م 2 / ف 13 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 835

أحمد صبحى منصور
2021 / 6 / 8

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 835
شهر رجب أوله الثلاثاء‏:‏
وظائف أكابر المجرمين
1 ـ ( فيه خلع على الأمير صلاح الدين أستادار ابن الأمير الوزير الصاحب بدر الدين حسن ابن نصر الله واستقر محتسب القاهرة عوضاً عن قاضي القضاة بدر الدين محمود العنتابي‏. وكان الأمير صلاح الدين - منذ نكب هو ووالده - ملازماً لداره وعمل مع الحسبة حاجباً‏. ) .
تعليق
سرعان ما عزل برسباى صديقه المؤرخ العينى من وظيفة الحسبة ، وجعله متفرغا للقضاء الحنفى ، وولّى الحسبة مكانه صلاح الدين ابن الوزير ابن نصر الله . وهما ( الابن ووالده ) سبق أن نكبهما برسباى ، ثم أعاد الابن محتسبا وأضاف اليه أن يكون حاجبا ، وكله بالأموال طبقا لثوابت الشريعة السنية والمعلوم منها بالضرورة .!.
2 ـ ( وفي عشرينه‏:‏ قدم الأمير سودن من عبد الرحمن نائب الشام باستدعاء ، وقدم معه قاضي كمال الدين محمد بن البارزي كاتب السر بدمشق ، فباتا في تربة الظاهر برقوق خارج القاهرة ، وصعدا من الغد إلى قلعة الجبل . وقبّلا الأرض ، فلما انقضت الخدمة نزل النائب إلى بيته ، ولم يخلع عليه فعلم أنه معزول. وخلع عليه من الغد ، واستقر أميراً كبيراً عوضاً عن الأمير شارقطلوا . وخلع على شارقطلوا ، واستقر عوضه في نيابة الشام . ورسم بإبطال الحركة إلى السفر فبطلت‏. ).
تعليق
1 ـ هنا حركة تنقلات يُجريها السلطان برسباى أكبر أكابر المجرمين ، وقد استدعى نائب الشام ( اى الحاكم المملوكى على الشام ) ، وعزله ، وولّى مكانه الأمير شارقطلو ، وتولى هو منصب شارقطلو أميرا كبيرا . من العادة أن يخشى السلطان المملوكى في القاهرة من طموح نائبه على الشام ، لذلك لا يستمر نائب الشام كثيرا في منصبه خشية أن تتكون حوله جماعات من أنصاره فيستقوى بهم ويستقل بحكم الشام .
2 ـ يلاحظ هنا :
2 / 1 : وصول ابن البازرى كاتب السّر بدمشق ، وهو من عائلة خدمت المماليك في الشام طويلا وذات نفوذ هناك ، وقد استدعاه برسباى لأخذ المزيد من أمواله كما سيظهر فيما بعدُ.
2 / 2 : انهما باتا في تربة الظاهر برقوق أي المدفن الخاص به ، وهو ليس مجرد مقبرة بل مؤسسّة كاملة ، فيها مسجد ومدرسة ودار للضيافة ، وتنفق عليها أوقاف من أراض زراعية وحوانيت تجارية ، يديرها أبناء الواقف ، ويأكلون معظم ريعها ، ويخصصون جزءا تافها للانفاق على تلك المؤسسة . كانت تربة برقوق ـ مؤسس الدولة المملوكية البرجية ـ خارج القاهرة . لذا تخصّص جزء فيها للضيافة ، إذ كانت قريبة من قلعة الجبل مقر السلطان .
2 / 3 : من مراسم الولاء للسلطان السجود له ، وتقبيل الأرض بين يديه . وهذا من ثوابت الدين السُنُى والمعلوم منه بالضرورة ، ويفعل ذلك قُضاة ( الشرع الشريف ) على حدّ قولهم .
دوران المحمل
( وفي ثالثه‏:‏ أدير محمل الحاج على العادة إلا أنه عجل به في أول الشهر لأجل حركة السلطان إلى سفر الشام ، فإنه تجهز لذلك هو وأمراؤه‏. ).
تعليق
دوران المحمل موعده في شهر رجب ، إذ تعتبره الشريعة السُنّية أحد الأشهر الحُرُم بالمخالفة للاسلام ، فالأشهر الحرم تبدأ بشهر ذي الحجة وتنتهى بشهر ربيع الأول ، ويجوز الحج طيلة هذه ألشهر الأربعة الحُرُم ، وفصلنا هذا في كتابنا عن الحج .
شهر شعبان أوله الأربعاء‏:
وظائف أكابر المجرمين
( فيه خلع على الأمير شارقطلوا نائب الشام خلعة السفر وتوجه إلى مخيمه خارج القاهرة . وخلع على القاضي كمال الدين بن البارزي خلعة السفر ، ثم خلع عليه من الغد يوم الجمعة ثالثه ، واستقر قاضي القضاة الشافعية بدمشق عوضاً عن شهاب الدين أحمد بن المحمرة ، مضافاً لما بيده من كتابة السر. ولم يعهد مثل ذلك في الجمع بين القضاء وكتابة السر، إلا أنه أخبرني - أدام الله رفعته - أن والده المرحوم ناصر الدين محمد بن البارزي جمع بين قضاء حماة وكتابة السر بها‏. )
تعليق
1 ـ لم يسجل المقريزى سوى هذا الخبر في شهر شعبان .
2 ـ وهو تابع للخبر السابق عن تعيين شارقطلو نائبا للسلطان برسباى في الشام ، وتعيين ابن البارزى ( كمال الدين ) قاضيا للشافعية في دمشق مع احتفاظه بمنصب كاتب السر لنائب الشام الجديد . وطبعا لا بد من دفع الرشوة طبقا للمعلوم عندهم في دينهم السُنّى بالضرورة .
3 ـ المقريزى كان قريبا من الأحداث ، وهو متعاطف مع أكابر المجرمين من الشام لأنه من هناك . وكانت صلته عريقة ببيت آل البارزى . ‏
شهر رمضان أوله الخميس‏:‏
وظائف أكابر المجرمين
( في يوم الثلاثاء ثالث عشره‏:‏ خلع على الأمير أقبغا الجمالي أستادار، وسبب ذلك أنه سافر إلى بلاد الصعيد ، فعاث في البلاد عيث الذئب في زريبة غنم ، فصادر أهلها وعاقبهم أشنع عقوبة ، حتى أخذ أموالهم وتعتع ( يعنى تغلغل في ) ما بقي من الإقليم، فشنعت القالة فيه، فوُعد لما قدم أن يحمل عشرين ألف دينار ، فحاققه القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن الخطير ناظر الديوان المفرد على ما أخذ من أموال النواحي ، حتى تسابّا بين يدي السلطان ، فرسم بمحاسبته، فحقق في جهته خمسة عشر ألف دينار . فخلع عليه تقوية له، ونزل على أنه يحمل ما وجب عليه‏.)
تعليق
1 ـ أقبغا الجمالى أمير مملوكى تمت ترقيته بسبب تطرفه في ظلم الفلاحين المستضعفين في الصعيد، ويكفى قول المقريزى فيه ( فعاث في البلاد عيث الذئب في زريبة غنم ، فصادر أهلها وعاقبهم أشنع عقوبة ، حتى أخذ أموالهم وتعتع ( يعنى تغلغل في ) ما بقي من الإقليم،) . وصلت شناعاته الى الآفاق، أو على حد قول المقريزى: ( فشنعت القالة فيه )، فاستدعاه برسباى ، لا ليعاقبه ، ولكن ليرقّيه مقابل عشرين ألف دينار مما نهبه من الفلاحين من أهل الصعيد . وعيّن برسباى القاضي ناظر الديوان المفرد ( خزينة السلطان ) أن يحقّق معه ، ليس في ظلمه ، ولكن فيما سلبه من الفلاحين ، ووصل الخلاف بينه وبين ابن الخطير أن تشاتما في حضرة السلطان ، ولم يهتم السلطان ، لأنه مهتم فقط بمقدار ما سيأخذه من الأمير . وانتهى التحقيق باثبات أن الأمير قد سرق 15 ألف دينار . فكان عليه أن يدفعها للسلطان ، ومقابل ذلك تمت ترقيته ، أو بتعبير المقريزى : ( فخلع عليه تقوية له، ونزل على أنه يحمل ما وجب عليه‏.). المكافأة هنا لأنه قام بتطبيق الشريعة السُّنية خير قيام ، تمسكا بالمعلوم منها بالضرورة ، وهى السرقة والسلب والنهب والظلم والتخريب .!.
2 ـ ( وفي سادس عشرينه‏:‏ خلع على دولات خجا واستقر في ولاية القاهرة عوضاً عن التاج الشوبكي وأخيه عمر‏. ودولات هذا أحد المماليك الظاهرية وولي كشف الوجه القبلي ، فتعدى الحدود في العقوبات ، وصار ينفخ بالكير في دبر الرجل ، حتى تنذر عينيه وتنفلق دماغه ، إلى غير ذلك من سيء العذاب، ثم ولي كشف الوجه البحري. وكان التاج قد ترفع عن مباشرة الولاية ، وأقام فيها أخاه عمر ، فشره في المال حتى كان كلما أتاه أحد بسارق أخذ منه مالاً وخلى عنه ، فأمن السُرّاق في أيامه على أنفسهم ، وصاروا له رعية يجبى منهم ما أحب . فلما ولي دولات خجا بدأ بالإفراج عن أرباب الجرائم من سجنهم ، وحلف لهم أنه متى ظفر بأحد منهم وقد سرق ليوسطنّه، وأرهب إرهاباً زائداً ، وركب في الليل وطاف. وأمضى وعيده في السراق ، فما وقع له سارق إلا وسّطه ، فذعُر الناس منه‏.)
تعليق
1 ـ دولات خجا كان كاشفا للصعيد ، أي حاكما هناك ، وقد تطرف في تعذيب الفلاحين المستضعفين وتفنّن فيه ، أو كما يقول المقريزى ( فتعدى الحدود في العقوبات ، وصار ينفخ بالكير في دبر الرجل ، حتى تنذر عينيه وتنفلق دماغه ، إلى غير ذلك من سيء العذاب ). إنها همّته في التعذيب والظلم تمسّكا بالثوابت في تطبيق الشريعة السُّنّية ، ولا يزال التعذيب سيد الموقف في دول المحمديين حتى الآن ، ويحظى برضا الكهنوت الدينى ، ولم يحدث مطلقا أن ارتفع صوت شيخ الأزهر أو غيره محتجّا على حالة تعذيب واحدة ، لأن التعذيب أساس تثبيت حكم الاستبداد ، وهم أعوان الاستبداد يباركون ظلمه وتعذيبه للأبرياء مقابل القليل من المال السُّحت . لو كان في الناس وعى لبصقوا إحتقارا على رجال الدين أعوان المستبدين ، بدلا من احترامهم وتقديسهم .!
2 ـ كان برسباى قد عيّن تاج الدين ابن الخطير كاشفا للوجه البحرى فاستصغر المهمة وعهد لأخيه عمر أن يحكم باسمه ، وكان عمر هذا قد جعل اللصوص في الوجه البحرى أعوانا له ، يقتسم معهم ما يسرقون ، وعلم برسباى فعزل عمر هذا ، وعيّن مكانه دولات خجا ، فقام بتهديد اللصوص بالتوسيط ( القتل بقطع الجسد قسمين ) ، ونفّذ وعيد بتوسيط بعض من وقع في يده ، فارتعب اللصوص ، ولم يعد هناك من لصّ غيره .!. ثم ما لبث برسباى أن عيّن دولات خجا مديرا للأمن في القاهرة وعزل التاج الشوبكي وأخاه عمر‏.
‏3 ـ ( وفيه خلع على عمر أخي التاج واستقر من جملة الحجاب ليرتفق بمطالع العباد على بلوغ أغراضه ونيل شهواته‏. )
تعليق
عمر هذا صديق اللصوص في الوجه البحرى كوفى بتعيينه حاجبا ضمن حُجّاب برسباى ، يقف على أبواب السلطان . والمقريزى يعبّر ساخرا عن استمراره في سرقاته وجرائمه فيقول : (ليرتفق بمطالع العباد على بلوغ أغراضه ونيل شهواته‏. ) .!
4 ـ ‏( وأكثر دولات خجا من الركوب ليلاً ونهاراً بفرسانه ورجالته، وألزم الباعة بكنس الشوارع ثم رشها بالماء وعاقب على ذلك ، ومنع النساء من الخروج إلى الترب في أيام الجمع‏.)
تعليق
جاء دولات خجا مديرا لأمن القاهرة تسبقه شهرته في التعذيب ، فألزم القاهريين بكنس الشوارع ، ومنع النساء من الخروج للمقابر ( التُّرب ) في أيام الجمعة ، وكانت العادة أن تبيت النساء في صالات المدافن ، ويحدث إنحلال خلقى يتستّر بالنقاب ، وقد تعرضنا لذلك في بحثنا عن أثر التصوف في الانحلال الخُلُقى في مصر المملوكية .
السلطان برسباى واحتكار الفلفل ‏
( وفي هذه الأيام‏:‏ أوقعت الحوطة على فلفل التجار بالقاهرة ومصر والإسكندرية، ليُشتري للسلطان من حساب خمسين ديناراً الحمل ، وكان قد أُبيع عليهم فلفل السلطان في أول هذه السنة بسبعين ديناراً الحمل ، ورُسم بأن يكون الفلفل مختصاً بمتجر السلطان ، لا يشتريه من تجار الهند الواردين إلى جدة غيره ، ولا يبيعه لتجار الفرنج القادمين إلى ثغر الإسكندرية سواه ، فنزل بالتجار من ذلك بلاء كبير‏. )‏
‏تعليق
1 ـ السلطان التّاجر ( برسباى ) فرض سلطته في احتكار الفلفل الأسود ، فصادر ما لدى التجار ، ونصب نفسه المشترى الوحيد والبائع الوحيد ، وألزم تجار الفرنجة أن يشتروا منه وحده ، وهو الذى يتحكّم في الشراء وفى البيع ، وبالسعر الذى يحدّده .
2 ـ بهذا أفقر برسباى طبقة التجّار ، وهم أهم شريحة في الطبقة الوسطى وقتئذ ، حيث كانوا يتمتعون باستقلال عن السلطة المملوكية ، في الوقت الذى كان فيه غيرهم من الفقهاء والمدنيين موظفين لدى أكابر المجرمين . ميزة التجار أنهم يخدمون المجتمع بوساطتهم بين المنتج والمستهلك ( بيعا وشراء ) . وبعضهم اشتهر بفعل الخيرات فذكره المؤرخون . هم أفضل كثيرا من طبقة ( المعممين / الشيوخ ) الذين ( يشترون ) بآيات الله جل وعلا ثمنا قليلا ، و( يبيعون ) للناس أحاديث شيطانية يزيفون بها دين الله جل وعلا . وبعض التجار كان يوقف الأوقاف الخيرية على بيوت العبادة ، والأوقاف الخيرية تكون خالصة لعمل الخير ، عكس الأوقاف ( الأهلية ) التي تتيح للواقف ولورثته تحصين أموالهم من المصادرة مقابل إنفاق جزء يسير منها على مؤسسة دينية تُدار باسم الواقف ، وتتراقص باسمه دعاء ومدحا . بتضاؤل الطبقة الوسطى من التجار تعاظم الفارق بين أكابر المجرمين وأفقر الفقراء وهم الأغلبية من الفلاحين والحرفيين .
تاجر يقوم بإصلاح في مكة
( وفي هذا الشهر‏:‏ أجريت العين حتى دخلت إلى مكة بعد ما ملأت البرك داخل باب المعلاه ومرت على سوق الليل إلى الصفا وانتهت إلى باب إبراهيم وساحت من هناك ، فعم النفع بها وكثر الخير، لشدة احتياج الناس بمكة إلى الماء وقلته أحياناً وغلاء سعره. وتولى ذلك سراج الدين عمر بن شمس الدين محمد بن المزلق الدمشقي أحد التجار وأنفق فيه من ماله جملة وافرة‏. )
‏ تعليق
نُعيد التنبيه على أن التُجّار كانوا أهم شريحة في الطبقة الوسطى، وكانت تتمتع باستقلالها عن السلطة المملوكية ، وبعضهم قام بعمل الخيرات . جاءت سلطنة برسباى وبالا عليهم ، باحتكاره التجارة الشرقية وتحكمه في سوق العُملة ، فتضاءلت طبقة التجار لصالح أكابر المجرمين .

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي