مستقبل المراكز الثقافية والاجتماعية والمكتبات فى عصر العولمة الجديدة

مجدى عبد الحميد السيد
2021 / 6 / 8

مع جائحة كورونا يعتقد بعض المفكرين أن العالم يمر بمرحلة جديدة من العولمة يسميها البعض العولمة الثانية (الأولى منذ مطلع التسعينيات حتى نهاية عام 2019) وهى العولمة التى أصبح فيها العالم ذا قطبين بين الولايات المتحدة والصين وربما تستمر تلك المرحلة بصورة انتقالية حتى عام 2049 وهو العام المتوقع للقطب الواحد الصينى. والعولمة بصورتها المبسطة تعنى " تبادل وانتشار المنتجات والثقافات والتكنولوجيات والمعلومات والوظائف والأفكار والابتكارات بين شعوب دول العالم دون تمييز من أى نوع بين البشر" ، ولها أدوات ترتكز عليها تنتشر من خلالها وأهمها الاقتصاد بصورة أساسية ثم العلم والتكنولوجيا والاتصالات والانترنت والفضائيات. إذن نحن أمام عولمة نفعية براجماتية تطبيقية تقدس الابتكار والإبداع أينما كان ودينها التكنولوجيا والاتصالات لإن مجال العولمة هو كل العالم وليس المجتمع المحلى فقط . لقد طورت التكنولوجيا والاتصالات بالفعل كل القطاعات منذ مطلع الألفية الجديدة ، وشمل التطور كل أوجه الحياة سواءً التعليم أو الصحة أو الزراعة أو الصناعة أو التجارة والاستيراد والتصدير وحتى الادارة والمبيعات والتسويق والموارد البشرية الذين أصبحوا يعتمدون جميعا بصورة كبيرة على الاتصالات والتكنولوجيا ، ومن بين ما حاولت العولمة تطويره المراكز الثقافية والاجتماعية والمكتبات وحتى المسارح والسينما ولكن التطوير لم يكن بنفس قوة تطوير الأنشطة الأخرى التى تفاعلت مع التكنولوجيات والاتصالات والعلوم التطبيقية والأجهزة المختلفة والبحوث العلمية ، لإن تلك المراكز خارج إطار أهداف العولمة الرئيسية ولإنها ما تزال تسير بطريقة كلاسيكية تحتاج إلى الزائر الحقيقى الذى لم يعد موجودا لانشغاله بصورة كبيرة مع تطورات العولمة فى المهن المختلفة ، لإن العولمة لها جانب سلبى فى جعل الإنسان يلهث وراء الحياة لسرعة وجود تطوير يمس حياته ويحتاج لتكلفة أعلى يحاول تغطيتها ولا يهتم كثيرا باقتطاع جزء من وقته يخصصه لتلك المراكز . فى حالة دراسة تأثير العولمة على تلك المراكز يمكن اختيار المكتبات كمثال ، فالمكتبات بجميع أنواعها تأثرت بأدوات العولمة مثل الانترنت والاتصالات التى طورت أيضا أهم مادة خام فى المكتبات وهو الكتاب ليتحول إلى الكتاب الإلكترونى الذى تصاعد بصورة غير متوقعة خاصة مع الأجهزة التى ظهرت منذ حوالى 15 عاما فى حجم كف اليد وتستطيع الوصول لملايين الكتب الإلكترونية مثل جهاز Kindle شركة أمازون الذى حاول سحب المادة الخام من المكتبات ليتركها تترنح تحت طائلة عدم وجود زوار حقيقيين لإمكانية الوصول للكتب بطرق أخرى أيسر وأسهل من طرق الزيارة والإعارة .
السؤال الذى يمكن طرحه الآن والذى يمكن تعميمه نوعا ما على معظم المراكز الثقافية والاجتماعية : ما هو مستقبل المكتبات فى عصر العولمة ؟ ، إن المكتبات فقدت المادة الخام المتمثلة فى الزائر وفى الكتب أيضا ولكنها لم تفقد ذلك كليا بل فقدت الصورة القديمة وهو الزائر التقليدى والكتاب الورقى ، ولكن ما يزال هناك الزائر الافتراضى ( الإلكترونى) والكتاب الإلكترونى وهو لم يأخذ حقه فى مجتمع المكتبات الذى تغلب عليه الكلاسيكية والمثالية التى لا تصلح مع عصر العولمة البراجماتى النفعى الذى يقيس كل الأمور بمقياس المنفعة والعائد والمكسب ، لذلك لم تستطع بعض المكتبات إيجاد تمويل لها يجعلها تستمر فلجأت لتقليص العمالة أو تقليص وقت العمل أو التوقف التام الذى حدث للعديد من المكتبات خاصة الصغيرة منها حتى فى الولايات المتحدة ذاتها ، إذ أن حوالى خمس المكتبات قلصت العمالة وأوقات الفتح فى الولايات المتحدة ، وأعلنت بريطانيا أن هناك 100 مكتبة عامة تغلق أبوبها سنويا برغم محاولات محبى المكتبات والمجتمع المدنى لمجابهة الغلق ولكن للأسف لا يمنع الغلق إلا توفر الامكانات المادية وهو أمر أصبح صعبا جدا لخروج المكتبات والمراكز الثقافية عن إطار العولمة النفعى ، وللعلم فإن بعض المكتبات – وكذلك بعض المراكز الثقافية والاجتماعية- غيرت أنشطتها بحيث لم تعد مكتبات بالأساس فتحولت إلى مراكز تدريب وتطوير لتستطيع الاستفادة من التطورات التكنولوجية التى طالت مجال التدريب. إن مستقبل المراكز الثقافية والاجتماعية والمكتبات وحتى النشر يكمن بصورة أساسية فى الإبداع التكنولوجى الغائب عن المراكز الثقافية والاجتماعية والمكتبات الكلاسيكية المعرضة للإغلاق ، فالإبداع التكنولوجى مربح أيضا فى عصر العولمة ويمكن أن يوفر الكثير من الموارد المالية ، والإبداع التكنولوجى أيضا يخاطب الزائر الافتراضى الالكترونى ويقدم الكتاب الالكترونى والتدريب الالكترونى والدورات الالكترونية والمؤتمرات واللقاءات الالكترونية ويجيب على الاستفسارات الإلكترونية الغير مكلفة نوعا ما مقارنة بغير الالكترونى منها. إن ذراع العولمة فى الاتصالات والانترنت هو أقوى ذراع يمكن استغلاله فى المراكز الثقافية والاجتماعية والمكتبات بكافة أنواعها لإنه ذراع المستقبل الذى تعول عليه كل الأنشطة والمهن فى كل مكان فى العالم .
قد يكون من الأنسب أن نبحث عن الابتكارات فى تلك المجالات لإن الابتكار أصبح يفوق الخبرة فى عصر العولمة المتسارع جدا والذى لا تستطيع الخبرة مجاراته ولكن الابتكار والإبداع والاختراع يمكن أن يجعل صاحبه شخصا أو كيانا يلحق بعصر العولمة الجديدة ثنائية القطب .
فى النهاية إن ما يتعلق بمستقبل العولمة فى المراكز الثقافية والاجتماعية والمكتبات شبيه بمستقبل معظم الأنشطة التى تحتاج أيضا إلى إعلاء قيمة الابتكار والإبداع لتبقى على قيد الحياة المتسارعة الخطى والتى يومها الآن يشبه عاما فى القرن الماضى.

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي