الحرية..

ريم عبد الباقي
2021 / 6 / 11

قد يبدو الحديث عن الحرية حديثا مستهلكا بلغ مداه ومنتهاه ولم يعد هناك ما يمكن أن يضاف إليه ولكن ورغم ذلك لا يمكننا أن نتوقف عن الحديث عنه..
فالحرية هي المعنى الحقيقي للإنسانية وهي أثمن ما يمكن أن يمتلك الانسان لأنه بها فقط يكون قادرا على ممارسة إنسانيته الحقيقية.
ما معنى تلك الكلمة السحرية التي من أجلها قامت الثورات والحروب على مر الأزمان..
قانونياً فهي قدرة الأفراد على ممارسة الأنشطة التي يريدونها دون إكراه، على أن يخضعوا للقوانين التي تنظم المجتمع، والحرية في اللغة حسب ما جاء في معجم لِسان العرب أن الحُرّ من كل شيء هو: أعتقه وأحسَنه وأصوبه، والشيء الحُرّ: هو كل شيء فاخر، وفي الأفعال: هو الفعل الحسَن، والأحرار من الناس: أخيارهم وأفاضلهم.
وكما ورد في إعلان حقوق الإنسان الصادر عام 1789م الحرية هي: حق الفرد في أن يفعل ما لا يضر الآخرين، والحرية في الإسلام هي: ما وهبه الله للإنسان من مكنة التصرف لاستيفاء حقه وأداء واجبه دون تعسف أو اعتداء.
بدايةً يجب أن أوضح أن الحرية المطلقة بلا قيود هي وهم لا يمكن الوصول اليه مهما بلغت من القوة أو المكانة ومهما كنت أو أياً كنت وأنا لا أتحدث هنا حتى عن الحرية العادلة التي يستحقها كل البشر كحرية اتخاذ القرار أو حرية الحياة والتصرف بما لا يخالف القوانين الإنسانية أو المدنية ودون التعدي على غيره أو أذيته بالرغم من أنها حق للجميع..
لكن لنكون واقعيين فهي أيضا غير متاحة لأغلب البشر..
أنا اتحدث عن الحد الأدنى من الحرية.. حرية التفكير أو الاقتناع.. حرية الحب أو الكره.. حرية ممارسة أمومتي أو بنوتي أو أخوتي أو صداقتي لأشعر بأني إنسان، حرية مشاعري التي تخصني.. أن أحزن أو أفرح أو أبتسم أو أبكي حرية ممارسة هواية ما أو عمل ما حرية استخدام عقلي أو حواسي..
تلك الحريات البسيطة الصغيرة البدائية التلقائية والتي قد يعتبر البعض أنني أبالغ عندما أقول إن البعض محرومون حتى منها.. ولكنها الحقيقة القاسية فبعض البشر مضطرين لأن يسرقوا أبسط معطيات الحياة..
وهناك من يقيد حريته بذاته وباختياره أو دون وعي منه ولكنه يقيد نفسه باحتياجه
اللامتناهي لماديات الحياة أو للتقبل من المجتمع أو احتياجه العاطفي الذي يتكل فيه على سواه فيتنازل بالمقابل عن نفسه.. أو ادعاء المثالية ليشعر بالفوقية والتعالي سواء الأخلاقي أو الديني أو المجتمعي وقس على ذلك كل ما يمكن أن يكبل الإنسان به نفسه بقناعته الكاملة.. هي حرية شخصية في النهاية فهو هنا حر في اختيار قيوده.
أما البعض الآخر فيحرم منها بفعل سواه ممن يفرض سلطته عليه بصفة أو أخرى فيسلب كل تلك البديهيات التي يحتاجها ليكون أنسانا فقط ليس إلا..
قد لا يتخيل البعض كيف يمكن أن تكون حياة شخص سلبت منه أبسط مبادئ إنسانيته
أو تخيل مدى الألم الذي يمكن أن يشعر به هذا الشخص ولكن ما حيرني أنا دائما ولم أستطع فهمه أو تخيله هو ما يمكن أن يشعر به ذلك الشخص الذي قرر بقناعة تامه أن يسلب سواه حريته، حياته وهو مازال على قيد الحياة.. كيف أقتنع بأحقيته في التسلط على حياة سواه بأي صفة كانت، ليحوله لمسخ بشري أو دمية يحركها بالخيوط لينتهي الأمر بالتفاف تلك الخيوط على رقبة أي منهما.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول