من يومياتي

نادية خلوف
2021 / 6 / 11

السرطان ليس مرضاً مرعباً كما تتوقعون . هو مرض خبيث وكفى ، الكثير من الأمراض الخبيثة قد تقضي على حياتك ، ومنها أمراض الإنسان من الغلّ و الحقد حيث تجعلك عرضة للقتل و التهديد. أتاح لي المرض أن أكتشف نفسي بالدّرجة الألى ، ثم أكتشف العالم حولي . عندما عرفت أوّل مرة . أنكرت الموضوع ، وعدت لأمارس حياتي حتى في الرّياضة و الكتابة، عندما عرفت الموضوع على حقيقته فكرّت في أنّني قد غبت عن نفسي زمناً ، ولم أمنحها مزيداً من الحبّ . بكيت مرّة واحدة عندما بكى أولادي، ثم طلبت منهم أن لا ينظروا لي بعين الشفقة، فلا زلت على قيد الحياة ، سارت الأمور طبيعية، بل إنني أرفض أن يعتنوا بي بشكل مبالغ به. أقول لهم : لا تشعروني بالموت .
هل أنا قوية ؟ بالطبع لا! لغة الجسد لا تكذب ، فجسدك يتحدّث معك ليقول لك انهض الآن ، أو تمدّد على سريرك . هي تلك اللغة العميقة التي تعطيك الحقيقة، ومع هذا فقد جعلني السّرطان أكتشف العالم، فتلك الجيوش من الممرضات ، و الأطباء لهم فضل على الإنسانية، ولو وضعنا جيوشاً من الطواقم الصّحية على الحدود لما اعتدى علينا أحد.
لم تنته رحلتي بعد، ولم يهرب السرطان رغم محاربته بالكيماوي و الأشعة، لكنّه جعلني أشعر بالحياة من خلال لقائي بالمرضى سواء في فندق المرضى، أو في غرف المستشفى حيث أتقاسم الغرفة مع امرأة أخرى ، و المرضى بشكل عام هم نماذج إيجابية ، يحاولون عيش الحياة بأقصى ما يستطيعون . في آخر عملية تشعيع داخلي لي كنت أتقاسم الغرفة مع امرأة ثمانينية مصابة بالسّرطان، تمارس حياتها بشكل طبيعي ، كنت أتقيأ بعد العملية، فتقترب مني، وتسألني : هل تتألمين كثيراً؟ لا بأس سوف تكونين بخير. عندما استقر وضعي ، سألتها عن مرضها . كان تماماً مثل مرضي ، كما أنها مصابة بالسكري مثلي ، لكنها تسهر على التلفاز بعد أن تستشيرني إن كان لا يزعجني الصوت . هي تستطيع أن تأكل أي شيء، و أنا لا أستطيع إلا أن أشرب المغذي ، ليس هذا فقط بل تناقش في نوع الطّعام، وتذهب إلى المطبخ لتجلب المعجنات و القهوة .
سألتني من أي بلد أتيت. قلت لها: من سورية. قالت: أتيت مع عائلتي بعمر سنوات من فنلندا ، و أعيش في فارملاند . أجبتها أن الفلندي و السويدي متشابهان ، فقالت: هناك كثير من الاختلاف. لسنا مثل الرّوس، ولسنا مثل السويديين . -إذن هناك اختلاف -تحدثت لي عن عملها في رعاية المسنين سابقاً ، وكيف أنجبت أولادها ، عندما خرجت من المستشفى كان يجب أن تخرج هي أيضاً، لكنها أصيبت بالحمى ، فتركوها كي يعتنوا بها، وبينما كانت الممرضة تحقنها بالإبرة لم تنس أن تلتفت لي عندما ودعتها، وقالت لي حظّاً سعيداً.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول