تقويض السيادة الغذائية

الطاهر المعز
2021 / 6 / 10

المسألة الزراعية واحتكار الأراضي والغذاء
نموذج شركة نستليه

"لا اعتبار لكفاءة النظام الغذائي الحالي إلا من وجهة نظر تضخيم أرباح صناعة للمواد الغذائية... إن القضاء على الجوع في العالم هدف لا يمكن تحقيقه إلاّ عبر تغيير السّياسة الحالية وإعادة النظر فيها من جُذُورها، وتمكين صغار المزارعين من الوصول إلى الموارد الإنتاجية وإلى السوق..." عن "أُوليفييه دي شوتر" - المقرر الخاص للأمم المتحدة للحق في الغذاء (2014).

عينات من فضائح وفظائع الصناعات الغذائية:
رَصَدَ موقع ( Inc ) منتصف تشرين الأول/اكتوبر 2015، عددًا من الفضائح التي وَقَعَ نَشْرُها (وهي تمثل جزءًا صغيرًا من المُمارسات المُضِرّة بصحّة وبميزانية المُستهلكين) ومن بينها "نستليه"، حيث وَرَدَ أن مجموعة "نستليه" للصناعات الغذائية لا تحترم قواعد الصحة العامة ولا تولي اهتمامًا بحقوق الإنسان، ما يُناقض شعارها:" صعام أفْضَل من أجل صِحّةٍ أفْضَل".
أما شركة آمازون للتسويق الإلكتروني فتُجْبِرُ عُمّال المخازن على العمل لساعات أطول دون الحصول على أجر إضافي، وواجهت المؤسسة حملة إعلامية مُضادّة، بسبب عدم تعاون إدارة العلاقات العامة مع وسائل الإعلام.
تراجعت مبيعات شركة مطاعم الوجبات السريعة "ماكدونالدز" على مستوى العالم، بعد نَشْر أخبار عن عدد من الفضائح المتعلقة بجودة الطعام وأوضاع العاملين، وكانت أهم التراجعات في الأرباح في فروعها الآسيوية، بعد الشكاوى بشأن فساد اللّحوم، ونقص النظافة وبشأن وجود أشياء غريبة وقطع من البلاستيك في البطاطس المقلية أو في "الآيس كريم" والمُثلجات والمشروبات وقطع الدجاج...
أقام عدد من العاملين بمجموعة "ماكدونالدز" دعاوى قضائية بسبب "المَيْز العنصري" بعد أن قامت بعض فروعها بفصل العمال الزنوج، كما تواجه الشركة اتهامات بتدني مستوى أجور العاملين بفروعها حول العالم، ما أفقدها ثقة العديد من الزبائن الذين لم يكونوا مُهتمِّين بما يجري في مواقع الإنتاج، وما وراء الواجهات، ولم تَنْجح الحملة الإعلامية الضخمة التي تقوم بها الشركة في تحسين سمعتها، واستعادة ثقة الزبائن...
في الصين، تراجعت مبيعات مجموعة "يم" ( Yum ) التي تمتلك شركات غذائية عديدة معروفة، مثل "دجاج كنتاكي" و"بيتزا هت"، بسبب تقديم لُحُوم فاسدة، وتراجع استهلاك إنتاجها على مستوى عالمي، رغم اقتصار الحادثة على سوق الصّين...
في الهند، كشفت تحقيقات مركز العلوم والبيئة، وجود كميات كبيرة من المواد السامة في زجاجات المياه، أو الكولا، كما نشطت مؤسسة "الهند من أجل سلامة الغذاء" غير الحكومية، من أجل مراقبة سلامة الأغذية، وتقدمت بشكاوى ضد عدد من الشركات، من بينها "نستليه"، وفي الخامس من حزيران/يونيو 2015، أمرت هيئة السلامة الغذائية شركة نستليه بسحب العلامة التجارية "ماغي" لمكرونة سريعة التحضير، والتي كانت كثيرة الرّواج وتتمتع بشعبية كبيرة، بسبب عدم إيفائها شروط السلامة، ووجود كميات من الرصاص تفوق المستوى المسموح به، واحتوائها على غلوتامات أحادية الصوديوم، ولكن شركة "نستليه" لم تمتثل للقرار، كما لم تمتثل في السابق لقرار بشأن حليب الأطفال الرُّضّع، ما أدّى إلى تدخّل المحكمة العُليا ب"مومباي" (12 حزيران/يونيو 2015) وفرض حظر على قائمة من منتجات "نستليه، ما كلّف الشركة "خسائر" بقيمة حوالي خمسين مليون دولارا.
تَقُودُ منظمات غير حكومية مُختلفة، وأهمها "حملة حليب الاطفال" حملةً، منذ 1974، لمقاطعة مجموعة نستليه "التي تسببت في حدوث "وفيات غير ضرورية وفي معاناة الأطفال، عبر استهدافها للنساء الحوامل، والأمهات الجدد، والعاملين في مجال الصحة لبيع منتجاتها وصرفهم عن الرضاعة الطبيعية..."، وفي سنة 2010، نظّمت مؤسسة "السلام الاخضر ( Greenpeace ) حملة اتهمت الشركة العملاقة بالتحريض على إزالة الغابات في المناطق المدارية واستخدام زيت النخيل غير المستدام في منتجاتها، ونشرت مؤسسة "السلام الأخضر" فيديو، شاهده الملايين، على موقع "يوتوب" يُساوي بين تناول الشكولاتة (علامة "كيت- كات") وقتل القرود الأصلية في الغابات...
أدّت هذه الحملات، على المدى المتوسط، إلى اهتزاز الثقة بالشركات الغذائية العابرة للقارات، وإلى التّشكيك بسُمعتها وبشعاراتها الكاذبة...

رأس المال مُضرٌّ بالصّحّة:
في الثاني من شهر شباط/فبراير 2018، أوردت وكالة "رويترز" مُلخّصًا للتقرير البَحْثي، الذي أصدَرَتْهُ مؤسسة "تشينجينغ ماركتس" بشأن حليب الأطفال، الذي تنتجه شركة "نستليه"، أضخم شركة أغذية في العالم، ويتّهم التقرير هذه الشركة بعدم توفير المعلومات الصحيحة للمُستهلكين، من أجل المحافظة على الأرباح أو زيادتها، ووَرَدَ في التقرير: "هناك عدم اتساق في مكونات المنتجات المخصصة للأطفال الرضع"، التي تحتل مركزا رائدا في العالم، كما يشكك التقرير في مصداقية بعض تصريحات الشركة المتعلقة بالصحة، وأفاد التقرير أنه تم فَحْصُ منتجات حليب الأطفال الذي تبيعه شركة نستليه للرضع الذين تقل أعمارهم عن عام في 40 بلد مختلف، وقارن الشعارات الترويجية والمكونات المستخدمة في أكثر من 70 منتجا، ويأتي التقرير تزامنا مع حالة فزع سببتها واقعة منفصلة هي تلوث حليب أطفال من إنتاج شركة "لاكتاليس" الفرنسية..."
يتعرض قطاع الزراعة وإنتاج الغذاء البشري والحيواني إلى عدد من المَخاطر، منها تأثيرات تغير المناخ، وتأثيرات الإستخدام المُكَثّف للمبيدات على صحة الإنسان، وعلى سلامة الإنتاج الحيواني (اللحوم والألبان ومشتقاتها)، ويؤدّي تخصيص 5 % من إنتاج العالم من الحبوب لإنتاج الوقود الزراعي مباشرة إلى زيادة في أسعار الحبوب، وارتفاع عدد الجياع، بالإضافة إلى إتلاف حوالي ثُلُث الإنتاج الغذائي، كمتوسّط عالمي، بسبب ظروف جمع المحاصيل والحصاد، وسوء ظُروف النّقل والتّخزين وطريقة توزيع الغذاء، وكذلك بسبب إعدام كميات من الغذاء، بغرض تقليل حجم المَعْرُوض في الأسواق، للمُحافظة على السّعر المُرتفع، فيما تستأجر الشركات التي تحتكر الغذاء خدمات بعض الباحثين المُرْتَزقَة، لِنَشْر دِراسات تُشكّك في زُملائهم الذين ينتقدُون سياسات وأساليب الشركات الإحتكارية، وتُشكّك كذلك في قُدْرَة العالم على إنتاج الغذاء، بشكل طبيعي، دون استخدام المبيدات السامة والمواد الكيماوية الضّارّة بالصّحة وبالتّربة وبالمناخ، ودون اللجوء إلى الإنتاج المُعَدّل وراثيا، بذريعة "رَفْع مُعدّلات الإنتاج وإنتاجية الأرض والأشجار والحيوانات، وتحسين نوعية الإنتاج، عبر الأساليب والتقنيات الحديثة"، لأن الزراعة العضوية، أو الخالية من المُبيدات والمواد السّامّة، غير قادرة، في نظَرِهِم (أو في نَظَر مُشغِّلِيهم) على إطعام سُكّان العالم، أو القضاء على الجوع...
تتمثل أهداف منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ( "فاو")، بحسب ما ورَدَ في موقعها، في القضاء على الجوع وسوء التغذية وتحقيق الأمن الغذائي، من خلال زيادة إنتاجية المزارع ومصائد الأسماك ومراعي تربية المواشي، بشكل مُسْتدام، ما يُمكّن من الحدّ من الفَقْر في الأرياف، حيث يعيش أكثر من 55% من الفُقراء للغاية، كما في المُدُن، ويتطلب تحقيق هذه الأهداف اتفاقًا بين حكومات العالم، وضَبْطَ عمليات توزيع الغذاء، خلال فترات الكوارث (ومنها الحُروب) والجفاف والطّوارئ، لأن العالم ينتج غذاءً يكفي كافة سكان الأرض وزيادة...
ما الذي يحول دون تحقيق هذه الأهداف، ما دام الإنتاج الغذائي العالمي يفوق حاجة سُكّان العالم؟
تتعرض الفقرات الموالية للنتائج السلبية لهيمنة الشركات التي تحتكر البُذُور والأسمدة والغذاء والعلف، على صحتنا وعلى المُحيط، وإلى بعض المسائل المتعلقة بالإكتفاء الذاتي الغذائي، والأمن الغذائي، وهما يختلفان عن مسألة السيادة الغذائية التي بدأ نقاشها مَطْرُوحًا، منذ بضعة سنوات في بلدان عربية مثل المغرب وتونس ومصر، في حين يستخدم الإحتلال الأمريكي الإنتاج الزراعي، في شمال شرق سوريا، لتجويع الشّعب، والضّغط على النظام المَحَلِّي، بهدف إسقاطه...

الغذاء، سلعة تخضع لللإحتكار وللمُضارَبة:
انطلق المعرض الدّولي الفلاحي لمدينة ميلانو الإيطالية يوم أول أيار/مايو واختتم يوم 31 تشرين الأول/اكتوبر 2015، تحت عنوان "تغذية الكوكب، طاقةٌ للحياة"، وقُدِّرَ عدد الزائرين بنحو عشرين مليون شخص، من أنحاء العالم، وأعلنت المنشورات الدّعائية لإدارة المعرض أن الدّول والشركات المُشاركة مُطالبة بتقديم ما جَدَّ في مجالات الزراعة والغذاء والبحث العلمي المتعلق بمسائل التغذية والحفاظ على البيئة، ونماذج التنمية المُستدامة القادرة على توفير الغذاء الصّحّي لجميع سُكّان العالم، لكن المُنَظّمات التي شكّلت حركة مُناهضة للمعرض نظّمت مُظاهرة، يوم الإفتتاح، احتجاجًا على مُشاركة الشركات العابرة للقارات التي تُضارب بالغذاء وتحتكره، واحتجاجًا على التّكلفة المالية للمعرض وعلى ظروف عمل العاملين بالمعرض... كما اعتمدت هذه المنظمات على بيانات الأمم المتحدة (بداية سنة 2015) التي أعلنت وجود ما لا يقل عن ثمانمائة مليون فقير مُعْدم، وحوالي مليار شخص حُرِموا من الماء النّقِيّ الصالح للشّرب، ويحتاج الفُقراء (سنة 2015) إلى حوالي 350 مليون طنًّا من الغذاء لإطعام الأشخاص الذين يُعانون من الجوع ومن سوء التّغْذية، في حين يتم إهْدار نحو 1,3 مليار طن من الغذاء سنويًّا، كما يُعاني مليارَا شخص من تبعات الإفراط في التّغذية، أو تناول الغذاء غير الصّحّي...
تلتئم المُؤتمرات والمَعارض الزراعية والغذائية، تحت شعارات خَلاّبة وكاذبة، مثل تأمين الغذاء للجميع أو توفير الغذاء الصحي أو القضاء على الجوع وسوء التغذية، وغير ذلك من الشّعارات التي تُفَنِّدُها مُشاركة شركات احتكارية عابرة للقارات، مثل "كوكا كولا" و"ماكدونالدز" و"نستليه" و"مونسانتو" (التي اشترتها "باير" )، بأجنحة ضخمة في هذه التّظاهرات، وتُعتبر سياسات وممارسات هذه الشركات العابرة للقارات من بين الأسباب الرئيسية لتخريب النظام الغذائي العالمي، وتقديم وجبات رديئة مُضِرّة بالصّحة، وتمكّنت بفضل القُوّة المالية والدّعاية من الهيمنة على النظام الغذائي العالمي...
تُعتَبَرُ شركة "ماكدونالدز" نموذجًا لهذه المساوئ مُجتمعة، ومُمثّلَة لرأس المال الإحتكاري، بالإضافة إلى دعم الكيان الصهيوني، فهي إحدى أكبر شبكات المطاعم (مع شركة "سابواي") وتعمل على اجتذاب الأطفال، عبر اللُّعَب التي تُقدّمها، وتبيع نحو سبعين مليون وجبة يومية، مُشبعة بالدّهُون المُضِرّة، إذ وجب المَشْي سبع ساعات متواصلة لِحرْق السعرات الحرارية للُمْجَة "بيغ ماك" مع البطاطس المَقْلِيّة، وتُحقق الشركة من مبيعات هذه الأكلات الرديئة أرباحًا يومية بمعدّل 75 مليون دولارا (سنة 2018)، وهي نموذج للفوارق في الدّخل بين العاملين، حيث يكسب المُدير التنفيذي، خلال ساعة واحدة، ما يُعادل راتب عامل، بنفس الشركة، لفترة سبعة أشهُر، ووجب على العامل بالهند العمل سِتّ ساعات ليتمكّن من شراء وجبة "بيغ ماك"...
كيف يمكن لشركات احتكارية مثل "ماكدونالدز" و"وولماركت" و"كوكاكولا" و"نستليه" وغيرها المُشاركة في مَعارض وندوات ومؤتمرات وبرامج ترفع شعارات مثل تأمين الغذاء للجميع أو توفير الغذاء الصحي أو القضاء على الجوع وسوء التغذية؟
إنها شركات مُعَوْلَمَة تُحقّق أرباحًا ضخمة، من خلال بَيْع غذاء يعتمد على الصناعة الكيميائية والتكنولوجيا الحيوية، ويُقصِي الملايين من صِغار المزارعين ومُرَبّي المواشي وصيادي الأسماك، ويحاول القضاء على نموذج التنمية الذي يستند إلى الزراعة الأُسَرِية العُضوية التي تَضْمَنُ غذاءً طبيعيًّا وصِحِّيًّا، كمدخل ضروري لتحقيق السيادة الغذائية للمُنتجين وللمستهلِكين، ومواجهة سبع شركات متعدّدة الجنسيات تتحكّم في سوق البذور، وأربع شركات أخرى تستحوِذ على 75% من السوق العالمية للحبوب والكاكاو والقهوة، وعدد صغير جدّا من الشركات التي تحتكر تصنيع وتوزيع السّلع الغذائية، بحسب "جان زيغلر"، مقرّر الأمم المتحدة الخاص للحقّ في الغذاء بين عامي 2000 و2008، الذي انتقد حصار سُكّان غزة وحرمانهم من الغذاء والدّواء، واعتبَر شركة "نستليه" أحد أكبَر مُرَوّجِي خصخصة مياه الشّرب في العالم، في حين أن الماء هو مِلكية عامة وحقّ للبشرية جمعاء، أما شركة "سينجينتا" ( Syngenta ) فهي سويسرية المَنْشَأ، مثل نستليه، متخصصة في المواد الكيميائية وتجهيز الأغذية، ونشأت باندماج أقسام الكيماويات الزراعية في تشرين الثاني/نوفمبر 2000 لشركتي "أسترا زينكا" و "نوفارتيس"، لتصبح أكبر منتج للمُبيدات الحشرية في العالم، مع "باير" (مونسانتو سابقا)، وتروّج لنظام زراعي "غيْر مستديم"، يعتمد على الزراعة الأحادية التي تُقَوِّضُ الأمن الغذائي للشعوب وتقضي على سُبُل عيش الملايين من صغار المزارعين، وعلى استخدام كميات كبيرة من الوقود الأحفوري والكيماويات الزراعية والكائنات المعدّلة وراثيا، بذريعة "إطعام العالم على نحو مستدام" !

شركة "نستليه"، نموذج الإستعمار الغذائي:
تم إطلاق حملة مقاطعة مجموعة "نستليه" العابرة للقارات، ذات المَنْشَأ السويسري، في الولايات المتحدة في 4 تموز/يوليو 1977، وامتدت حملة المقاطعة إلى كندا وأستراليا وأوروبا، سنة 1978، احتجاجًا على أساليب الخداع التي تنتهجها الشركة العابرة للقارات، لترويج الحليب الإصطناعي الذي تَصنعه، بديلا عن حليب الأمهات.
في أيار/مايو 2011، أعيد إطلاق النقاش حول تسويق نستليه "غير الأخلاقي" لحليب الأطفال في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وقررت تسعة عشر منظمة، منها "أوكسفام"، مقاطعة شركة نستليه وانتقدت المنظمات غير الحكومية، في رسالة وجهتها إلى إدارة الشركة التي تتعمّد تقديم عدد من الحوافز (رشاوى متستّرة بقناع "هدايا") للأطباء والممرضات لتعزيز استخدام حليب الأطفال الإصطناعي، بدل حليب الأم، ومُخالَفَة مُحتوى مُدوّنة منظمة الصحة العالمية...
أثارت منظمات "غير حكومية" وإنسانية وبيئية أوروبية، في أوائل الثمانينيات، مسألة المُقاطعة ودوافعها، وأهمّها "التسويق المكثف" لشركة نستليه حليبًا للأطفال الرُّضّع، بديلا لحليب الأمهات، ولا سيما في البلدان الفقيرة، واتّبعت الشركة ممارسات تجارية مشبوهة، ذهب ضحيتها عشرات الملايين من الأطفال سَنَوِيًّا، منذ عقد الستينيات من القرن العشرين، وتأسّست منذ سنة 2013، لجنة دولية لمقاطعة منتجات شركة "نستليه"، ومن الأساليب التي تنتقدها المنظمات المدافعة عن الغذاء السّليم، بأن الشركة وزعت في البداية عينات مَجانية، من الحليب الإصطناعي، على أقسام الولادة في المستشفيات، وتدّعي الشركة أنها تقوم بعمل إنساني، أو خَيْرِي، وعندما تُغادر الأُمّهات المُستشفى، يكون حليب الأم قد خبا، ويكون الرضيع قد تعود على هذا الحليب الإصطناعي الذي يتوجب شراؤه من الصيدليات بأسعار مُرتفعة لا تعكس القيمة الحقيقية للحليب.
زعمت شركة نستليه في إعلان مناهض للمقاطعة أنها تسوق حليب الأطفال "بطريقة أخلاقية ومسؤولة"، ولكنها خسرت بعض القضايا التي رفعتها مجموعات مثل ( Baby Milk Action ) وشبكة العمل الدّولية لتغذية الأطفال ( IBFAN ) ومجموعات أخرى مناهضة للشركة ولأساليبها في التّسويق وترويج إنتاجها، في بريطانيا في أيار/مايو سنة 1999، على سبيل المثال.

ارتباط تاريخ "نستليه" بتطور الرأسمالية إلى مرحلة الإمبريالية:
عمل "هنري نستليه" (1814 – 1890) مع الصيدلي مارك نيكول، منذ سنة 1839، وأسّس سنة 1943 (بأموال أُسرته) شركة لمعالجة "الخَرْدَل" وعصير الليمون والخَلّ والخمور و الأسمدة والكيروسين، قبل أن يتزوج ابنة طبيب ثري، سنة 1860، ساعده على إنشاء شركة نستليه التي أصبحت معروفة في جميع أنحاء العالم...
ويتلخّص التاريخ الرّسمي للشركة كالتالي: قبل أكثر من قرنٍ ونصف القَرْن، أبتكر الصيدلاني ورجل الأعمال السويسري "هنري ننستليه"، سنة 1860، خليطًا من حليب البَقَر المُجَفّف والسّكّر والطّحين، لتغذية الأطفال الرُّضَّع، بديلا عن حليب الأمّهات، وأسّس شركته الخاصة بدعم مالي من أُسْرَته ومن صهره (والد زوجته) وتأسست شركة "نستليه" سنة 1866 لتبيع الحليب المُجفف الإصطناعي لحديثي الولادة الذين يحتاجون إلى فيتامينات، وأصبحت حالِيًّا مجموعةً ضخمة تضم عددا من الشركات، تُقدّرُ قيمة أسهمها بحوالي 400 مليار دولارا، تُرَوّجُ إنتاجها في أنحاء العالم، وتوسَّعَ نشاطها الصناعي والتّجاري لِتُشَغِّلَ أكثر من 352 ألف عامل وموظف، (سنة 2019) في حوالي خمسمائة مصنع، في مائة دولة، لإنتاج أكثر من 8500 سِلْعة، منها الحليب المُجفف والقهوة المُجَفّفة، والمثلّجات، وإنتاج العديد من أصناف الأغذية والأعلاف للحيوانات الأليفة (خاصة الكلاب والقطط والعصافير) ومستحضرات التجميل والأدوية، بإيرادات سنوية قاربت 95 مليار دولارا (سنة 2019)، وبلغت أرباحها الصافية حوالي 15 مليار دولارا، سنة 2020 (سنة "كوفيد 19" وسنة إغلاق المقاهي والمطاعم والفنادق) وأعلنت الشركة أنها تستثمر حوالي 1,5 مليار دولارا سنويا، لتطوير منتجاتها، أو لابتكار منتجات جديدة...
باع "هنري نستليه" شركته سنة 1875، مقابل حوالي مليون دولارًا، وهو مبلغ مُرتفع قياسًا لذلك الوقت، وبعد منافسة شديدة مع شركة "تشارلز بيغ" دامت ثلاثة عُقُود، اندمجت الشركتان الضّخْمتان، تحت إسم "نستليه"، سنة 1906، لترتفع قيمة الشركة الجديدة إلى أكثر من خمسة ملايين دولارا، وليتوسّع نشاط الشركة الضخمة الجديدة، على مستوى تنوع الإنتاج، ليشمل الحلويات والمياه والعجين الغذائي (مكرونة) ومواد التجميل وغيرها، وعلى المُستوى الجغرافي ليشمل آسيا وأستراليا، وأمريكا الشمالية والجنوبية، والمُستعمَرات البريطانية والفرنسية، وكانت تمتلك أربعين مصنعًا، بنهاية الحرب العالمية الأولى، و"تعاونت" مع النّازية، كغيرها من الشركات الأوروبية الأخرى، في جميع المجالات، كما أبرمت اتفاقية مع الحكومة الأمريكية لتوفير القهوة والغذاء للجيش الأمريكي، اعتُبِرت من أهم صفقات الشركة...
طَوّرت شركة "نستليه" أساليب الإشهار، وبيْع الإنتاج المُتَخَيَّل (كما تُصَوِّرُه الدّعاية الإشهارية) وليس الإنتاج الحقيقي، كما اشترت العديد من الشركات الأصغر، ليتوسّع نشاطها إلى إنتاج الحساء الجاف، وتوابل الطعام (علامة "ماغي") والمنتجات المُعَلَّبَة أو المُجمّدة، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والعصائر، بداية من 1971، ليتضاعف حجم مبيعاتها أربعة أضعاف، بين 1966 و 1974، ورفعت من مشاركتها في شركات أخرى، منها "لوريال" لمُستحضَرات التّجْمِيل (التي تعاونت مع الإحتلال الألماني لفرنسا، خلال الحرب العالمية الثانية)، وشركة المُختبرات والعقاقير "نوفارتيس"، وارتفعت مبيعاتها، بداية من سنة 1980، في بلدان "العالم الثالث"، كما في الصين وفي الجُزء الشرقي من أوروبا، وبلغت حصة منتتجات "نستليه" وفروعها نحو 1,5% من حجم السوق العالمية الإجمالية (وليس في مجال الغذاء فحسب)، سنة 2014...

الوجه الآخر المَخْفِي لمجموعة "نستليه" وأَخَواتِها:
تدّعي الإعلانات التي تنشرها مجموعة "نستليه" أنها "شركة تغذية وصحّة وعافية"، وعندما تكاثرت الإنتقادات الوَجِيهَة لإنتاج المجموعة المُشبَعة بالدّهُون وبالنّشويات والسُّكَّر، بادرت الشركة إلى إنشاء قِسْمِ داخلي أطْلَقَتْ عليه إسم "مؤسسة نستليه الغذائية"، تموله وتُشرف عليه إدارتها، "للعمل على تحديث معايير التّغذية، للمنتجات التي يُنظر إليها على أنها حلوى..."، وهذه حيلة تقليدية تلجأ إليها الشركات الكبرى لِتَجَنُّبِ أي رقابة خارجية، ولشَنِّ هُجُوم مُضادّ للإنتقادات العلمية المبنية على تحليلات وإحصائيات مُوَثّقَة ومُعَلَّلَة بالحُجَج الدّامغة...
تنشر بعض المنظمات المُهتمة بالزراعة وبالبيئة وبالصّحّة العامة وبالتغذية السليمة، منذ أكثر من أربعة عُقُود تقارير عن الشركات الإحتكارية المُهيْمنة على الغذاء، ومن بينها، بل في مُقدّمتها "نستليه" و"كوكاكولا" و"ماكدونالدز" وغيرها، وهي تقارير مبنية على دراسات وبُحُوث علمية، أظهرت أن الغذاء المُصَنَّع الذي تُنتجُهُ وتُسَوِّقُهُ "نستليه" (وهي ليست الوحيدة) غير صِحِّي،بل مُضِرّ بالصّحّة، مثل شطائر البيتزا والمشروبات الإصطناعية التي تحمل نكهة الفواكه الطازجة (وبعضها لا يحتوي على الفاكهة بل على نكهة اصطناعية، وقع تصنيعها في المُخْتَبَرات)، وخلافًا لما تُعْلِنُهُ الشركة فإن هذه العصائر الإصطناعية تحتوي على نسبة كبيرة من الأَمْلاح ونسبة سُكّر إضافية، تفُوق 7% في أوروبا وتصل إلى 14% من حجم المشروبات في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى ألوان ونكهات اصطناعية عديدة، ما يجعل هذا الإنتاج وغيره يحتوي على كميات زائدة من الدُّهُون والسُّكّريات والصّوديوم، بمعدّلات مرتفعة، واستنتجت إحدى الدراسات التي نشرها قسم علوم التّغذية بجامعة "كورنيل" (الولايات المتحدة) أن وظيفة شركات إنتاج وبيع الأغذية، مثل نستليه ومنافسيها، هي "إنتاج وبيع المنتجات التي يشتريها أكبر عدد ممكن من الناس، ويرغب الناس في شرائها مثل اللّمجات والوجبات السّريعة، بهدف توليد الأموال لحملة الأسهم ، بأسرع ما يمكن وبأكبر قدر ممكن... يلاقي الخُبَراء العِلْمِيّون لشركات الغذاء صعوبات لتقليل محتوى الملح والسكر دون تغيير النكهة، ولذلك بقيت آلاف المنتجات المُوَجّهَة للأطفال لا تلبي معايير التغذية الصحّيّة، وتفتقد إلى التوازن بين الرفاهية والمتعة..."
يجابه صانعو الغذاء المُصنّع (طعام ومشروبات وحلويات) حملة عالمية لمكافحة السمنة وتعزيز الأكل الصحي، ما أجبر إدارات هذه الشركات والمسؤولين التنفيذيين فيها إلى إعلان "تحديث معايير التغذية الصّحّيّة"، وربما استبدال هذه المعايير لبعض المنتجات...
نشَرَ الطبيب البلجيكي "ستاف هندريكس" ( Staf Henderickx )، كتاب "لم أعد ابتلع هذا بعد الآن"، وعدّد الفضائح التي ظهرت للعموم بشأن جنون البقر، وحليب الأطفال والبيض الملوث، والمبيدات الحشرية والمضادات الحيوية، وغيرها مما يجعلنا نتحفّظ على بعض الإنتاج الذي يُباع ويُستَهْلَك من قِبَل مئات الملايين من البَشَر في العالم، كما تُساهم شركات الغذاء المُصنّع أيضًا في استنزاف الأرض والمياه، وفي تدمير الزراعة وصغار المُزارعين، وتدمير الغابات وتلويث المياه والهواء والمُحيط، لإنتاج وبيع طعام يُضْعِفُ المناعة البَشَرية المُقاومة للفيروسات، ومنها فيروس "كوفيد 19"...
أظهرت شركة نستليه استهتارها بصحة وسلامة المستهلكين، وتلويث البيئة، و تهديد مخزون المياه الجوفية في بعض مناطق العالم، وتُسَوّق مياهًا غير صالحة أحيانًا للإستهلاك البشري، كما في مصر، و الاعتماد على الكاكاو المنتج من مزارع تستعبد الأطفال، وغير ذلك من الفضائح التي نورد منها بعض العَيِّنات، وهي الفضائح التي أدّت إلى انطلاق الحملات لمقاطعتها منذ 1977، بسبب اعلاناتها المضللة والتي تدعي أن حليب الأطفال الذي تنتجه الشركة هو بديل صحي ومماثل للبن الأم، مما شجع كثير من الأمهات على ترك الرضاعة الطبيعية، فتضررت الأمهات و الأطفال، وتستخدم الشركة الأطباء و الممرضات في أقسام الولادة بالمستشفيات لترويج منتجاتها، حيث توزع عينات مجانية من لبن الأطفال على الأمهات، فتعتمد الأم على اللبن و تترك الرضاعة الطبيعية، وعند نفاذ مخزونها من العينات المجانية يكون لبنها قد جف، بينما يتعوّد الأطفال على اللبن الصناعي، ما يضطر الأُسَر إلى شرائه، ومارست الشركة هذه الأساليب المُخادِعَة في البلدان الفقيرة، حيث يدعمها الفقر والجَهل وعَمالة بعض الأطباء وموظفي أقسام الولادة، وفي "مَلاوِي"، سنة 1994، روّجت نستليه عبوات لبن الأطفال، كُتِبَتْ عليها طريقة التحضير باللغة الإنغليزية التي لا يتقنها سوى 43% من المتعلمين، ما أدّى إلى أخطاء في تحضير اللبن وإلحاق الضّرر بالأطفال الرُّضَّع...
أثبتت التحليلات في الولايات المتحدة احتواء حوالي 90% من عبوات "كورن فليكس" (إفطار الأطفال) من انتاج شركة نستليه نسبة سكر ونسبة مِلْح عالية، مما يؤثر على صحة الأطفال على المدى المتوسط والبعيد، كما أثبتت استخدام شركة نستله عناصر معدلة وراثياً في منتجاتها ولا تعلم المُستهلكين بذلك.
قد يتسبب استهلاك إنتاج نستليه (وإنتاج شركات أخرى غيرها) بالإصابة بالحساسية، بحسب منظمة الغذاء والدواء الأمريكية.
في أمريكا الجنوبية، روّجت "نستليه" لبنًا يحتوي مادة الميلامين الضّارة، واستخدمتها نستليه في غش اللبن ليظهر بمحتوى بروتيني عالي في الاختبارات، واتهمت سلطات كولومبيا، سنة 2002، شركة "نستليه" بالغش، التجاري، وأمرتها بالتخلص من 200 طن من اللبن المُجفّف المُستورد من أورغواي، والذي زَوّرت الشركة تاريخ ومكان إنتاجه وتاريخ انتهاء صلوحيته.
فرصت البرازيل، سنة 2015، غرامات على شركة نستله بسبب "خداع المستهلكين، وعدم تنبيههم باحتواء منتجاتها على عناصر معدلة وراثياً.
رفعت منظمات المُستهلكين بالولايات المتحدة 12 قضية ضد شركة نستليه بسبب بيعها مياهًا عادية على أنها مياه جوفية، وحصلت الجمعيات والمستهلكون على تعويضات ...
أما بخصوص قضايانا كعرب، فإن "نستليه" ومعظم الشركات الغذائية وغير الغذائية، ذات المنشأ الأوروبي والأمريكي، بشكل خاص، تدعم الكيان الصّهيوني، ولا تتراجع شكلاً أو مُؤقّتًا، إلاّ تحت الضّغط، ما يتطلب تنظيم حَملات لمقاطعة مثل هذه الشركات، وتفضيل الإنتاج المحلي أو إنتاج الشركات التي لا تدعم الأعداء، خصوصًا وإن إنتاج هذه الشركات الإحتكارية المُعادية غير صِحِّي وغير آمن...
بعد نشر العديد من الدّراسات والبحوث عن الأضرار التي قد تُلحقها منتجات الغذاء الصناعي، بصحة البشر، وبعد انتشار تعليقات المُستهلكين وانتشار الشّكوك التي تُساورهم بشأن جودة الغذاء المُصنّع الذي يستهوي الأطفال وحتى الكبار، نشرت صحيفة "فايننشال تايمز"، بتاريخ 31 أيار/مايو 2021، مقالاً يستند إلى وثيقة داخلية لمجموعة "نستليه"، تحاول الإجابة على قلق المستهلكين، لكن أقرت هذه الوثيقة الدّاخلية أن 60% من منتجات علامتها التجارية ليست "جيدة" للصحة، ولا تتوافق مع تعريف "التغذية الصحية"، ومن بينها 99% من المُثلّجات والحلويات، وكذلك قهوة "نسكويك" والمنتجات التي تحمل أسماء "سان بلغرينو" و"بويتوني" و"كيت كات" و"هيرتا" و"سمارتيز" و"ماغي" والعجين الغذائي والشكولاتة وغيرها، كما نقلتْ صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، وهي على ملكية أُسْرة "دَاسُّو" التي تصنع الطائرات الحربية "رافال"، بعض المُقتطفات من هذا التقرير الدّاخلي الذي يعترف أن 96% من المشروبات (باستثناء القهوة) و 99% من الآيس كريم والحلويات، و82% من المياه و 60% من أنواع الحليب المُجفف أو المُعَلّب، وأكثر من 70% من مجموع المشروبات والمنتجات الغذائية التي تباع تحت العلامات التجارية الاستهلاكية لمجموعة "نستليه" لا يمكن تصنيفها على أنها "صحية وفقًا لمعايير مثبتة"، و"نستليه" ليست مُختلفة عن العلامات التجارية الأخرى التي أصبحت تواجه التساؤلات المشروعة للمُستهلكين، وكتبت وكالة الصحافة الفرنسية "أ.ف.ب" (31 أيار/مايو 2021) أن الحليب المُجفف لا يحتوي سوى على مكونات صناعية كيماوية، وأن المشروبات المُصنّفة "خالية من السّكّر الإضافي" لا تحتوي على السّكر الطبيعي (المُتأتِّي من الغلال) فقط، بل تحتوي على ما بين 7% إلى 15% من السّكّر المُضاف عَمْدًا، فيما تحتوي الأطعمة على كميات كبيرة من السّكّر والنّشويات والملح...

تَسْلِيع الغذاء:
أكّدت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) التابعة للأمم المتحدة، منذ سنوات عديدة أن الإنتاج العالمي للغذاء، أكثر من كافٍ ليطعم العالم، وأن المخزون العالمي للحبوب يتزايد كل عام، بعد تلبية كافة الطّلبات، رغم استخدام جزء من الحبوب والإنتاج الزراعي لإنتاج الوقود، وتنشر "فاو" مُؤشِّرًا شَهْرِيًّا لتطوّر أسعار ست مجموعات غذائية، في أسواق الجُمّلة العالمية، أي أن الأسعار التي تنشُرُها المُنظّمة لا تنعكس بالضّرُورَة على أسعار السوق الدّاخلية، وعلى تجارة التّجْزِئة، فقد تنخفض أسعار مُؤشر "فاو" لمدّة سنة كاملة، لكن أسعار القمح أو الزيوت أو الألبان ومشتقاتها أو اللُّحوم أو السّكّر، لا تنخفض في المحلاّت التجارية وفي الأسواق المَحلِّيّة... ارتفع مُؤشر أسعار "فاو" بنهاية شهر أيار/مايو 2021، بمعدّل 4,8% مُقارنة بشهر نيسان/ابريل 2021، وهي أكبر زيادة شهرية، منذ شهر تشرين الأول/اكتوبر 2010، وبنسبة 39,7% خلال سنة كاملة، وهي سنة الحجر الصحي والحبس المنزلي والبطالة والتّسْرِيح من العمل، وانخفاض دّخل معظم سكان العالم (باستثناء أثرى الأثرياء)، وتُرجِمت الزيادة الحادة في شهر أيار/مايو 2021 إلى ارتفاع (يتحمّلُهُ المُسْتهلك الذي انخفض دَخْلُهُ) في أسعار الزيوت والسكر والحبوب، مع ثبات أسعار اللحوم ومنتجات الألبان التي ارتفعت في السابق، وتذرعت الشركات التي تحتكر صناعة وتجارة الغذاء بارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية والشحن...
تعتبر الولايات المتحدة وكندا والأرجنتين وأستراليا والاتحاد الأوروبي وروسيا وأوكرانيا، البلدان الرئيسية المصدرة للحبوب، وتُعتبر الولايات المتحدة والهند وباكستان وفيتنام وتايلند، من أهم مُصدِّرِي الأرز، وتُعتبر مصر والجزائر من أكبر المُستوردين العالميين للقمح، الذي ارتفع إنتاجه لثلاث سنوات متتالية، لكن أسعاره ارتفعت في الأسواق العالمية، وتتوقع منظمة الأغذية والزراعة ارتفاع الإنتاج العالمي من الحبوب (القمح والشعير والأرز والذرّة...) سنة 2021 بنسبة تقارب 2%، مقارنة بسنة 2020، وتتوقع منظمة الأغذية والزراعة ( بتاريخ 10 حزيران/يونيو 2021) أن يرتفع مخزون الحبوب للفترة 2021/2022، وإن بنسبة ضئيلة، ولذلك يمكن التّأكيد بأن الأسعار لا تخضع لقاعدة العَرْض والطّلب، كما يَدّعِي مُنظِّرو النظام الرأسمالي، وإنما لِقُدْرة الشركات الإحتكارية على السيطرة على شبكات الإنتاج والتخزين والنّقل (احتكار السّلع)، والضّغط على المُزارعين (المُنْتِجِين)، وعلى المُضاربة والتلاعب بالأسعار وبالأسواق، وبِدَخْل المُستهلكين، أي الأفراد والأُسَر والشّعوب...
تكمن خطورة شركات المزارع الكُبرى، والمُحتكرة للأراضي والمُرَوِّجَة للمبيدات وللغذاء المُعدّل وراثيا، في إلحاق أضرار جسيمة بالإنسان وبالمُحيط، وتقويض الأمن الغذائي، فقد أكّدت العديد من التّقارير والبُحوثات والدّراسات، أن غياب العدالة في توزيع الثروات والإنتاج، على مستوى عالمي، هو السبب في حُدثوث المجاعات وسوء التّغذية، بالإضافة إلى الإرتفاعات غير المُبَرّرة في الأسعار، التي تؤثر كثيرًا في ميزانيات الدول الفقيرة المُستوردة للغذاء، حيث تترجم الزيادة في أسعار السلع الغذائية إلى مزيد من العجز في الميزانية العامة، وتوجيه حصص أكبر من احتياطيات النقد الأجنبي إلى استيراد السلع الغذائية (وإلى تسديد الدُّيُون وفوائدها) بدلا من الإنفاق على التنمية، وهو الإنفاق الذي يَنْبُذُهُ صندوق النقد الدّولي، ويتسبب الارتفاع المتواصل، وغير المُبَرّر، لأسعار المواد الغذائية في انعدام الأمن الغذائي وتقويض السيادة الغذائية، حيث يعتمد الأمن الغذائي العالمي ( وهو أمر مختلف عن السيادة الغذائية) على أربع محاصيل رئيسة، هي الذرة والقمح والأرز وفول الصويا، ويتركز إنتاج وتصدير هذه المحاصيل في بلدان قليلة، هي الولايات المتحدة والبرازيل ومنطقة البحر الأسود، ما يُيَسِّرُ عملية الإحتكار، وما يزيد من الضُّغُوط على البلدان الفقيرة، ذات الموارد المالية المحدودة، بما فيها تلك التي تُعاني من الحُرُوب العدوانية ومن الغزو، والتي يتهدد التّقَزُّم (جراء سوء التغذية) ربع أطفالها الذين تقل أعمارهم عن الخامسة ...
تُرَكّزُ ُ منظمة الأغذية والزراعة على الجوانب التقنية وعلى النّجاعة الإقتصادية، فهي تُقدّر هدر الغذاء بما يتراوح بين رُبُع وثُلُثِ الإنتاج الغذائي العالمي، وتعتبر أن الحل يكمن في تطوير تقنيات جمع المحاصيل وتغليفها ونَقْلِها، وما إلى ذلك من "الحلول" التي لا تتعرّض إلى احتكار الأراضي والمحاصيل الزراعية، وتحكّم أقلية رأسمالية في غذاء سكّان العالم وتعمّد إهدار جزء من الإنتاج بهدف المحافظة على أسعار مرتفعة، وعدم قُدْرة المزارعين الصغار على تسديد التأمين، في حال حصول كوارث طبيعية أو جفاف أو فيضانات، كما يعجزون على تخزين ونقل الإنتاج الزراعي إلى الأسواق، وتمكّنت الشركات الرأسمالية الإحتكارية من تحويل الغذاء إلى سلعة لا يُحَدّدُ سعرها بحسب قيمتها الحقيقية، وإنما بحسب حاجة الإنسان للغذاء، ويفرض رأس المال معايير جديدة تتعلق بالشكل والحجم واللون، بدلاً من القيمة الغذائية والصّحّيّة، كما يتم تحويل بعض الإنتاج إلى وقود أو شراب، ولكن لا يجب توزيع فائض الإنتاج على الفُقراء، فالشركات الرأسمالية الإحتكارية ليست منظمات خيرية وإنما هي منظومة مَبْنِيّة على المُتاجرة بأي شيء، بهدف تكديس الأرباح...

خاتمة:
تمكّنت شركات تصنيع الغذاء من تغيير عاداتنا واختياراتنا الغذائية، منذ الصّغر، حيث يتعوّد الكبار والصّغار على تناول الأغذية المُصنّعة التي تحتوي كميات كبيرة من السكر والملح والدهون والبروتين، ومن اللحوم والأسماك غير الصحية، وعلى بقايا المُبيدات والمواد المُضافة (والمشبوهة) التي تُضيف الألوان والنّكهة (لإيهام المستهلك بأن الأطعمة والمشروبات طبيعية)، وتدّعي هذه الشركات العابرة للقارات أن الأغذية الصناعية "لا تشكل خطراً على الصحة"، بل هي "سليمة وصحّيّة ومُغذّية"، لكن التجربة والبحوث العلمية أثبتَتْ على المدى الطويل، الآثار السلبية للأغذية الصناعية، من السّمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري وأمراض الحساسية، إلى أمراض المناعة الذاتية والسرطانات...
أضَرَّ احتكار الشركات الكُبرى للأراضي الزراعية، وتخصيصها للزراعات الصناعية والتجارية لأعمال بصحة الإنسان، وأضر بالبيئة، من ساهم بشكل كبير في الإحتباس الحراري وفقدان التنوع البيولوجي، بعد تدمير الغابات لإفساح المجال لحقول فول الصويا والذّرة ومزارع زيت النّخيل والمنتجات غير الصحية، التي تُستخدم علفًا للحيوانات، ولاستخراج الوقود، وكذلك لتصنيع الغذاء البشري، كما نهبت هذه الشركات الثروة السمكية من البحار والأنهار والبُحيرات...
ثبت منذ عُقُود أن منتجات "نستله" و"كوكاكولا" و"ماكدونالدز" وغيرها، ضارة بصحتنا، فقد أجْرت مؤسسة "نوترينت" ( Nutrinet )، سنة 2018، دراسة شملت مائة ألف مُشارك، وأثبتت الدراسة أن "زيادة بنسبة 10% في حصة الأطعمة الصناعية في النظام الغذائي تُؤَدِّي إلى زيادة بنسبة 10% في مخاطر الإصابة بالسرطان المعمم وسرطان الثدي"، لكن عمالقة الغذاء أقوياء، فهم يُشاركون في حُكْم العالم، ويُساهمون في الإستحواذ على الأراضي الصالحة للزراعة بالبلدان الفقيرة، ما يؤدّي إلى إفلاس صغار المُزارعين، ونزوحهم إلى ضواحي المُدُن الكُبرى، بحثًا عن عَمل غير موجود، وما يؤدّي أيضًا إلى توسيع رُقعة توزيع الغذاء غير الصّحّي، ولذا فإن الكفاح من أجل الغذاء الصحي والسيادة الغذائية، جزء لا يتجزّأ من النضال من أجل تغيير النظام المَحَلِّي والعالمي السّائد الذي سَمَح لحفنة من الأثرياء والشركات الكُبرى بالتّحكّم في موارد البشرية، وفي تفاصيل حياتنا اليومية، وإلحاق الضّرر بصحة أطفال ورجال ونساء العالم، عبر السيطرة على الشبكة الغذائية، من الزراعة إلى التصنيع والتسويق، من أجل تضخيم الأرباح، فقد أقرت شركة "نستليه" علنًا أنها تهدف زيادة هامش ربحها من 17,5% سنة 2018 إلى 18,5% سنة 2020، أما شركة "يونيليفر" (الشاي والأغذية) فقد أعلنت أنها تريد زيادة هامش الربح من 20% سنة 2018 إلى 26% سنة 2020...

ملاحظات
الأمن الغذائي، يتمثل في حصول جميع السّكّان على ما يكفي من الغذاء المأمون والمغذي لتلبية احتياجاتهم من أجل حياة صحية.، سواء بإنتاج ما يكفي من الغذاء أو بالتوريد، ويمكن تحقيق الأمن الغذائي باستخدام الموارد الزراعية المتاحة، مع تَبَنِّي سياسات زراعية تُمكّن من زيادة إنتاجية الأرض، المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية، وتوفير حاجة البشر.
السيادة الغذائية: إنتاج الغذاء الصحي، محليا، بحجم يُلبّي حاجة جميع السكان، دون اللجوء إلى التوريد

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول