الصعود الحضاري للمجتمعات القديمة بين فاعل القيم مفعولية الفرد القائد ح2

عباس علي العلي
2021 / 6 / 11

الحضارة إذا ليست صدفة تاريخية ممكن أن يكتشفها شخص ما أو هي ليست أنجاز فردي يصنعه الفعل الخاص بقدر ما هي معادلات واقعية وشروط وعمق في الذات التي تحيا، الذات القادرة في كل مرة أن تقوم من كبوتها لتعانق الوجود، هذه الحقيقية لا يفهمها البعض ولا يريد أن يجعلها جزء من الرؤية الكونية بالرغم من أنها فعلا جزء من ذلك ولا يمكن أن تنمو الحضارة في غير مكانها الطبيعي، أما ما يعرف اليوم بالنهوض الحضاري العابر لأشتراطاتنا الثلاث فهي حضارة مادية تعتمد أساسا على فعل جمعي متعدد الروافد ومتعدد الهويات لكنها تفتقد للروح الباعثة للمثل والقيم النبيلة، نستطيع أن نقول أنها حضارة القوة وليس حضارة الإنسان بمعناه المتكامل الحي الذي يرتقي بوجوده لأجل الكمال الإنساني، حضارة أستهلاك سريع وحركة تمتد وتتمدد في كل الأتجاهات لكنها لا تتجه نحو العمق، حضارة السطح الساخن الذي يصهر وينصهر دون أن نسيطر عليه في لحظة الذوبان المادي.
إنها حضارة من نوع أخر بلا هوية وإن كانت كونية وإن كانت خارج نطاق الجغرافية والتاريخ لذا لا يمكننا أن نفهمها على أنها حضارة مجتمع خاص، هذا بالطبع ليس عيبا فيها ولكن ما يؤخذ عليها أحاديتها العنفية وشكلها المتوحش الذي لا يتوافق مع مفهوم الحضارة معرفيا ولا فلسفيا، يمكننا أن نصنفها على أنها نشاط حضاري متعاظم بالفعل والقوة لكن دون طعم ولا نكهة خاصة، وهذا ما يفقدها القدرة على البقاء قهي سريعة التحولات وسريعة في تبدلاتها وتغيراتها الكلية والتفصيلية مما لا يتيح لها إمكانية التغلغل في الضمير البشري بشكل طبيعي حتى تنتج ميلا طبيعيا نحو أسس الحضارة بمفهومها الفاعل الراسخ.
الحضارة الإنسانية عندما تكون وعي وتجلي الوعي في الواقع يمكنها تغيير معادلات الواقع عكس ما لو كانت تيار جارف يكتسح كل شيء أمامه بقوة الدفع الذي يمتلكها، النشاط الحضاري المعاش الان على مستوى عام هو تيار قوي لا يقاوم لكنه فاقد التأثير على الوعي بل وحتى متعارض معه، فهو يقودنا إلى المجهول المعلوم لدينا من خلال فرض واقعه هو لا واقع الواقع ولا تجليات الوعي الإنساني، فكل ما يطرحه هو نتاج لقوة ونتاج العاصفة التي يثيرها التيار المادي بقوته المتجاوزة حدود الخلق النوعي الجمعي، نشاط حضاري يجري بأتجاه واحد ويقاد من مركز تحكم شديد القدرة على التأثير في غياب التفاعل البيني الأجتماعي في مستوياته المتعددة.
قد يرى البعض في هذا التحليل حكم قاسي جدا مع ما أنجزته الحضارة البشرية اليوم من قواعد ونظريات أرست فيها جزء مهم من الحلم الإنساني الذي سعت له الحضارات القديمة وفشلت في تحقيقه، أقول بالرغم من الكثير من الحضارات السابقة لم تنجح في إرساء قواعد ثابته لتعزيز الوجود الإنساني في الواقع هذا الامر ليس عيبا فيها وإنما يتعلق بكون الإنسان في جزء من تكوينه الذاتي هادم للقيم النبيلة وهازم للروح المثالية، حتى في داخل صناع الحضارة هناك وجود لهم مؤثر يمكن أن ينفجر ويتفجر في أي لحظة ليشكل تيار معاكس يطيح بركائز مهمة داخل بنيان الحضارة البشرية، من خلال التنازع والحروب والسعي للاستقواء على المجتمع وإبدال الأسس الجمعية التي بنت الحضارة بمفردات بديلة ذاتية وأحيانا قردية مفرطة بأنانيها، فتتكسر شواطئ وحدود الحضارة متى ما أستفحل وجودها، النشاط الحضاري اليوم واضح تماما فيه هذا الخلل بالرغم من المنجز الذي يشير له البعض، فالحرب مفتوحة على عدة جبهات وبأشكال وأطوار أكثر أثرا وإيذاء منها في الحروب التقليدية، فهناك حروب المصالح وحروب النفوذ وحروب التدخل وحروب الانا المتضخمة عند بعض الشعوب التي لم ولن تنسى ماضيها القبيح لكنها تعيده بشكل مجمل ومسلفن بماكياج ملون مبهر، إن لم المجتمع الكوني هذه الحقيقة سيردي نفسه قتيلا في مواجهة منظره وعلى الأفق لأنه عادة ما ينسى التجربة ويكرر نفس الخطأ القاتل.
فليس نفينا مفهوم الحضارة عن ما يشهده العالم اليوم من تطور وتسارع في الحركة الجمعية وبناء عالم مترابط جعل من الجغرافية مجرد ظاهرة لا تمنع من أن تجتازها حركة الوجود، هو أنتقاص من المنجز البشري بقدر ما هو أضافة وصف مخصوص لوصف عام مشوش، النشاط الحضاري الذي نشهده يمكن أن يكون أساس لحضارة إذا روعي في ضبط حركتها الجوانب الأخلاقية والمعرفية المثالية وضبط حركة التسارع كي لا تفلت نحو اللا قدرة على التحكم، وهذا الأمر بنظري مستبعد الأن طالما أن القوة ووهم تفوقها المطلق هو من يتحكم بالعقل القائد الموجه للحركة، ولكن ذلك لا يمنعنا أن نقف في وجه هذه الحركة وإن سحقتنا تحت عجلاتها الضخمة على الأقل نخفف من سرعة أندفاعها الجنوني نحو اللا هدف سوى أنتصار معادلات القوة ومعادلات التفوق الفردي داخل مجتمع لا يصنع بالفردية بقدر ما يتبلور بعمل جمعي متكامل ومتعدد التوجهات.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول