزئية سطحية شكلية بينما توخاها عموم الناس شاملة عميقة.


(ب) إدت ثقافة انتظار تكوين ونمو كل نوع من أنواع الوعي: "الوطني" و"السياسي" و"الطبقي" لتكوين ونمو الوعي الآخر إلى نشاط برجوازي صغير في إلحاق الأفكار والأحزاب الشيوعية بمنظومات الحكم البرجوازي أو بعمليات تغيير سطحية لشكل الحكم وتحويله من حكم عسكري إلى حكم مدني أو من حكم مدني إلى حكم عسكري دون تغيير في الطبيعة البرجوازية الدولة حيث تزيد السلبيات في معيشة الكادحين.


(ج) أصلاً وفصلاً ترتبط السياسة البرجوازية أو الليبرالية بتوكيد حرية الفرد في النشاط والتملك التجاري وهذا أس الدمار. ومن هذه الحقيقة المادية التاريخية بالإمكان التعرف على الظروف مسايرة البرجواز والليبراليين أو حتى الإنخداع بشعاراتهم وتصريحاتهم. لعل أهم هذه الظروف هي مواجهة بطش الحاكمين.



5- أفكار البرجوازية الصغيرة:

(أ) فكرة فصل "الوعي السياسي" عن "الوعي الطبقي":
يبدو "الوعي السياسي" في الثقافة البرجوازية كنشاط مرتبط بموضوعات مثل "الوطنية"، "حريات التعبير والتنظيم"، "الديموقراطية"، "الأحزاب"، و"الإنتخابات"، دون اهتمام بأسسها الطبقية! ومن ثم بزعم إستقلال الفكر الوطني والفكر السياسي عن الفكر الطبقي وعزل التفكير والنشاط للسياسي عن "الوعي الطبقي" تأتي التغييرات جزئية ضعيفة تغير الشكل السياسي وتبقي مضمونه البرجوازي.


(ب) فكرة تأخر تكوين "الوعي الطبقي" أو تأجيل التعامل معه:
الظن أن "الوعي" يتكون بشكل متتال تتابعي (خلاف وجود البصر والنظر الذي يتم بصورة شبه فورية خلال أقل من الثانية) ، فانهم يظنون "الوعي الطبقي" هو أعلى أو آخر مراحل أو أنواع الوعي! بل يزعمون تكونه بعد وجود "الوعي السياسي"، ذيلاً له وليس حالة رؤية شاملة مؤسسة بمعرفة قوانين الديالكتيك وخبرة التاريخ والحاضر.

إنهم لا يفقهون وحدة "الوعي" كرؤية تحليل وقرار تشمل عناصر وعلاقات وبنى وحركة وإتجاه الأمور الإجتماعية وطبيعة صراعاتها.



6- الخلاصة النظرية لفكرة إنفصال الوعي وفكرة إنتظار تكون الوعي في غياب جزء أخر منه:

(أ) إلحلقة المفرغة:
إنتظار تكون أو إكتمال الوعي الآخر يبرر الحالة البرجوازية أو السياسة الليبرالية أو مواصلة إرهاق الطبقة التجارة للطبقة الكادحة. والوضع الواقعي أو العملي لهذا التبرير وهو تأجيل ما يزعمون إنه "الوعي السياسي" تأجيلاً مفتوحاً بحجة عدم توفر "الوعي الطبقي"، كذلك تبرير تأخر أو تأخير "الوعي الطبقي" بحجة عدم توفر "الوعي السياسي".


(ب) محصلة التأجيل:
النتيجة هي تكوين ذهنية وثقافة "تأجيل" مزدوجة كونها تؤجل "الوعي الوطني "وأخوه "الوعي السياسي" وفي نفس الآن تؤجل "الوعي الطبقي". ويؤدي التأجيل المتبادل لأنواع الوعي يؤدي إلى تأجيل التغيير الجذري، وتصوير المنادين به كأغراب وتخييل المناداة به كقفزة في الظلام واندفاع يتجاوز الظروف الموضوعية.

الواقع السياسي البرجوازي ان تأجيل الوعي والتغيير الطبقي ومنع سيطرة الكادحين على موارد ومصير معيشتهم يحاول إدامة الوضع التجاري (المسمى الليبرالي) أي وضع ديكتاتورية السوق وتحكم تماسيحه في معيشة غالبية الكادحين. من ثم يصير تأجيل الوعي والتغيير أساس للهجوم الإعلامي على أفكار ونضالات ديكتاتورية الشعب والديموقراطية المتكاملة مرة بدعوى أن الحالة الطبقية تحتاج لنضج سياسي ومرة بدعوى ان الحالة السياسية تحتاج لنضج طبقي.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية