الطغيان (الشرقي) .. و العمران .

محمد حسين يونس
2021 / 6 / 11

قبل أغسطس 2012 .. لم نكن كعامة الشعب .. نعرف شيئا عن مدير المخابرات العسكرية اللواء عبد الفتاح السيسي إلا أنه أصغر أعضاء المجلس العسكرى الحاكم .
وعندما رقاة الرئيس مرسي لرتبة فريق ..و منحة حقيبة وزير الدفاع .. خلفا للمشير طنطاوى .. كان واضحا ثقة جماعة الإخوان فيه علي أساس أنه (( ملتزم ،متدين ، صوام .. و مصلي )) و أن أهل بيته من الملتزمين بالحجاب ( وقد يكون النقاب ) .. و أنه من (سيأخون) القوات المسلحة ..و يجعلها موالية للحكم الجديد .
السيد الفريق الغامض الذى كان يرتدى بشكل دائم نظارة سوداء تخفي عينية و مشاعره ..و إتجاه نظراته قاد تمردا علي الرئيس المنتخب الذى حلف أمامة يمين الولاء .. و سجنه .. و حل محلة ..
ثم بدأ من اليوم الأول الإتيان بأعمال .. توحي بقوته و حكمته وإستحقاقة للسلطة..و بأنه صانع المعجزات التي فشل في تحقيقها كل من جلس علي كرسي العرش قبله .
لقد كانت خطة مدير المخابرات العسكرية السابق ..الذى جلس علي العرش بطرق غير ديموقراطية .. ولا يدعمه حزب شعبي .. له سياسته .. و إسلوبه في الإدارة ..
هي إستغلال أعمال و رموز و طقوس و فنون ..كي تعلي من إسمه و ترتبط به و تبقيه في ذاكرة الأمه إلي أبد الأبدين .. بجوار خوفو ، خفرع ، و تحتمس ، و رمسيس .و السلطان حسن .. و الغورى .. و محمد علي .. و إسماعيل باشا .. و جمال عبد الناصر .. الذين تم في عصرهم بناء أضخم المنشئات التي لازلنا نحج إليها.
و هكذا .. بدلا من الإلتزام بالديموقراطية .. و حقوق الإنسان ..و تبادل السلطة السلمي و إتاحة الفرصة للنمو المتناسق للثروة .. و تحقيق أهداف الثوار ( عيش ، حرية ، عدالة إجتماعية ) .. إتبع الإسلوب الذى زاوله من سبقه من الطغاة.. و هو التلاعب بالذاكرة الجماعية للامة . و بناء صورة تترسب في وعي الناس بأنه صانع المعجزات هدية السماء لاهله ..و الذى لم يأت الزمان بمثيلة .. و أن إنجازاته فاقت ما .. قبلة .. و لن يستطع تكرارها من سيأتي بعده
بمعني أنه .. لبناء صورة السيسي وقوته... إستولت السلطة علي الأنشطة العمرانية و إنشائية .. و سلمتها للهيئة الهندسية .. تحت شعار يد تبني و يد تحمل السلاح .. ثم جيشت وزارة النقل .. وكل أجهزة الإعلام .. و الجامعات و مراكز البحوث .. و وزارة الثقافة.. و ضيقت علي الناشرين حتي لا يخرج من المطابع حديث يقص الحقيقة و يمس صورة الابطال الخارقين ..الشرفاء الأقوياء القادرين علي الإنجاز من رجال القوات المسلحة .
في العقد الماضي .. منذ أن لمع إسم السيد اللواء .. حتي أصبح الديكتاتور الذى لا يمتلك غيره الحرية
لم يتوقف البث و الدعاية عن إنجازات عصر سيادته .. و لم تتوقف زياراته لموافع العمل ليقول .. أن كل هذا يدور من خلال إرادته .. و لم نستمع لمسئول إلا وبدأ حديثه ((بناء علي توجيهات سيادته)) . . فهو الذى أمر ببناء العاصمة الجديدة .. و مدينة العلمين .. و المتحف الكبير ( الذى بدأ من زمن فاروق حسني ) ..و هو نجم المهرجانات و الإحتفالات و بؤرة الضوء بها.. بحيث تحولت .. مشاريع العمارة والعمران بالإضافة للإحتفالات .. إلي أدوات لبناء وتشكيل هوية نظام المعتقلات و السجون الذى نعيش تحت لهيب نيرانه
((بعد الانقلاب الذي وقع في3 يوليو 2013، تم إسكات جميع الأصوات بخلق ثقافة خوف من شانها ان تعاقب بشده اي شكل من اشكال المعارضة.
ثم كان التركيز الكامل للنظام مع كل أجهزته العملاقة بما في ذلك وسائل الاعلام، منصبا على هدف واحد فقط كيفية تحويل زعيم الانقلاب إلى بطل وطني لم يسبق له مثيل.))
(( لا شيء أكثر فعالية من استخدام الصور المؤثرة على المدى القصير لخلق مثل هذا التصور والاعتماد على الذاكرة القصيرة للجماهير المرتبكة والمضطهدة بشدة. ))
و ذلك (( باستمرار وتجدد الصور المتغيرة للبطل في افتتاح مشاريع تاريخية من شانها أن تغير مصير مصر إلى الأبد.
ويستمر الظهور المتكرر للصورة البطولية في الوعي المصري المعاصر في عملية متعمدة مقصودة لتحويل السيسي إلى رجل معجزة مشاريع والإنجازات. ))
((إن العمارة والعمران لهما اهميه كبيرة بين الفاشيين والطغاة لفرض صورتهم البطولية.. منذ زمن هتلر وموسوليني اللذين تركا علامة حقيقية على نسيج المدن الألمانية والإيطالية ثم تبعهما أخرين في جميع أنحاء العالم )) .. و منهم مصر .

وصف أرسطو ((الطغيان الشرقي )) بأنه ))النموذج الحقيقي للطغيان((.. وهو وصف ظل يتكرر منذ عصر أرسطو حتى يومنا هذا .. حتى أن الأوروبيين عندما يسبون ملكا أو حاكما لاستبداده يصفونه بأنه أقرب إلى الطاغية الشرقي.
أرسطو أضاف ((الرجل الحر لا يتحمل طاغية )).. أما هيجل فقال أن الشرقيين كانوا عبيدا للحاكم الذى ظل هو الرجل الوحيد الحر في الدولة
الطاغية الشرقي ( ملك مصرى أو بابلي أو هندى أو صيني أو كسرى فارسي ) له ملامح حملها العديد منهم ..فهو الحاكم المطلق الذي وصل إلى السلطة دون وسائل دستورية..أو اغتصب السلطة الشرعية. .. و يدافع عنها بوسائل قمعية.
وهو يعامل المواطن معاملة السيد للعبيد . و لديه خبل يجعلة لأقل سبب يأمر يقطع الرقبة و التعذيب و السجن حتي لو كان الضحايا من أقاربه ..و يلتف حولة الأرزقية و الخانعين المتسلقين .. يصفقون و يهتفون و يكادوا أن يعبدوه .
إفلاطون عرف الطاغية بأنه (( شخصٌ يحكم دون اللجوء إلى القانون، مستخدمًا أساليب متطرفة ومتوحشة ضد كلٍ من شعبه والآخرين)) .
وتعرِّفه الموسوعة ((بمغتصب السلطة الذي يجعل من رعيته ضحايا أهوائه ورغباته الظالمة، والتي يحلُّها محل القانون ..فهو الحاكم المطلق غير المقيَّد بالقانون،)).
بكلمات أخرى ..الطاغية في كل زمان و مكان له ملامح لا نخطئها .. كعدم إحترام القانون .. و سيادة مبدأ القوة و العنف لدية .. و إحتقار الشعب و تسخيرة من أجل تحقيق مخططاته .. والتي أهمها .. ولعة بالبذخ و الأبهه .. و إستعراض الثروة و القوة و النفوذ .. بإقامة المنشئات الضخمة .. والمدن شديدة الثراء و الفخامة ..و المهرجانات التي ينفق عليها من وسع .. في اللحظة التي يعيش الشعب حولها يتضور جوعا .
مادلين أولبرايت حديثا (2018)، عرفت الفاشي، بأنه ((شخص يدعي انه يتحدث بالنيابة عن أمة أو جماعة كاملة، غير مهتم تماما بحقوق الآخرين، وهو مستعد لاستخدام العنف و وسائل أخرى مهما كانت لتحقيق الأهداف التي تمثل أولوياته..))
و أن (( القادة المعاصرين مثل دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وكيم جونغ اون يستخدمون العديد من التكتيكات التي استخدمها الفاشيون في العشرينات والثلاثينيات من القرن العشرين)) .
تشير أولبرايت إلى سياسات مختلفة في جميع انحاء العالم حيث أصبح (( ازدراء الديمقراطية مساويا لهذا المسار، من المقاربة الاستبدادية التي يقوم بها ترامب في الولايات الأمريكية إلى سياسات اردوغان الإسلامية المناهضة للعلمانية في تركيا، إلى الاستبدادية الجديدة لبوتين في رؤيته لروسيا الحديثة)) .
الطغيان أفة البشر .. يدينه المفكرون منذ أرسطو حتي الوبرايت .. و مع ذلك لم يتوقف .. عبر التاريخ .. بسبب إمتلاك القادة العسكرين للسلاح الذى دفع ثمنه الشعب .. لترويض و قهر هذا الشعب . . و أصبح مستوطنا في بلادنا لا نستطيع منه فكاكا

نظير السيسي الذى عاش في الصين و ملك رقاب المواطنين في القرن الخامس عشر الأمبراطورالثالث من أسرة ( مينج ) الصينية ( يونجلي) الذى حكم ما بين عامي 1406م و 1420م.
كان أحد هؤلاء الطغاة .. وصل إلي منصبه بعد أن تمرد علي إبن أخية الإمبراطور Jianwen.. و قام بنقل العاصمة الصينية من نانجينغ (Nanjing) إلى(بكين) و تشييد داخلها مدينة المانشو المحرمة.
ولان بكين العاصمة الجديدة في الشمال و تفتقد لإمدادات الجنوب الثرية .. لذلك شق قناة طولها الف ميل..( بمعني أطول من المسافة بين الدلتا و سد أسوان ) .. حتي تربط بكين .. بمصادر الغذاء و الثروة و البضائع .
((خلال فترة حكمه ، تمت إعادة بناء القناة الكبرى بالكامل تقريبًا لتنقل البضائع المستوردة من جميع أنحاء العالم.. كان هدف الإمبراطور يونغلي هو تنشيط المراكز الحضرية الشمالية ، وخاصة عاصمته الجديدة في بكين.))
إنه نفس سلوك الطغاة المعاصرين .. كما لو كنا في القرن الحادى و العشرين .. و السيسي يشق الطرق و يبني الكبارى .. و يقيم مونوريل .. و قطار سريع ليربط عاصمته الجديدة الصحراوية القبيحة .. بالوادى ..حيث البضائع و الثروات .
الإمبراطور ((قام ببناء شبكة ضخمة من الهياكل في بكين تقيم فيها المكاتب الحكومية والمسؤولون والعائلة الإمبراطورية.. و بعد وقت طويل مؤلم من البناء (1407-1420) ، ظهرت المدينة المحرمة .. فقد تم الانتهاء منها وأصبحت مقر الإمبراطور)) .
بحيث تذكرنا بما يحدث في مصر بعد سته قرون ..من إقامة مقر صيفي للحكومة بمدن العلمين و أخر شتوى بالعاصمة المحصنة ( المحرمة ) الجارى العمل بها .. تحت وقع الضيق و الفقر و الإتاوات التي يجبيها زبانية العصر الجديد
المهرجانات التي أقيمت في عهد صين ( يونجلي ).. بمناسبة إفتتاح قناته .. كانت لا تختلف عن مهرجان إنتهاء تكريك قناة السويس أو نقل موميات قدماء المصريين من متحف التحرير لمتحف الفسطاط ..أو ما يخططون له لإفتتاح عاصمتهم أو المتحف الكبير بالهرم .
السيد توماس مونرو في موسوعته (( التطور في الفنون )) الجزء الثاني كتب يتحدث عن مدينة المانشوالمحرمة في بكين
((مدينة داخل مدينة مجموعة قصورأو حيا سكنيا للملك و نبلائه و زوجاتهم و خدمهم ..بقصريها الشتوى و الصيفي و علي مقربة منها من الجائز أن الدهماء كانوا يتضورون جوعا أو يموتون بالطاعون. حول الأبواب))
(( في العصور التي بلغ الترف و السلطان فيها حدا كبيرا و إتسما بشدة التركيز إتخذت المهرجانات و القصور من حيث الحجم و التعقيد و الفخامة طابعا ليس له مثيل في الثقافات الديموقراطية )) .
و يصف مدينة زاندو المقر الصيفي للإمبراطور .. (( أما في الداخل فقد أقيم قصر منيف للمتعة يظل قائما حتي يقتحمة الغوغاء أو الأعداء الذين كانوا يفعلون هذا دائما في الوقت المناسب )) .
ثم يقص علينا كيف كان إفتتاح القناة
(( و يصف التاريخ بإسهاب الإنشاءات باهظة التكاليف التي أمر بإقامتها الإمبراطور يونج لي فقد كلف ثلاثة ملايين من الرجال أن يحفروا قناة طولها ألف ميل و يبادروا إلي غرس أشجار الصفصاف علي ضفتيها ..
و علي طول هذه القناة سارت خمسون سفينة مبنية علي شكل تنين يسحبها الرجال بما في ذلك سفينة الإمبراطور ذات الطوابق الأربعة التي بلغ طولها الفين من الأقدام .. وقد إحتوت علي غرفة للعرش تجلي فيها البذخ و الإسراف ..
و كان الاف الرجال في الملابس الحريرية يسحبون السفن بينما كانت الفتيات الصغيرات يشددن حبالا زاهية الالوان و ينثرن الزهور و العطور .))
ثم يسترسل في وصف مدينته الجديدة
((كذلك أقام الإمبراطور يونجلي حدائق و قصور ضخمة فيهل بحيرات و جزر صناعية ..))
و يضيف
(( ولقد وجدت مثل هذه القصور و أساليب الترف الخرافية في الأمبراطورية الرومانية و البيزنطية كما كانت مهرجانات فينسيا و فرنسا في عهد أسرة البوربون رائعة ولكن لم تكن بهذا الإسراف و البذخ )).
نعم لم تكن بهذا الإسراف و البذخ و الإستدانه علي حساب الأجيال القادمة
(( القدرة علي تخصيص قسط كبير من الجهد و الثروة لهذا العمل يدل في أغلب الأحيان علي وجود لا مساواة كبيرة في توزيع الثروة و السلطان فلزم علي كثيرين أن يكدحوا و لزم علي كثيرين غيرهم أن يتضوروا جوعا في سبيل بناء و تأسيس القصور و المعابد وعون أصحاب الحفلات في الإنفاق )) .
إن ما حدث في الصين تحت حكم الطغيان الشرقي .. حدث من ملوك مصر عندما بنو الإهرامات و المعابد الضخمة .. علي حساب شعب مقهور مسيطر علية بواسطة الكهنة و الجنود ....
كذلك .. عندما بني حكام مصر ذوى السلطة المطلقة .. الجوامع و الوكالات .. و الأربع .. في الفسطاط .. و العسكر و القطائع و القاهرة الفاطمية .. و القاهرة المملوكية .. و القاهرة الخديوية .. و مدينة نصر .. و مدينة السادات .. و العاصمة الجديدة .. و العلمين كعاصمة صيفية ..
جاء ذلك علي حساب الشعب الذى عاني و دفع ..و تم إسترقاقه .. لبناء أطول سارى علم .. و أوسع كوبرى .. و أضخم جامع أو كنيسة .. و مقر للقوات المسلحة أكبر من البانتجون الأمريكي .. و قصور لا أول لها من أخر ..
و لكن الخيبة المستجدة أن الطغاة المحدثين بنوها بأموال القروض .. و الديون .. و الأتاوات .. و ليس بحصيلة الجباية فقط . كما فعل الأوائل .
يكمل توماس مونرو ..(( و عندما يثور الشعب علي نظام إجتماعي سابق إتسم بالتباهي المتأنق المترف يتخذ موقفا معارضا للرموز البصرية و السمعية التي ترمز لما أصبح الأن يكرهونه و في حماس كراهيته للصور و التماثيل و رغبته في تحطيمها )) تناهر مدن و صروح عديده أخرها مقر الحزب الوطني علي الكورنيش .. و مقر الأخوان المسلمين بالمقطم .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول