سياسة ”حلال علينا حرام عليكم“

ياسين المصري
2021 / 6 / 10

يقول العالم والمؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون (1841 - 1931): «الشعوب المتدَيِّنة لا تشعر بتأنيب الضمير عندما ترتكب خطأ أخلاقيّا أو قانونيا لأنها نشأت على مفهوم أن العبادة تمحي الذنوب».
***
في 10 يوليو 2013 بدأ تليفزيون الخليج البحريني في بث مسلسل درامي من 30 حلقة بعنوان ”الحلال والحرام“، قيل أنه يناقش فكرة وجودهما في حياة الناس، ونظرة مجتمع العربان لهما، وكيف يراهما كل شخص من منظوره الخاص، وذلك من خلال مجموعة من الأحداث التي يتعامل معها المجتمع بازدواجية، كما يوضح حالات الفقر والألم والمعاناة والآهات التي تُعزَف في نفوس وأجساد المجتمع من جراء وجودهما. ولكن، بعد الحلقة 13، ودون أبداء أي سبب، قامت شبكة ام بي سي التي تعرض وتبث المسلسل، بإيقافه. فكان من الواضح أن مضمون المسلسل أثار حفيظة المستفيدين من الحلال والحرام، وهم - بلا شك - أصحاب السلطة والنفوذ في المجتمع، مع أنه - بحسب ما قيل عنه - قد تبنَّى حديثًا عن نبيِّ الأسلمة رواه البخاريستاني ومسلم النيسابوري، قال فيه: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس...». والمشتبهات هي الأمور الكثيرة التي يجتمع فيها الحلال والحرام معًا، كأن يعتبرها البعض حلالًا، ويعتبرها البعض الآخر حرامًا، هنا يتم حسمها بناءً على قاعدة فقهية، تقول: (إذا اجتمع الحل والحرمة في المحل يترجَّح جانب الحرمة في الابتداء والانتهاء)، بمعنى ان الأمور التي يتم الحكم عليها بازدواجية من حيث حلالها وحرامها، يتم تحريمها كلية!، ومن ثم يقفل باب النقاش بشأنها، ولا يتم تناولها علانية!
***
سياسة الحلال أو الحرام عند العربان والمتأسلمين هي إحدى المسلمات الأساسية التي يعانون منها يوميًا، على غير شعوب الأرض جميعا، وذلك لأنها فرض من إلههم ”الأكبر“ وأفعال نبيهم ”الأكرم“، رغم ما فيها من التباس وغموض كبيرين، إذ يمكن للبعض ممارستها ويصعب على البعض الآخر ذلك. إنهم تربوا ونشأوا على ثقافة (إسلاموية)، منعدمة النظير، تقوم أساسًا على هذه السياسة الشاذة، وليست على قاعدة ”الصواب والخطأ“، الأخلاقية التي تعرَّف عليها البشر قبل الأديان لتحميهم من أنفسهم، وتقرِّبهم من الإنسانية. وقد جاءت هذه السياسة لتقلب الموازين الإنسانية رأسًا على عقب، وتقضي على المعنى الحقيقي للأخلاق، وترفع من قيمة الخطأ باعتباره حلالًا، وتخفض من قيمة الصواب باعتباره حرامًا، بزعم أن إله الأسلمة فرضها وأن نبيها قد فعلها، لذلك يقوم فقهاء الدين وسدنته بترسيخها وحراستها والحرص الشديد على الإلتزام بها، في حين أنَّ الصحيح أو الخاطئ في سلوك البشر هو ما يجب أن يلتزموا به جميعًا، كنهج أخلاقي تفرضه ضرورة العيش المشترك في سلام ووئام بينهم، فيتسِّم سلوك الأغلبية العظمى منهم بقدر من الإنسانية، مما يقلِّل من انحرافاتهم واعتداءاتهم على بعضهم البعض.
إن شذوذ هذه السياسة يبيح لأصحاب السلطة والنفوذ في المجتمع وحدهم، أنْ يفعلوا الخطأ لأنه حلال لهم، ويحرِصوا في نفس الوقت على ألَّا يفعله الآخرون لأنه حرام عليهم، ولذلك لا يحاسبهم أحد لاعتبار ما يفعلونه هو عين الصواب، وهذا يحمِل المؤرخين والكُتَّاب والفقهاء ورجال الدين الموتورين على تبرير سلوكياتهم الخاطئة، بأنها حلال فعله النبي الكريم! الخطأ هو أن ترتكب أنت ما يحرمونه عليك!. صحيح أن البعض منهم قد لا يفعل هذا الحلال المُباح، لأنه خطأ، إما خجلا أو خشية من الآخرين أو - وهذا هو الأرجح - حتى لا يقتدي به العوام، وهو على قناعة في أعماق نفسه بأنه مباح دينيًا وسلطويًا، وفي استطاعته فعله في أي وقت دون تأنيب من ضمير أو محاسبة من أحد!، من هنا نشأت وترعرعت أحط ثقافة دينية على الإطلاق، إذ يمكنها أن تتسامح مع القاتل والمتحرش والمغتصب والسارق والكذاب والغشاش والفاسد وحتى القاتل، مادام يردد التلقين الديني السلطوي الذي أقرَّه ومارسه نبي الأسلمة وأصبح رسميًا وإلزاميًا من بعده؟! ... ولا تتسامح مطلقًا مع المُعارِض أو المُخاِلف مهما كان داعيًا لما ينفع الناس من فعل الخير والإلتزام بالصواب والبعد عن الخطأ!؟!
العربان والمتأسلمون - تاريخيّا وثقافيّا - يعبدون نبيهم، ويقدسون زعماءهم ورؤساءهم الفاسدين والقتلة والسفاحين، بصرف النظر وغياب العقل عن أفعالهم مهما جانبها الصواب وانغمست في الفساد والانحطاط، لأنها حلال، إذْ لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم!. وضع هذه الخلطة الثقافية المدمِّرة مجموعة من الخبثاء الفرس كمسوغ لا أخلاقي، كي يستفيد منها الحكام العباسيين في وقتهم، ومن ثم يمكنهم هم الاستفادة منها، وأن تكون منوالًا يتَّبِعُه جميع الحكام وتجار الدين وقطاع الأرزاق في كل زمان ومكان، وقاموا بتثبيتها في القرآن (اليثربي تحديدًا) وفي السيرة والسنة النبوية وجعلوا من نبي الأسلمة، وسلوكه وتصرفاته {أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليَوم الآخِر} (الأحزاب 21)، إلى جانب إعطائه خصائص وصفات وميزات زعموا أنه انفرد بها دون غير من الناس عامة، والأنبياء والمرسلين خاصة، أنظر:
https://ar.wikipedia.org/wiki/خصائص_النبي_محمد
وإلى جانب غزواته وما صاحبها من سلب ونهب وسبي واغتصاب وقتل، ذكروا أفعالًا شاذة وسلوكيات منحطة قام بها ونعتوه بـ”الكريم“، وهو بالفعل كان كريمًا بالنسبة لهم وحدهم، وقالوا للعوام: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر 7)، على أساس أهم هم وحدهم الذين حددوا ومازالوا يحددون للعوام ما أتى به الرسول وما نهى عنه.
ما هو هدفهم من ذلك؟
***
من ناحية، يؤكدون على أن نبى الأسلمة بشر، مثل كل البشر، يأكل ويشرب ويتبوَّل ويتبرَّز ويمرض ويُخطئ، وهذا ما قاله عن نفسه وضوح فى الحديث: [إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا رَجُلٍ آذَيْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَصَلاةً]، (أخرجه الإمام أحمد عن الأعرج عن أبي هريرة في مسنده). كما وردت في قرآنه الآية 110 من سورة الكهف تأمره بالقول ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أى أنه يصيب ويخطئ لأنه يفعل ما يفعله البشر، أيضا كان يقول دائمًا " اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر".
ومن ناحية أخرى يزعمون أنه معصوم من الخطأ، لكونه أفضل الأنبياء والمرسلين. (أنظر كتاب: عصمة الانبياء للإمام فخر الدين الرازي، تقم ومراجعة محمد حجازي، الناشر مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط1، 1987).
وبذلك تمكنوا من تضليل أتباعهم بخلق شخصية نبوية تجمع بين الخصال البشرية والخصال الربانية المزعومة، فجعلوه يفعل الحرام ويرتكب الذنوب والمعاصي لتكون حلالًا مباحًا له ولأصحابه من حوله، ولخلفائه من بعده، كما تكون، على مر الأزمنة، حلالًا مباحًا لرجال الدين والحكام بصفتهم ورثة الأنبياء وحماة الدين، وتكون حرامًا على غيرهم. هناك آيات قرآنية عديدة وصريحة تشير إلى ذلك، منها مثلًا ما جاء في سورة الفتح: {إنا فتحنا لك فتحًا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}. هذه الآية كما هو واضح تجعل من الغزو وما يرافقه من سلب ونهب وسبي واغتصاب وقتل، بابًا للمغفرة وتدعو النبي وأتباعه إلى ارتكاب المزيد من الذنوب والمعاصي مدى الحياة. وفي سورة محمد نجد: {فاعلم أنه لا إله الله واستغفر لذنبك} وفي سورة النصر طلب القرآن منه الاستغفار {واستغفره إنه كان توابا}، أما ذنوبه المقدسة والتي أتى القرآن على ذكرها فهى كثيرة، منها:
1- إخفاؤه طلاق زينب بنت جحش من زوجها زيد بسبب لخوفه من الناس، فجاء قرآنه ليقول له في سورة الأحزاب {وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس}.والذنب الذي ارتكبه النبي الكريم هنا هو تذكير القرآن له أن واجبه هو خشية الله وليس الناس كما جاء في نفس سورة {والله أحق أن تخشاه}.
2- سماحه للمنافقين وغير المؤمنين بالقعود عن الجهاد، فقال له القرآن في سورة التوبة {إنما يستئذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الأخر}.. والدليل على كونه ذنب هو عفو الله عنه والعفو لا يكون إلا بعد ذنب بحسب ما في سورة التوبة {عفا الله عنك لما أذنت له}.
4- تحريمه ما أحل الله له إرضاءً لزوجاته وفى هذا جاء اللَّوْم في سورة التحريم {يا أيها النبى لم تحرم ما أحل الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم}. فهو قد أخطأ عندما حرم على نفسه مارية القبطية إرضاءً لزوجتيه عائشة وحفصة.
5- مفاخذته لعائشة وهي في السادسة من عمرها لعدم استطاعته مضاجعتها نظرا لصغر سنها، فكان يضع إربه (قضيبه) بين فخذيها ويدلك به فرجها تدليكا خفيفا، لأنه كان يملك إربه على عكس المؤمنين ... كما قالت عائشة!
6- زواجه من عائشة وهي قاصر إذ لم يتجاوز سنها تسع سنوات.
وهنا يقول الشيخ يوسف القرضاوي المشهور بالزواج من صغيرات السن، وبناء على الآية: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ..} [الطلاق:4]: «إنَّ معنى ذلك أن المرأة قد تتزوج قبل المحيض، وكذلك فعل النبي، ولا دليل يدل على أن ذلك خاص بالنبي وحده»!
7- إستحلاله سبي النساء ومعاشرتهن جنسيا، عندما سبى صفية بنت يحي، على إثر هزيمة قومها في غزوة خيبر، ثم أخذها وعاشرها جنسيًا في نفس اليوم الذي قتل فيه جميع أفراد أسرتها. (أنس بن مالك المحدث: البخاري ـ المصدر: الجامع الصحيح ـ الصفحة أو الرقم: 2235)
وهذا ما جعل فقهاء الإسلاموية وحماة الشريعة ”الغرَّاء“ يبيحون اغتصاب الأسيرات المتزوجات في الحروب، بحجة أنه "يفك حصنها بالأسر"، أي أن أسرها يُنهي عقد زواجها، فتصبح حلالا لمن يملكها بعد الحرب كأمَةٍ عنده.
8- أباحته لرضاعة الكبير، بناء على رواية عائشة عن زوجة أبي حزيفة مع عبدها سالم، حيث قال لها: «أرضعيه تحرميه عليك» وفي رواية «أرضعيه حتى يدخل عليك»، وفي رواية ثالثة أنها قالت له: « وكيف أرضعه وهو رجل كبير فتبسم وقال: «قد علمت أنه رجل كبير». رواه مسلم في صحيحه ورواه غيره. وفي الموطأ والمسند وسنن أبي داود أن عائشة كانت تأمر أخواتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الشباب!
9- والأدهى والأمر هو إباحته للرجل أن ينكح زوجته الميتة إن لم يمُرُّ على موتها ست ساعات، إذْ اضطجع هو نفسه مع ميتة بعد ان خلع قميصَه وبقي عاريًا والبسها إياه.. فقال له العربان إنه فعل شيئا لم يعتادوا عليه.. فقال إنَّه فعل هذا ليخفف عنها ضغطة القبر…!
10- أمَّا موقفه من المرأة، فمن الواضح أنه كان يعاني من مشكلات كبيرة معها، ممَّا جعله يحتقرها ويحط من قيمتها في المجتمع، فهي على سبيل المثال، في نظره:
عامة أهل النار (صحيح البخاري .. كتاب النكاح .. باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها إلا بإذنه)
وهي ضلع أعوج (صحيح البخاري .. كتاب النكاح .. باب المداراة مع النساء)
وهي ناقصة عقل ودين وأكثر أهل النار، وشهادتها صف شهادة الرجل (صحيح البخاري .. كتاب الحيض .. باب ترك الحائض الصوم)
وهي كالكلب الأسود والحمار (صحيح البخاري .. كتاب الصلاة .. باب من قال لا يقطع الصلاة شئ، وصحيح مسلم .. كتاب الصلاة .. باب قدر ما يستر المصلي)
والملائكة تلعنها إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح (صحيح البخاري .. كتاب بدء الخلق .. باب ذكر الملائكة)
وتأتي وتذهب في صورة شيطان (صحيح مسلم .. كتاب النكاح .. باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه إلى أن يأتي امرأته)
لا يحل لها الصوم إلا بإذن زوجها (صحيح البخاري .. كتاب النكاح .. باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه)
مصدر للشؤم مع الدار والفرس (صحيح البخاري .. كتاب النكاح .. باب ما يتقى من شؤم المرأة..)
أنها أضر فتنة وشؤم على الرجال (صحيح البخاري .. كتاب النكاح .. باب ما يتقى من شؤم المرأة)… إلخ.
 ***
هذا غيض من فيض لتصرفات النبي الشاذة ولآرائه المتخَلِّفة، وحتى إن لم يلتزم أو يعمل بها عامة العربان والمتأسلمين في حياتهم، فهي موجودة تحت أمرهم، وتُعَدُّ من ثوابت الدين بالضرورة، ويمكنهم العمل بها خفية إن أرادوا، خاصة وأن العمل بها علانية في الوقت الراهن، قد تعرضهم للاستهجان وربما العقاب. إنها دليل على مدى خبث من وضعوها، ومدى استهانتهم بعقول البشر، ولكنها في نفس الوقت كانت تشبع الميول النفسية المريضة لديهم، وتفعل نفس الإشباع في نفوس المؤمنين بها على مر العصور.
سياسة الحلال والحرام لا صلة لها بالصواب أو الخطأ ولا تبالي بما إذا كان العمل بها أخلاقيًا أو لا أخلاقيًا، لأنها وضعت لأهداف شخصية تبيح الحرام بزعم أنَّه صواب لفئة معينة، وتمنع الحلال بزعم أنَّه خطأ لدي فئة أخرى!، فمن المعروف - مثلًا - عن العربان قديمًا وحديثًا إدمانهم لشرب الخمر، وفي بداية الهجمة المحمدية لم يكن شربها محرمًا وإنما كان فقط اجتنابه أثناء اوقات الصلاة. وبعدما قويت شوكة النبي واحتاج للرجال ولشجاعتهم في الغزوات، رأى أن الخمر قد تكون سببا في الهزيمة، فأتى بآية لا تشير للتحريم صراحة {إنما الخمر والميسر رجز من أعمال الشيطان.......}، ولم يقل مثلًا : حُرِّم عليكم شرب الخمر؟ لمعرفته أن في تحريمها مجازفة خطيرة قد تقلب العربان عليه لأنه سيحرِّم عليهم عادة قديمة، لم تحرمها أديانهم السابقة. فاستمروا في شربها في غير ايام الغزوات، ومن المؤكد أنه شربها أيضًا، وإلَّا ما عرف أنها (لذة للشاربين)، كما جاء في سورة محمد 15.
استمر الحال على هذا المنوال إلى أن جاء الفرس العباسيون الذين وضعوا للعربان بداية التأسلم الحالي (القرآن اليثربي والسنة)، فحرَّموا شرب الخمر على رعاياهم بأحاديث مفبركة لسد ثغرة عدم وجود تحريمه في القرآن. وظلت الخمر تباع وتشترى علنًا في بغداد وغيرها من المدن، ولكن حيازتها وشربها علنًا جريمة يعاقب عليها القانون بالنسبة للشعب وخصوصا الفقراء الذين يمثلون السواد الأكبر منه. أما الأغنياء والحكام، فلا حرج عليهم لأنه ”لذة للشاربين“. وبذلك أقرَّ الفرس العباسيون سياسة ”حرام عليكم حلال علينا“، وحتى يبتعد الفقراء من رعاياهم عن الخمر، وصفوها بأنها ”أم الخبائث“ وفبركوا احاديث تبين خطورة شربها.
***
إن الديانة الإسلاموية كانت ومازالت هي القوة الرادعة لأي شيء يجب ألَّا يكون متاحا للجميع، ويجب أن يكون خاصًا بالنخب السياسية والدينية والاجتماعية وحدها، يتيحون لأنفسهم الاستمتاع بكل ملذات الحياة، ويدفعون المال لما يسمونهم علماء وفقهاء، لإقناع شعوبهم بأن ما يستمتعون به في حياتهم، حرام على غيرهم، وأن كل هذه المتع تنتظرهم في الجنة (انهار من عسل مصفى ولبن وخمور لذة للشاربين... ونساء في غاية الجمال وغلمان مخلدون ...إلخ)!
***
السادة المتحكمون في السياسة والدين والاقتصاد ومصائر العباد، يعِدون العوام بالجنة في الآخرة ليبرروا حياة جهنم التي خلقوها لهم. وهم يرددون دائمًا أن الدنيا ليست دارهم، ومع ذلك يضعون أياديهم على كل شيء يستطيعون الوصول إليه في حياتهم، دونما اعتبار لكونه حلالًا أم حرامًا. إنهم كما قال شوبنهاور كالديدان المضيئة التي تحتاج إلى الظلام لتتألق. يدعون العباد إلى الزهد والتقشف في الحياة الدنيا، وحرمان أنفسهم من متعها. ويعيشون حياة مرفهَّة في قصور فاخرة، ويبثون سمومهم من بنايات مجهَّزة بمختلف أنواع الزينة والفرش الثمين والديكورات والمكيفات. وعندما يمرضون يسرعون بالذهاب إلى مستشفيات الكفار في أوروبا لطلب العلاج!، تجد في بلادهم عشرات المساجد الفاخرة ومستشفى واحدًا يفتقر لأبسط المرافق الصحية!. وفيها مدارس متهالكة ومؤسسات خدمية تعج بالفوضى العارمة، والنفوس المريضة والقلوب المحطمَّة، يقول عالم الاجتماع العراقي على الوردي: « في وطني يوجد مستشفى سيء لعلاجك، وعشرات المساجد الفاخرة للصلاة عليك عند موتك».
إذا كان الدين هو افيون الشعوب بحسب قول كارل ماركس، فإن هذا الدين تحديدًا هو أخطر مُخَدِّر جماعي لمعتنقيه، إذ يعمل على تغييب العقل الجمعي لديهم، ليضحِّي المتأسلم بحياته وبنفسه من أجل رفاهية رجال الدين والحكام وتجَّار الدين وقطاع الطرق، ولا يهتم بمشاكله الحياتية التي يتسببون في وجودها. وبذلك يتسنى لهم الهيمنة والسيطرة عليه، واستنزاف وسرقة ثروات بلده وتكديسها في بنوك الكفار. وما دام الدين لا ينفع سواهم فلا بد من سنِّ القوانين لتحمي تجارتهم، ومعاقبة المخالفين لها بأقصى العقوبات، مثل قانون ”ازدراء الأديان“ وقانون ”الإفطار العلني في نهار رمضان“ وغيرها من القوانين العبثية التي لا طائل من ورائها سوى ترسيخ سياسة ”حلال علينا حرام عليكم“ ضمن المسلمات الأولية التي يتمسك بها العربان والمتأسلمين، وهي دليل دامغ على جهلهم وتخلفهم، وأن الشك فيها جميعها هو سبيلهم الوحيد لتمدُّنِهم وتحضُّرهم.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول