الوطن مثل الطائرة إذا امتلكه الأفراد سقط و تحطم

خليل قانصوه
2021 / 6 / 8

يُبصر المرء أحيانا ذاته سابحا لا تربطه علاقة بما حوله . يتذكر من أين جاء دون أن يعني ذلك فهما أو ميلا أو دلالة على المسار الذي اتبعه في ما مضى مصادفة والإتجاه المفترض أن يتخذه من الآن فصاعدا .
كان لي صديق طبيب ، في الطائرة التي تحطمت في 25 كانون أول 2003 أثناء إقلاعها من مطار كوتونو في بلاد بينان ـ مستعمرة فرنسية سابقا في غرب إفريقيا ـ متوجهة إلى بيروت . مازلت احتفظ بكتاب اعارني إياه عن الحالات الطارئة في التشخيص الشعاعي .تناهى إلى العلم أن الطائرة المنكوبة كانت ملكية مشتركة بين لبنانيين ، و أنها خضعت للمعاينة الفنية في مشاغل مطار بيروت الدولي و أن حمولتها كانت في الرحلة الأخيرة تزيد ثمانية أطنان عن الوزن المسموح به ، بالاضافة إلى أن بدايات التحقيق أظهرت أن عدد المسافرين كان يتجاوز عدد المقاعد ، عشرة منهم كانوا يستعدون لتمضية الرحلة وقوفا .
يلح علي سؤال عن العلاقة التي تربط بين المهاجر من جهة و بين المقمين من جهة ثانية ، أقصد هنا الذين ما يزالون في البلاد الأصلية و الذين يقيمون في الوطن البديل . يشمل هذا السؤال مفهومية الإنتماء و الهوية ، مفهومية إختلاف الأصل و السحنة و اللكنة إلى جانب إختلاف الثقافة و المفاهيم و الرؤية .
استوقفني التحضير للإنتخابات البلدية في البلدة العربية ، التي يبدو أنه محصور ضمن حدود رسمتها قوى الأمر الواقع بحيث تستطيع الإمساك بالمجلس البلدي بما هو مؤسسة تمتلك دورا سلطويا نسبيا ، في أطار المصادرة الكاملة للسلطة بكل أشكالها و على كافة المستويات . ينبني عليه أن الكلام عن الانتخابات هو في لبه مجازي ، كون العملية تعني بالدرجة الأولى أصحاب النفوذ و شروعهم في مساومات و مقايضات توصلهم في أغلب الأحيان إلى تسوية التزاما " بوحدة الصف " بحسب زعمهم . و في مختلف الأحوال ، من المستحيل على أية جهة أن تمارس عملا إحتماعيا ، دون الحصول على موافقة أصحاب النفوذ . فكل ما يتعلق بالشأن العام هو تحت سيطرتهم الحصرية .
ينجم عن هذا كله أن الأجواء الاجتماعية ملائمة في بلاد العرب للإنتهازيين و الوصوليين .فتخشى دائما الحيلة و الغش خلف كل ابتسامة ، و الملق في كل تصرف ، إن الغاية القصوى دون جدال ، هي رضا الزعيم . يخيّل إليك ان المعاملات لا تقاس بمعيار القيام بالواجب و أداء الوظيفة و إنما بالمردودية المادية و استحسان الزعيم او المنتدب عنه .
لا حرج في القول أن المراقب يلحظ نذر الكارثة في جميع مجالات العيش المشترك المسكونة بشبح الزعيم و أعوانه ، و في رؤية الناس التي لا تتعددى حدود الحاضر ، فلا يقلبون صفحات الماضي و لا يستفسرون عن المستقبل . لا يتذكرون طائرة كوتونو . لا تسل عما يجري في العراق و فلسطين .
ليس مستبعدا أن يكون الزعيم اليوم و ليد الإقطاعي الشرعي ، و أن الخنوع عاهة مزمنة . الأمر الذي يكشف عن عدم التكافؤ في المواجهة الدائمة و المتجددة بين الغرب و الشرق . فالناس في الشرق مهددون دائما بخطر الغزو . العرب في الخط الأمامي . لا سيما أن الحوار السياسي ممنوع في بلدانهم ، و التنظيم مفقود ، و القواسم المشتركة ضائعة .
الجمود على جميع المستويات . إن الآفاق المغلقة لا تشجع على التفكير و البحث عن الحلول و الإصلاحات لتدعيم البناء أو لترميمه و لتجديده ! ( المقهى في28.04.2004)

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي