حديث في مفهوم الثورة والإنقلاب العسكري

داخل حسن جريو
2021 / 6 / 11

تعرف الأدبيات السياسية المعاصرة مصطلح الثورة , بالتغيير الكامل لجميع المؤسسات والسلطات الحكومية في النظام السابق لتحقيق طموحات التغيير لنظام سياسي نزيه وعادل ويوفر الحقوق الكاملة والحرية والنهضة للمجتمع, والثورة هي مجموعة من التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تؤدي إلى تغيير جذري شامل في المجتمع. عرفت المجتمعات البشرية الثورات منذ القدم , ندرج هنا بعضا منها :
- - الثورة الإنكليزية عام 1689 . - الثورة الأمريكية عام 1775.
- الثورة الفرنسية عام 1789.
- الثورة العربية الكبرى عام 1916.
- الثورة البلشفية الروسية عام 1917.
- ثورة العشرين العراقية عام 1920.
- الثورة الشيوعية الصينية عام 1946.
- الثورة الكوبية عام 1959.
- ثورة التحرير الجزائرية عام 1954.
- الثورة الإيرانية عام 1979.
ولا يقتصر مفهوم الثورة على عالم السياسة فقط , بل يشمل مجالات أخرى عديدة, يكفي أن نشير هنا إلى الثورة الصناعية التي ظهرت باختراع الآلة البخارية في إنكلترا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي وانتقلت بعد ذلك إلى دول غرب أوروبا ومن ثم إلى جميع أنحاء العالم. ساهمت الثورة الصناعية في تنشيط الحياة الاقتصادية فظهر نظام اقتصادي جديد كان له أثر كبير على المجتمع الأوروبي. وقد أدت الثروة الكبيرة الناجمة عن الثورة الصناعية إلى تقدم إنكلترا وجعلها من أغنى دول العالم, فزاد إيرادها إلى ( 800 ) مليون جنية في عام 1914 . أسهمت الثورة الصناعية في القضاء على المجتمع القديم وأقامت مكانه مجتمعا جديدا تميز ببروز طبقتين :
- طبقة أرباب العمل المنتسبين إلى البرجوازية التي تكونت من أصحاب المؤسسات الصناعية والتجارية والمصرفية, وقد سيطرت هذه الطبقة على الحياة الاقتصادية بامتلاكها لوسائل الإنتاج بين نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين .
- طبقة العمال التي تكونت من سكان المدن والنازحين من الأرياف بحثا عن فرص العمل التي وفرتها المصانع. ظهر التفاوت الاجتماعي بين هاتين الطبقتين ,مما اقتضى تدخل الدول للحد من سلبياته.
لم تقتصر الثورة الصناعية على أوروبا بل تعدتها إلى دول أخرى من العالم كالولايات المتحدة الأمريكية التي استفادت من المنجزات الأوروبية لتطوير اقتصادها واستغلال مواردها حتى تمكنت من السيطرة على القارة الأمريكية بعد أن تقلص الدور الأوروبي فيها , واستوعبت اليابان من جانبها منجزات الغرب العلمية محققة بذلك ثورتها الصناعية , وتلتها دول العالم الأخرى .
عرفت هذه الثورة بالثورة الصناعية الأولى , حيث تلتها ثورات ثلاث هي : الثورة الصناعية الثانية بين عامي 1987 و1914 . تميزت هذه الثورة بنمو وتوسعة صناعات جديدة ، مثل الفولاذ والنفط والكهرباء ، واستخدام الطاقة الكهربائية لإنتاج ضخم . والثورة الصناعية الثالثة أو الثورة الرقمية المستندة إلى تقانات المعلومات والإتصالات, التي بدأت خلال الثمانينيات من القرن المنصرم وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا. ويقف العالم اليوم على مشارف الثورة الصناعية الرابعة لتي تمثل طرقًا جديدة تصبح فيها التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من المجتمعات.
وهناك انماط أخرى من الثورات , أبرزها ما عرف بالثورة الثقافية في الصين التي دعا فيها الرئيس الصيني ماو تسي تونغ الشباب بعد الإعلان عن ثورته الثقافية أن يقوموا بالانقلاب على الزعامة الشيوعية في البلاد. واستجاب لدعوته ألوف الشباب الذين عُرفوا فيما بعد باسم الحرس الأحمر. وغرقت الصين في الفوضى التي راح ضحيتها مئات الألوف، وجرى تعذيب الملايين، وتخريب جانب كبير من تراث الصين الثقافي. وبنهاية عام 1968 كانت الثورة الثقافية قد جعلت الصين على شفا حرب أهلية.
وهناك ثورات أخرى عرفت بثورات ربيع دول شرق أوربا التي أطاحت شعوبها بنظم حكوماتها الإشتراكية المنضوية في حلف وارشو الذي كان يقوده الإتحاد السوفيتي السابق . حاولت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها تكرار تجربة " الثورات الربيعية " في بعض البلدان العربية التي إندلعت شرارتها في تونس أواخر عام 2010 ومطلع عام 2011 , لتنتقل بعدها إلى ليبيا ومصر واليمن والبحرين وسورية والسودان , لتأتي بنتائج كارثية على شعوبها , حيث ما زالت هذه البلدان تعاني من صراعات دامية وإنقسامات حادة باتت تهدد وجودها وكياناتها بعد أن أصبحت مسرحا للتدخلات الأجنبية .
وتعني الثورة بالمعنى السياسي , الانتفاض ضد الحكم الظالم بعد تهيئة الظروف الذاتية والموضوعية لنجاحها ,وتهيئة البرنامج الإصلاحي المراد تنفيذه بعد نجاحها , وتوفر القيادة الميدانية القادرة على تنفيذ الثورة بصفحاتها المتعددة , وحشد القوى الشعبية المناصرة لها , وإختيار الوقت المناسب لإنطلاقها , وتجنب إراقة الدماء كلما أمكن ذلك , والعمل على رص الصفوف والإبتعاد عن الإنتقام وإثارة الحقاد والضغائن.
أما الانقلاب العسكري فهو قيام مجموعة من العسكريين , غالبا من ذوي الرتب العسكرية الدنيا والمتوسطة , بالوثوب للسلطة من خلال قلب نظام الحكم عبر عملية عسكرية سرية مباغتة ، بتوقيتات مناسبة قد تكون فيها السلطة متراخية أو مشغولة ببعض الإضطرابات الداخلية أو عاجزة عن تلبية بعض المطالب الشعبية , يرى فيها الإنقلابيون فرصة سانحة للإنقضاض على السلطة الحاكمة, متخذين من سواء أحوال بلدانهم ذريعة لتغطية إنقلاباتهم.
يعود تاريخ أول إنقلاب عسكري شهدته البلدان العربية إلى العام 1936 ,بقيام الفريق بكر صدقي بالإستيلاء على السلطة في العراق, بإنقلاب عسكري لم يستمر طويلا حيث إنتهى بإغتياله عند زيارته لمدينة الموصل عام 1937. شهدت بعدها البلدان العربية نحو(123) محاولة إنقلابية , نجح منها (40) إنقلابا عسكريا, منها (9) إنقلابات في سورية , و(6) إنقلابات في موريتانيا, و(5) إنقلابات في كل من العراق واليمن ,و(3) إنقلابات في السودان ,و(2) إنقلابين في كل من لبنان ومصر والجزائر , وإنقلاب واحد في كل تونس والصومال . كما شهدت المغرب (6) محاولات إنقلابية فاشلة.
ويحلو لجميع الإنقلابيين تسمية إنقلاباتهم بالثورات , لما لهذه التسمية من بريق لدى الناس حيث تمثل لهم بارقة أمل بحياة أفضل طالما كانوا يحلمون بها . وقد أثبت جميع الأحداث والوقائع أن جميع الإنقلابات العسكرية قد فشلت فشلا ذريعا بتحقيق حياة آمنة مستقرة وكريمة لشعوبها , لأسباب مختلفة يطول شرحها هنا , إذ سرعان ما تتحول حكومات هذه الإنقلابات إلى حكومات غاشمة ومستبدة تجاه شعوبها , ويتصرف قادتها وكأنهم أباطرة لا يشق لهم غبار.
وخلاصة القول هنا يتوهم من يعتقد أن الإنقلابات العسكرية , ثورات إصلاحية بصرف النظر عن دعاواها ونواياها عند إنطلاقها , حتى وأن حققت بعض الإصلاحات في بداياتها , إذ سرعان ما يتأقلم معظم قادتها مع ميزات السلطة المتمثلة بالجاه والثروة والنفوذ والتسلط والتحكم برقاب الناس , ولا يجدون صعوبة بإيجاد مبررات لجميع أفعالهم بعد أن يحيطوا أنفسهم بجوقة الطبالين والزمارين والناعقين مع كل ناعق .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول