العالم القادم بين مطرقة الصين وسندان الولايات المتحدة

مجدى عبد الحميد السيد
2021 / 6 / 7

فى آخر استطلاع رأى يرى نصف الأمريكيين أن الصين هى العدو الأول وهم يكرهونها لإنها سبب فيروس كورونا كما يروج الإعلام الأمريكى. بينما لا يرى معظم الصينيين ذلك لإنهم يقدرون الولايات المتحدة ، فهم بينهم الملايين الذين تعلموا فيها سواءً بالتعلم داخل الولايات المتحدة والعيش فيها لسنوات أو التعلم عن بعد ، حتى أن الرئيس الصينى لا يذكر الولايات المتحدة إلا بكل احترام وتقدير لإن لديها "المقدرة" على فعل أى شئ وكل شئ وهذا ما يميز الولايات المتحدة من وجهة نظر الصين وسيظل يميزها حتى تصل الصين لنفس "المقدرة" على الفعل . أما الصين -من وجهة نظر صينية- فهى تميل للواقعية الشديدة وتعترف علانية بأن معظم الشعب الصينى قبل أربعين عاما كانوا فقراء بالفعل ولكن الواقعية جعلتهم لا يركنون إلى التاريخ والحنين إلى الماضى بل يتوجهون إلى المستقبل والتخطيط له عبر جذب رؤوس الأموال الأجنبية فى ظل رخص الأيدى العالمة وفى نفس الوقت يقومون بنهضة تعليمية غير مسبوقة بإرسال البعثات للولايات المتحدة واستراليا والدول الغربية للأخذ بأدوات العصر الحديث علميا وتكنولوجيا مع إصلاح حال المدارس والجامعات لتتبنى الابتكار والإبداع فى كل المجالات وليس العمل العادى الذى تفوقت فيه فقط . ولم يتوقف الأمر فى الصين على إرسال البعثات للخارج بل امتد وتشعب بجلب الخبراء الأجانب أنفسهم لكى يقوموا بالتطوير فى الصين فى مجالات التعليم والصحة والبحث العلمى وحتى التجارة وإدارة الأعمال والفنون والرياضة ، واستطاعت الصين نشر ثقافة المؤتمرات واللقاءات والمعارض وورش العمل التى تزخر بالخبراء الغربيين الذين ينقلون خبراتهم للصين والكثير منهم يتم دعوته مجانا ويتم معاملته معاملة شديدة الاحترام.
إن الصين وهى تقترب من الولايات المتحدة فى الناتج الإجمالى وتفوقها فى التصدير وبراءات الاختراع جعلت حكام الولايات المتحدة يخرجون عن شعورهم ويحاولون بشتى الطرق القانونية وغير القانونية إيقاف هذا التطور الصينى العاتى الذى يشبه تسونامى بالفعل منذ عام 2010 وهو عام صعود الصين كثانى أكبر اقتصاد عالمى متخطية جارتها اليابان ، ولأول مرة تعترف الولايات المتحدة بالمؤامرة الصينية حتى لو كانت تحت مسمى فيروس كورونا بينما هى نفسها من كانت المدبر الأول لمعظم المؤامرات العالمية وحاملة لواء التجسس على العالم بما فيهم أوروبا نفسها . إن الإعلام الإمريكى يسير على نفس خطى إعلام دول العالم الثالث بالميل للتغييب فى ظل صراعات داخلية تحدث لأول مرة منذ حرب فيتنام باحثا عن أى وسيلة تثبت أن الفيروس صينى متناسيا أحاديث الخبراء ومن بينهم "بيل جيتس" الذى توقع انتشار الفيروس منذ عام 2015 كنوع من التحور الحتمى للفيروس والذى سيأتى فجأة دون مقدمات ، ولكن الصين أخذت أقوال بيل جيتس وأقوال الخبراء مأخذ الجد فأعدت العدة لحدوث أى كارثة باستخدام التكنولوجيا وتوجيه القدرات بأسرع طريقة ممكنة وسارت على نهجها كوريا الجنوبية والعديد من دول شرق آسيا فاستطاعت الصين بالفعل احتواء الفيروس وإنتاج 730 مليون جرعة لقاح حتى الآن لها ولدول العالم ، وسيطرت سيطرة كاملة على سوق المستلزمات الطبية الخاصة بتداعيات فيروس كورونا ولم تبخل على العالم بتلك المستلزمات بأقل الأسعار على عكس ما حدث مع فيروس الإيدز . إن الولايات المتحدة مع تغييبها السياسى ما تزال تملك المقدرة كما قال الرئيس الصينى منذ فبراير الماضى ، فهى قائدة العالم وتعترف الصين بذلك وتبحث عن أفضل الوسائل ليكون التعاون على قدم المساواة ولصالح الطرفين دون الدخول فى "فخ ثوسيديدس" الذى أعاده للحياة فيلسوف السياسة جراهام أليسون بعد 2300 عاما من تصور المؤرخ الإغريقى ثوسيديدس فى حتمية الحرب والصراع نتيجة تنامى قوة ناشئة (مثل الصين) أمام قوة عتيدة (مثل الولايات المتحدة).
إن الصين لا تحاول الالتفات للتشتيت الأمريكى الذى يريد أن يحيّدها عما رسمته من خطط للعام 2028 وللعام 2048 ، وتدرك تماما الهدف الأمريكى من الإساءة لسمعة الصين وإلحاق الضرر بها ، لذلك فهى تزيد التقدم كلما زادت الولايات المتحدة من العقوبات عليها ومن التشديد الغير مبرر على تطورها ، ودائما ما تهرب من كل فخ تريد الولايات المتحدة ايقاعها به بل وتلتف عليه لتحوله لصالحها ما أمكن ذلك. إن الولايات المتحدة تحاول بكافة الطرق اختراق الصين مخابراتيا تحت حجة الوصول لمنشأ فيروس كورونا ولكنها أدركت أخيرا أن الصين كانت مستعدة منذ مطلع الألفية لهذا الاختراق فأغلقت الفضاء الإلكترونى العالمى داخل الصين وأنشأت فضاءً إلكترونيا صينيا خاصا يصعب اختراقه من الولايات المتحدة ووصلت عام 2019 إلى مرحلة الإعلان عن أنها تعرف عن الولايات المتحدة الكثير بينما لا تعلم الولايات المتحدة عن الصين إلا القليل الذى تريد الصين نشره وليس أكثر من ذلك . لقد أدركت الولايات المتحدة أخيرا أنها تركت الصين أربعين عاما تتطور كما تشاء بمباركة رؤساء الولايات المتحدة أنفسهم حيث أن العلم والتقدم الصينى يعود الفضل فى تطوره للولايات المتحدة وكأن التاريخ يعيد نفسه بعد مائة عام حين استطاعت الولايات المتحدة اقتناص العلم من دول أوروبا الكبرى مثل انجلترا وألمانيا وفرنسا فى غفلة تاريخية أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى التى أرهقت أوروبا إلى أن كانت قفزتها الكبرى بعد إندلاع الحرب العالمية الثانية فاستحوذت على العلماء الألمان.
المشكلة التى تؤرق المفكرين الأمريكيين هى مشكلة " عولمة " صينية قادمة ، لإن الصين أخذت بنفس أدوات العولمة الأمريكية لتصعد من خلال التكنولوجيا والاتصالات والعلم والبحث العلمى والإبداع والإختراع وأضافت على ذلك امتلاك الأسواق بالبضائع الرخيصة التى تناسب جميع الفئات، لإن هامش الربح الأمريكى من براءات الاختراع التكنولوجى كان يصل إلى مائة ضعف التكلفة تذهب للشركات الأمريكية وتصل للمواطن الأمريكى فى صورة ضرائب بينما خفضت الصين هامش الربح إلى أقل ربح ممكن ، ولم تتوقف تطورات العولمة الصينية عند الاقتصاد والتكنولوجيا فقط بل امتدت إلى الثقافة والفن والأدب والرياضة والفضاء وحتى الصناعات العسكرية لتضع الصين قدما لها أيضا فى كل المجالات، وبالتالى استطاعت الصين وحدها إحياء التاريخ وإعادته للحياة بعد أن توقع المفكر فوكوياما منذ ثلاثين عاما نهاية التاريخ وسيادة الفكر الغربى على كل العالم .
السؤال الذى يؤرق باقى دول العالم خارج الولايات المتحدة والصين هو : هل ستحدث مواجهة بين الصين والولايات المتحدة قبل عام 2049 وهو العام المتوقع للاحتفال بالعيد المئوى للصين الحديثة ؟ وهل ستكون المواجهة عسكرية أم ستكون تكنولوجية فقط ؟ وأخيرا هل ستكون المواجهة حتمية (فخ ثوسيديدس) أم يمكن تفاديها ؟

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي