قصة المجلس الوطني لإعلان دمشق عام 2007 (إصلاح المعارضة السورية، الجزء الثاني 1)

فارس إيغو
2021 / 6 / 11

النهاية الثانية لربيع دمشق
لماذا تخصيص الجزء الثاني بكامله للمجلس الوطني لإعلان دمشق؟
وما أهمية هذا الحدث المفصلي بالنسبة لمستقبل المعارضة السورية قبل الثورة وبعدها؟
إنّ ما جرى قبل انعقاد الجلسة اليتيمة للمجلس بشهور وأثناءها وما بعدها سوف يطبع المعارضة السورية لفترة طويلة بهذا الانشقاق الذي حدث أثناء انعقاد الجلسة الأولى والأخيرة، وإعلان النتائج والانعكاسات التي جرت بعدها من توقف وجمود حركة المعارضة أو اقتصارها على النخب السياسية التي شكلت الأمانة العامة إلى حين اندلاع الربيع العربي. وبهذا يكون هذا الفشل الذي يعزى إلى تياري المعارضة الرئيسيين القومي ـ الماركسي والليبرالي، وبالخصوص التيار الليبرالي الذي توسع في الفترة بين 2005 ـ 2007. ومهما كانت المقدمات فإن النتائج أثبتت أن التجربة قد انتهت قبل أن تنضج، معلنة بذلك النهاية الثانية لربيع دمشق. فهل كان من الممكن تجنب كل ذلك؟ (1). سنرى ذلك من خلال هذه المقالة المؤلفة من قسمين والتي خصصناها بصورة حصرية للمجلس الوطني لإعلان دمشق، والذي تحدث عنه مطولاً السيد موفق نيربية في محاضرته في موقع مشروع وطن 29/05/2021 (2).
ـ يقول السيد موفق نيربية في روايته عما حدث في التحضيرات لانعقاد هذا المجلس منذ بداية عام 2007 وهو الذي ترأس اللجنة التحضيرية لانعقاد هذا المجلس:
((البداية مع تجربة ونموذج المجلس الوطني لإعلان دمشق للتغيير الوطني (أواخر 2007): كفرصة أضعناها، كان يمكن أن تكون رافعة ومحطة عامة للقفز إلى الأمام. كنا بعد وفاة الحريري (14 شباط 2005) بفترة قد رأينا كيف قام إعلان دمشق، وجمع الناس المعارضين الذين تفاءلوا من جديد في احتمال بداية موجة ضعف وتهلهل لدى النظام يمكن أن تساعد المعارضة على تطوير معارضتها في اتجاه تحقيق شيئاً ما. بعد تشكيل إعلان دمشق لم تنتظر الخلافات الداخلية المتربصة دائماً بين الاتجاهين الأساسيين اللذين أشرت إليهما سابقاً (القوميين والماركسيين من جهة والليبراليين من جهة أخرى). في عام 2006، كان هناك ازدهار وتوسع أفقي للإعلان، ولعمله في المحافظات جميعها، وفي خارج البلاد، الأمر الذي دفع مكتب إعلان دمشق في أوائل 2007 إلى الاتفاق المبدئي على عقد المجلس الوطني الموسع، من خلال سلسلة تحضيرات تربط ما بين مفهومين يفرقان النخبة عموماً، وهما مفهوم التوافق ومفهوم الممارسة الديموقراطية. يعني مفهوم التوافق أن تُهندس (أو تُركب) قيادة من مجموعة القوى، وتكون لهذه القوى حقوق الفيتو على توجه لاحق للمجلس الوطني لإعلان دمشق (التدخل الخارجي، أولية قيادة المجلس الوطني لإعلان دمشق في الداخل، رفض الخطاب الطائفي، الخطوط الحمراء المتعلقة بوحدة سورية أرضاً وشعباً ورفض المشاريع الفيدرالية والكونفدرالية والحكم الذاتي والموقف الواضح في العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلخ)؛ أما مفهوم الممارسة الديموقراطية الآن وليس غداً، فهو يعني الانتخاب الديموقراطي لتعيين أعضاء الأمانة العامة للمجلس الوطني، والقبول بما يأتي به صندوق الانتخاب. وقد بحثوا في مكتب الأمانة في إعلان دمشق في أثناء التحضير للمجلس الوطني في التجارب المنتشرة في سورية آنذاك، كان في حمص واحدة من أكثرها نجاحاً وانتشاراً وتنظيماً، وحيث كنت أعمل في معزل عن أجواء المركز المزعجة (كنت قد هجرت نسبياً العمل مع المركز مباشرة مع استمرار العلاقة)، ربما هذه التجربة الناجحة في حمص، إضافة إلى ما قيل لي من وجود خبرات تنظيمية طويلة لدي، دفعهم لاتخاذ قرار بأن أكون رئيساً للجنة التحضيرية لذلك المجلس، وابتدأت عملياً بإدارة ورشة كبيرة بالتعاون والدعم من قبل رياض سيف بالخصوص، رئيس مكتب الأمانة لإعلان دمشق في ذلك الوقت، وتركزت مجموعة الاجتماعات الأولى التي يفترض أن تخلق أجواء توافقية على موضوع البنية التنظيمية، ووضع لائحة داخلية للمجلس اختياراً وبرمجة من قبلي، للدخول خطوة خطوة في الاتجاه الأعمق أو الأصعب. تمّ التوجه في هذه المرحلة إلى وضع مشروع ورقة أو وثيقة لتصدر عن المجلس وتكون ذات طبيعة جامعة وشاملة، وتحمل المواصفتين اللتين يصعب الجمع بينهما، كما يبدو من الظاهر، من حيث جذرية الطرح أولاً، والاعتدال الذي يكون قادراً على اقناع الناس واحراج النظام في الوقت نفسه. إذن، الجذرية أولاً، والاعتدال ثانياً؛ بعد المرور في المراحل الصعبة في التوصل إلى تفاهم مشترك بين القوميين العرب/والقوميين الأكراد فيما يخص المسألة الكردية، والتوصل إلى تفاهم بين القوميين واليساريين من جهة والليبراليين من جهة ثانية، فيما يخص المسائل المتعلقة بالإمبريالية والقضية الفلسطينية. وقد توصلنا إلى نص جماعي بعد تنازل من كل الأطراف بالتدريج، ومع تحفظ البعض على اصرارهم في الاحتفاظ بحقهم على تطوير ذلك الاتفاق في اتجاه ما يرونه في المجلس نفسه، الأمر الذي لم يحدث لأن إضافات وسطية قد أضيفت لتغطي المطلوب، أي وصلنا إلى وثيقة تجمع الجميع على حل وسط من دون أي تحفظ. ولكن الانتخابات آنذاك كانت هي مشكلة أخرى، ابتدأت منذ صباح انعقاد المجلس الوطني، في 01/12/2007، الأمر الذي أخر الجلسات مرتين في ذلك اليوم.
وعندما جرت الانتخابات قام الاتحاد الاشتراكي بترشيح عبد المجيد منجونة إلى جانب المرشح المتفق عليه أصلاً وهو حسن عبد العظيم، وإضافة إلى الاثنين كان هناك مرشحة توافق عليها الجميع وهي السيدة ندى الخش، حتى أنها طرحت من قبل الآخرين وليس من قبل الاتحاد الاشتراكي. وقد أدى هذا الأمر إلى تشتيت الأصوات، وسقوط حسن عبد العظيم في الانتخابات. ويعزى عدم نجاح حسن عبد العظيم جزئياً ليس فقط تشتت الأصوات، وإنما (برأيي) إلى استهدافه من قبل البعض بطريقة من الطرق. وبعد ذلك سرّ طرفٌ وابتهج بالتخلص من الطرف الآخر (المقصود التيار الليبرالي ممثلاً بالسيد س. نشار والسيد رياض سيف)، ونجح هذا الطرف الآخر (المقصود الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل الماركسي) بالتهرب من مسؤولية انعقاد المجلس كلها (هذا نوع من الحكم على النوايا من طرف المحاضر)، بما جرى من تجميد العضوية من قبل الاتحاد الاشتراكي، ثمّ حزب العمل، وبذلك ضاعت على البلاد فرصة لا تعوض برأيي الشخصي، ولم يظهر ما يماثلها لاحقاً، في شبكة امتدادها الوطنية، ولم يأت ما يماثلها حتى في أيام الثورة، وما تقتضيه هذه الثورة من إحساس بالمسؤولية الكبرى والالتفات إلى التوحد والعمل الموحد، والاتفاق معاً على برنامج واحد)).
هذه الشهادة الأولى والأساسية التي أدلى بها السيد موفق نيربية والتي هي أساسية ومهمة جداً لمعرفة ما حدث، وخصوصاً أنها تأتي من شخصية كانت قريبة جداً من موقع المسؤولية، وإنْ لم يكن في موقع القرار. وأهمية هذه الشهادة، والشهادات الأخرى التي في متناولنا كالتصريح الذي أدلى به الصديق وائل السواح لتلفزيون سورية، مفيدة جداً لفهم ما حدث في سبيل تجنب الأخطاء في الطريق نحو الإصلاح الحقيقي والواقعي للمعارضة السورية (3).
التعليق الأول حول شهادة السيد موفق نيربية أنها تأتي تحت عنوان عريض: ((الفرصة التي أضعناها))، وهو توصيف غير دقيق للمشهد. فما حدث في الفترة التحضيرية للمؤتمر، وفي أثناء الجلسة الشهيرة، والأيام التي تلتها، أتت ضمن سلسلة من التقديرات الخاطئة، والأخطاء التي تعزى للتعجل والتخبط وعدم القدرة على التواصل والنقاش التي اتسمت فيها الفترة التي سبقت بعدة أشهر إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي واستمرت بعده إلى الكارثة في جلسة المجلس الوطني التي عقدت في 1/ 7/ 2007، والتي يتحمل مسؤوليتها التيار الليبرالي في المعارضة السورية بقيادة السيد سمير نشار والسيد رياض سيف. ومن دون أن يكون نقدنا هذا رغبة في السجال، ولا أي نيّة للإساءة لشخصهما الكريم، أو في التقليل من أهمية مواقفهما الوطنية والسياسية في فترة من أصعب المراحل التي واجهت سورية وكانت فيها المعارضة السورية في هذه الفترة بين عام 2000 و2004 بقيادة المعارضين المذكورين وآخرين في أحزاب التجمع والمستقلين نموذجية وشجاعة في تحمل المسؤوليات والتنبيه إلى المخاطر التي ستواجه سورية إنْ لم يستجب النظام لضرورات الإصلاح التدريجي الشامل لتخطي ما جرى وسيجري من كوارث عصفت وستعصف بالوطن والشعب السوري بكافة فئاته وشرائحه.
كان التيار القومي والماركسي، وهما الطرفان الأقوى في التجمع الوطني الديموقراطي (مع المكتب السياسي بقيادة السيد رياض الترك)، قد بدأ وزنهما يضعف في وسط المعارضة السورية مع تقدّم عمل لجان إحياء المجتمع المدني في العديد من المحافظات، وبالخصوص في مدينة دمشق وحلب وحمص (4). وفي المقابل كان وزن التيار الليبرالي والديموقراطي الاجتماعي المتمثل بحزب الشعب حالياً يزداد، وقد بدأت خيوط التشابك بينهما والشخصيات المستقلة التي تمثل التيار الإسلامي في الداخل كحلقة للوصول إلى تفاهم عريض مع الإخوان المسلمين يدفع بهم إلى مواقف أكثر تقدماً في مسائل كالمواطنة الكاملة التي تشكل الأرضية السياسية التي يمكن بالاستناد إليها لتأسيس الدولة ـ الأمة كالإطار الأكثر ملائمة لممارسة الديموقراطية. ولكن هذا الهدف اصطدم بمعارضة الإخوان والإسلاميين المستقلين الذين رفضوا التوقيع على وثيقة جريئة تشكل نقلة نظرية شجاعة نحو تذليل العقبات أما تأسيس الأمة السورية والدولة الوطنية الديموقراطية؛ فجاءت الوثيقة في النهاية لا تحمل هذا الأمل نحو تصحيح المسار الوطني والاتجاه بقوة وشجاعة نحو بناء الأمة السورية تاريخياً من خلال المدرسة الجمهورية والمؤسسات السياسية الرسمية المتشبعة بالثقافة الديموقراطية (5).
كانت الأيام التي تلت إعلان دمشق أياماً صعبة بالنسبة لي في وسط المعارضة، فلم أكن من المعارضين الراديكاليين لظهور الإعلان، ولم أستشر فيه إلا متأخراً في جلسة عامة مع السيد س. نشار في مكتبه الكائن في حي العزيزية، حيث جمع اللجان بكامل أعضاءها، وتكلم عن قرب صدور وثيقة توحد المعارضة الديموقراطية السورية على برنامج مشترك. وقد شعرت في كلامه نوع من إعلان نهاية العمل التكويني السياسي والفكري التي تقوم به اللجان، وبأن هذه الأخيرة سوف لن تكون لها الأولية في الأيام والأشهر القادمة، وسيكون التركيز على العمل التنظيمي والميداني، بينما كنت في مخطط مختلف لا يعارض إعلان مثل هذه الوثيقة وإنما الاستعجال فيها. وكانت نخب المعارضة تجتمع من وقت لآخر دون إطلاع الصف الثاني على ما يجري، وربما لا لشيء آخر سوى الحذر من الأجهزة الأمنية، ولحماية الصف الثاني في المعارضة من الاعتقال. ولكنني، بالرغم من ذلك لم أتقبل بسهولة هذا التصرف واعتبرته نوعاً من النخبوية المتوارثة من الممارسات والثقافة النخبوية لدى الأحزاب الأيديولوجية التي سادت تاريخ سورية منذ الخمسينيات. كنت أريد إبداء رأيي في الوقت المناسب، لا أنْ نوضع أمام الأمر الواقع، عندها لا يفيد النصح ولا الاستشارة. وما يؤكد هذا الموقف ما حملته هذه الوثيقة من ثغرات، بالرغم من الكثير من النقاط الإيجابية، وأنّ هذه الثغرات كانت تتطلب عملاً دؤوباً ونقاشات مستمرة مع كافة التيارات الأيديولوجية قبل الاتفاق على المبادئ الأساسية، وأهمها المواطنة التي تؤسس للوطنية، والعكس بالعكس؛ وحول هذه النقطة لم تكن التيارات الإسلامية في سورية والعالم العربي مستعدة في ذلك الوقت لمثل هذه الخطوة الجريئة. والنقطة الثانية التي كانت تؤرقني هي في التخلي عن العمل الفكري والثقافي التي كانت اللجان تقوم فيه بامتياز ويؤمن قوة نظرية وإيبستمولوجية قوية لعمل المعارضة ويخلق جواً ثقافياً نشيطاً وصحياً (6).
وكنت بدأت أشعر بأنّ الدعوات المتكررة للحوار في مكتب السيد عبد المجيد منجونة إلى شخصي وإلى شخص أعضاء آخرين في اللجان، والتي بدأت منذ بداية عام 2006 أي بعد تشكيل إعلان دمشق واستمرت إلى ما بعد الثورة، أي إلى عام 2012، تمثل نوعاً من الدعوة الضمنية لنكون إلى جانبهم، وعلامة على بداية خفيّة للصراع على الهيمنة في إعلان دمشق من طرف الليبراليين وهو ما تجلى واضحاً بعد الثورة عندما أصبحت اللجان في مدينة حلب تدعى دائماً كهيئة عامة في كل اجتماعات المعارضة التي يدعو إليها حزب الاتحاد الاشتراكي في مدينة حلب، بينما إعلان دمشق كان يحاول متعمداً تهميش اللجان أو الدعوة الشخصية لبعض أعضاءها في اللقاءات التي كانت تجري في مدينة حلب للأمانة العامة لإعلان دمشق. وأخيراً، دعانا السيد عبد المجيد منجونة (توفي مارس/آذار 2020، في مدينة حلب)، والسيد نجيب ددم (توفى 2020 في مدينة غازي عنتاب التركيّة) في بداية عام 2012 للانضمام إلى هيئة التنسيق لا كأفراد، بل كهيئة عامة تمثل لجان إحياء المجتمع المدني في مدينة حلب.
وعلى الرغم من اتفاق الشخصيتين الليبراليتين الرئيستين (سمير نشار ورياض سيف) في إعلان دمشق على محاولة إضعاف التيارين القومي والماركسي الممثلين بحزب الاتحاد الاشتراكي وحزب العمل الماركسي، إلا الأمر لم يخل من الصراع على الزعامة بينهما، والتي حسمت طبيعياً مع مرض السيد رياض سيف، فتولى السيد سمير نشار رئاسة الأمانة العامة لإعلان دمشق. فيما بعد س.
لقد حاول س. نشار منذ عام 2005 استمالة طبقة التجار والصناعيين والأطر والكوادر المهنية العليا ـ أطباء ومهندسين ـ عندما شكل حزب الوطنيين الأحرار في 10/06/2005، والهدف البعيد هو تأكيد فكرته على أهمية الطبقة البرجوازية الوطنية لقيادة طبقة وسطى عريضة تؤمن قيام كتلة عريضة تدعم الإصلاحات الديموقراطية، وهي بحد ذاتها فكرة نبيلة، ولكنها لم تتمخض إلا عن استمالة بعض الشخصيات التي انسحبت بسرعة نظراً للظروف الأمنية الضاغطة. وجاء تأسيس الحزب الجديد في اليوم التالي لانتهاء انعقاد المؤتمر المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث في سورية، الذي أوصى بإصدار قانون جديد للأحزاب يسمح بقيام احزاب سياسية في سوريا، وبمراجعة قانون الانتخابات الذي ينتخب على اساسه أعضاء مجلس الشعب والادارة المحلية. وكان س. نشار يتأمل بأنّ هذا القانون سيتيح للمعارضة السورية بهامش للعمل السياسي في سورية مع ازدياد الضغوط الإقليمية والدولية على النظام السوري، ولكن تبيّن أنّ ما صدّر عن المؤتمر قد تمّ وضعه في الأدراج ولم ينفذ منه شيء.
لقد كان التوقيت الذي اختير لإعلان دمشق نهاية عام 2005، وما تلاه من التحضيرات للمجلس الوطني ومحاولة تهميش الاتحاد الاشتراكي ذو التوجه القومي العربي وحزب العمل الماركسي هو اقتناع بعض شخصيات المعارضة الليبرالية بقرب تفكك النظام، وبالخصوص مع سقوط نظام صدام حسين والوجود الأمريكي في العراق منذ 2003، وصدور قرار مجلس الأمن 1559 في الثاني من سبتمبر/أيلول 2004، واغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير عام 2005، وأخيراً الانسحاب السوري من لبنان والانسحاب السوري من لبنان في 26 أبريل/نيسان عام 2005. وكان هذا الموقف مبنياً على تحليل استراتيجي خاطئ لبعض قيادات المعارضة السورية (وبالخصوص في الخارج) يرجح لجوء الولايات المتحدة الأمريكية المتحدة إلى الحل العسكري فيما يخص الملف الإيراني (7). وسوف يستمر الانفصال إلى نهاية عام 2016، تاريخ اقتناع جميع مكونات المعارضة السورية المعارضة بعدم وجود تدخل عسكري غربي، وأنّ التدخل الوحيد هو التدخل الروسي لصالح النظام. وسوف يعود الطرفان للالتقاء في اللجنة العليا للمفاوضات والتي تشكلت بتدخل المملكة العربية السعودية مع اقتناع جميع الأطراف بغياب أي حل عسكري للأزمة السورية.
وبذلك فإن الخلافات التي عصفت داخل المعارضة السورية منذ إعلان دمشق، وتشكيل الأمانة العامة حتى الجلسة العاصفة للمجلس الوطني لإعلان دمشق في 01/12/2007 لا يمكن توصيفها بالفرصة الضائعة. فما حدث في الفترة التحضيرية للمؤتمر، وفي أثناء الجلسة الشهيرة، والأيام التي تلتها، أتت ضمن سلسلة من التقديرات الخاطئة، والأخطاء التي تعزى للتعجل والتخبط وعدم القدرة على التواصل والنقاش التي اتسمت فيها الفترة التي سبقت بعدة أشهر إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي واستمرت بعده إلى الكارثة في جلسة المجلس الوطني التي عقدت في 1/ 7/ 2007، والتي يتحمل مسؤوليتها التيار الليبرالي في المعارضة السورية. والإشارة إلى هذا الأمر ليست غايتها التشهير بأحد، فكلنا في السياسة يخطئ ويصيب، ومن لا يخطئ يبقى جالساً في منزله. ولكن، هذه الأخطاء يجب أن تعلمنا المزيد من التمسك بالحوار والنقاش في سبيل تطوير الأفكار السياسية قبل وضعها على سكة التطبيق والممارسة.
لا أريد أنْ أطيل عند هذه القضية، وسأحاول الاستفاضة في النقد الثاني لما جاء به السيد موفق نيربية، وهو الأهم في نظري، ويتعلق بالصراع الذي حصل بين طرفي المعارضة الداخلية حول آلية تشكيل مكتب رئاسة المجلس والأمانة العامة للمجلس الوطني لإعلان دمشق.
وسأترك تفصيل هذه النقطة لمقالة ثالثة حول موضوعة إصلاح المعارضة السورية.
الهوامش
(1) يقول وائل السواح في نهاية مقالته ((المجلس الوطني لإعلان دمشق نقطة فارقة في تاريخ سوريا الحديث)): لقد شكل إعلان دمشق حالة مختلفة في الخريطة السياسية السورية، ما كان للحكومة السورية أن تتحملها. وكانت النتيجة أن اثني عشر قياديا في إعلان دمشق قد حكم عليهم بالسجن ثلاث سنوات، خفضت بعد ذلك إلى السجن ثلاثين شهرا. ومهما كانت المقدمات فإن النتائج أثبتت أن التجربة قد انتهت قبل أن تنضج، معلنة بذلك النهاية الثانية لربيع دمشق. فهل كان من الممكن تجنب كل ذلك؟ (صفحات سورية، تاريخ 29/08/2018).
(2) تم التوقيع على إعلان دمشق في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2005.
وعقد المجلس الوطني الموسع لإعلان دمشق دورته الأولى يوم السبت في 01/ 12/ 2007، وشارك فيها 163 عضواً من أعضائه المنتخبين والمنتدبين من مختلف القوى والهيئات ومن الشخصيات الوطنية المستقلة المنضوية في إطار إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي.
استمرت أعمال المجلس يوماً كاملاً بدأت باختيار الأستاذ عبد الحميد درويش لإدارة الجلسة حتى انتخاب مكتب رئاسة المجلس والذي تألف من السادة:
فداء حوراني (رئيساً) ـ عبد الحميد درويش (نائباً للرئيس) ـ عبد العزيز الخير (نائباً للرئيس) ـ أحمد طعمة (أميناً للسر) ـ أكرم البني (أميناً للسر).
أما الأمانة العامة للمجلس، فتألفت من السادة والسيدات: رياض سيف ـ علي العبد الله ـ نواف البشير ـ رياض الترك ـ موفق نيريبة ـ سليمان شمر ـ سمير نشار ـ ياسر العيتي ـ جبر الشوفي ـ ندى الخش ـ عبد الغني عياش ـ وليد البني ـ غسان نجار ـ عبد الكريم الضحاك وثلاثة أعضاء يمثلون الجبهة الديمقراطية الكردية والتحالف الديمقراطي الكردي والمنظمة الآثورية الديمقراطية.
(3) وائل السواح ((المجلس الوطني لإعلان دمشق نقطة فارقة في تاريخ سوريا الحديث))، تاريخ 29/08/2018.
(4) وبانفراط التجمع بعد قيام إعلان دمشق، فقد القوميون في الاتحاد الاشتراكي والماركسيين في حزب العمل قدرتهم على تمرير آرائهم، وكانت هذه بداية للخلاف الذي اندلع في أثناء التصويت في المجلس الوطني حيث فشل ممثل الاتحاد وحزب العمل في الوصول إلى الأمانة العامة بصناديق الاقتراع التي كانت سابقة خطيرة للممارسة الديموقراطية الخاطئة في توقيتها وفي أسلوب تمرريها باستعمال جاذبية التصويت الديموقراطي.
إن خلافات المعارضة في السنوات الأولى بعد الثورة إلى حين تشكل اللجنة العليا للمفاوضات لا يمكن فهمها إلا بالرجوع إلى هذه المرحلة من بداية 2005 إلى نهاية 2007، وهي في أصل الثنائيات التي طبعت السنوات الخمسة الأولى من عمر الثورة: ثنائية هيئة التنسيق / والمجلس الوطني السوري، وثنائية المعارضة الداخلية / والمعارضة الخارجية.
(5) أثار برهان غليون في مقابلة له على شاشة تلفزيون سورية مفاجأة كبرى في إشارته الى ما حدث فيما يخص الإعلان الأول السياسي للمعارضة السورية، أي إعلان دمشق، وقوله بأن البيان كان أحد الأخطاء الجسيمة للمعارضة السورية من جملة أخطاء حدثت أيضاً بعد عام 2011 وبداية الثورة السورية حيث دعا الى فتح باب النقد لتصحيح الأمور في المستقبل. وأضاف قائلاً:
((أظن أن كثير من الأخطاء السياسية التي ارتكبتها المعارضة السورية منذ عام 2005، ترجع برأيي الى ضعف الفكر السياسي، وقلة وانعدام الاهتمام بالثقافة والفلسفية السياسية، واستمرار واقع إهمال الثقافة في أوساط المعارضة السورية، وإن كان الأمر لا يمكن مقارنته بموقف السلطة التي تستعمل الثقافة كبوق للدعاية للنظام. إلا أن السياسي السوري في المعارضة ما زال لديه نظرة تقليدية للجانب الثقافي وعدم قدرته على تفهم الدور الخطير الذي تلعبه هذه الأخيرة في تبلور أداء أفضل ومعرفة أشمل للعالم من قبل الناشطين المنخرطين في العمل الميداني)).
حوار مع برهان غليون على قناة تلفزيون سوريا، تاريخ 25/آذار/2019.
على الرابط الالكتروني:
https://www.youtube.com/watch?v=BqM8n1SEG4A
(6) يقول برهان غليون في حواره مع قناة تلفزيون سورية: إنّ فقرة إعلان دمشق التعيسة، وهي من الأخطاء الكبرى للمعارضة السورية. وقد اقترحت يومها استبدالها بصيغة الدين لله والوطن للجميع بدلاُ من الفقرة المشؤومة التي وردت في إعلان دمشق.
ويفسر برهان غليون لماذا لم يوقع على البيان التأسيسي لإعلان دمشق بوجود الفقرة المعروفة عن (دين الأكثرية)، بأن ذلك بيّن مدى تشوش وضبابية الأفكار السياسية عند أحزاب المعارضة والنخب السياسية وبعض النخب الثقافية أيضاً التي لم تعترض على هذه الصيغة، فإعلان دمشق كان أول صيغة سياسية للتعبير عن ربيع دمشق، ويأتي البيان الذي من المفروض أن يضم كل السوريين بعد أن فرقهم النظام ودمر لحمتهم الوطنية السورية، ليتحدث عن أغلبية دينية، وبالتالي، أقليات مقابلها، وكان أحد الأخطاء الكبرى في عمل المعارضة السياسية، ويا ليت لم يخرج الإعلان على أن يخرج في هذه الصيغة. لأنه بيّن من اللحظة الأولى أن هناك فريقين، أو هكذا يتبين للملاحظ الدقيق، فريق يريد التحول من النظام الاستبدادي نحو مجتمع الحريات والمواطنة، وفريق آخر كل أن كل همه هو فقط التخلص من النظام وبعدها نرى، وهي صيغة ترددت بصورة دائمة من قبل الإسلاميين طوال مسيرة الثورة الطويلة. لأن الديموقراطية وكما يقول بحق برهان غليون هي تضم كل السوريين وليس لفريق أو طرف دون فريق أو طرف آخر، وبصرف النظر عن اعتقاداتهم السياسية، والدينية، والمذهبية، والاثنية.
المفروض أن يكون الإعلان هو البرنامج بالمبادئ الأساسية للعمل الوطني الديموقراطي والتي يجب أن تجمع الكل، وبالتالي، فإن إثارة مشكلة الطائفة الأكثر عدداً في سورية سقطة كبيرة في أول خطوة تحبوها المعارضة في طريق طويل وشاق في صراعها مع نظام لا يسمح بفتح أي هامش للحرية ولو كانت حرية فكرية، فالديموقراطية هي المواطنة المتساوية الشاملة للجميع، ومن ثم يتعلق الأمر ببيان تأسيسي وإطار قانوني لا علاقة له بالإطار الدستوري للعلاقة التي يجب أن تنشأ بين السلطات الدينية من جهة والدولة ومؤسساتها من جهة أخرى.
يقول المفكر التونسي فتحي المسكيني: إن استعمال الهوية أصبح لدينا نوعٌ من الاستعمال البلاغي الفائض الخطير، لو كنا قادرين على إيقاف اللغة لقلنا لندع هذا اللفظ ينسحب قليلاً حتى نستطيع أن نتساوى أخلاقياً وسياسياً فيما بيننا، وإذا كنت تدعي أنك أنت تمثل الإسلام مثلاً، أنا ماذا سأمثل؟ في هذه الحالة، يصبح الحوار باطل، عندما يدّعي طرف ما تمثيل الهوية الدينية دون الآخرين. باختصار الهوية الإسلامية كموّن أساسي من مكونات الهوية التاريخية الثقافية السورية ليس مكانها بنود الدستور والعقد الاجتماعي بل مقدمة الدستور فقط. ومن يدّعي امتلاكه الحق في هذه المسألة الشائكة يسحب الحق عن مكونات عديدة من المجتمع السوري، ويقفل باب السلم والأمن الاجتماعي والمستقبل بالنسبة لجميع السوريين، ولا أظن أن الفكر الإسلامي بتياراته المتعددة يمكن أن يشرّع ذلك.
(7) انظر المقالة الأولى للكاتب حول إصلاح المعارضة السورية ((هل كنا ساذجين؟ (المعارضة السورية 1970 ـ 2020))، الموقع الرئيسي للحوار المتمدن، تاريخ 05/06/2021.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول