لوحة كئيبة بلون واحد اسمها سوريا

راتب شعبو
2021 / 6 / 7

في 24 اكتوبر/تشرين الأول الماضي، اعتقلت أجهزة النظام السوري المهندس محمد صالح، المعروف باسم ابو علي صالح (57 سنة)، وهو سجين شيوعي سابق (حزب العمل الشيوعي) لمدة 12 سنة في سجون النظام وناشط إغاثي مثابر، على مدى المأساة السورية. كان يعيل أبو علي صالح العديد من الأسر التي أصبحت محرومة من أي معيل، ودون تمييز طائفي بات له رواجه اليوم في سوريا. وقد روى أنه ذات يوم أرسل إلى تجمع عائلات "نازحة" عبوة كبيرة من الحليب فكان أن سفحوه على التراب حين علموا أنه مرسل من شخص "علوي" مخافة أن يكون مسموماً، قال ذلك وهو يقاوم غصة في حلقه.
والآن؟
أرسل لهم بشكل يومي.
ألا يسفحونه؟
ضحك بحزن وقال: لا ألومهم على سفحه، ألوم نفسي لو انقطعت عن تقديم ما أستطيع بذريعة ذلك.
هذا هو ابو علي صالح الذي يقبع الى اليوم في زنازين النظام ويلقى ما يعرفه كل سوري من أهوال "ممانعة وعلمانية ومكافحة للإرهاب".
وفي 21 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري أقدمت الأجهزة نفسها على اعتقال منيف ملحم (68 عاماً) وهو في طريقه إلى بيته الكائن في دمشق. منيف أيضاً سجين شيوعي سابق (حزب العمل الشيوعي) لمدة 16 سنة. منيف ليس مع أسلمة الثورة ولا مع عسكرتها، ويكتب ليل نهار إنه يريد أن يعيش في وطن يحكمه قانون مدني عصري يسود على الجميع ولا تحكمه إرادة مطلقة لطغمة تحيل الوطن إلى ملكية خاصة. هذا الشخص أيضاً تبتلعه زنازين النظام السوري الذي يقول ليل نهار إنه يحارب داعش والتطرف والإرهاب والوهابية ..الخ.
وقبل هذا وذاك اعتقلت الأجهزة نفسها في 1 أغسطس/آب الفائت، المهندسة لانا مرادنة التي تعمل في منظمة اليونيسيف في دمشق، "لأنها تقوم بأفعال انسانية لمساعدة أطفال الغوطة الشرقية" كما قال قائد المفرزة التي قامت باعتقالها، بحسب والد المعتقلة "نزار مرادنة" الذي كان أيضاً سجيناً سياسياً سابقاً (حزب عمل شيوعي) لمدة 15 عاماً. وهي لا تزال أيضاً رهن الاعتقال الى اليوم.
يمكننا أن نعدد أسماء كثيرة على هذا المنوال، من علي الشهابي وعبد العزيز الخير ورجاء الناصر إلى ماهر الطحان وإياس عياش وباسل خرطبيل وعدي رجب ..وكثيرون آخرون.
لا شك أن هذه الأجهزة تعتقل الكثير يومياً فهي تتمتع بسلطات على المحكومين منفلتة من أي ضابط، ولم توجد يوماً أي آلية لمحاسبتها، ولا يتمتع مسؤولوها بقدر كاف من الأخلاق كي تشكل الأخلاق حماية ما من "التشبيح" الأمني، ومن كان منهم لديه الأخلاق فإنه لا يجرؤ على ممارستها خشية العاقبة، إذ لا مكان للعملة الجيدة في سوق المخابرات الأسدية.
غير أننا نذكر هذه الحالات هنا لأنها أسماء معروفة بمواقفها وتاريخها وحاضرها، وهي وفق هذه السِيَر لا تنتمي إلى أي من "الأعداء" الذين يحددهم النظام لجمهوره ولحلفائه وللعالم. ولكنها تنتمي كل الانتماء إلى الأعداء الذين يحددهم النظام لأجهزته الأمنية. هؤلاء السلميون المدنيون العلمانيون هم في الواقع أعداؤه الحقيقيون، وفي الواقع أمثال هؤلاء هم من يجري اعتقالهم وتهجيرهم ومصادرة أملاكهم.
هذا نموذج من طبيعة عمل أجهزة أمن النظام السوري اليوم. ولا شك أن هذه الاعتقالات الفعلية هي في الواقع اعتقالات رمزية لكل من يشبه هؤلاء الأفراد ممن يعيش تحت طائلة هذه الأجهزة. كان ولا يزال النظام السوري بعد خمس سنوات من الجمر يريد أن تكون سوريا لوحة شبيهة بالجحيم، لوحة كئيبة مصبوغة بلون الولاء المطلق الذي يستند إلى دعائم جهنمية من الفقر والعوز والإرهاب المنفلت للأجهزة الرسمية وغير الرسمية.
أمام هذه الاعتقالات المستمرة سوف يقول الموالي: لا شك أن لهؤلاء المعتقلين أنشطة داعمة للإرهاب، وإلا لما اعتقلهم النظام. وربما يعزز قوله بالسؤال المستَلَب والخالد: لماذا إذن لم يعتقل النظام سين من الناس واعتقل هؤلاء؟ وسوف يقول موال آخر أقل استلاباً: لا شك أن اعتقال هؤلاء ليس عملاً صحيحاً، ولكن ليس الآن آوان النقد، نحن في حالة حرب والأخطاء تقع أينما كان ولاسيما في الحرب. وقد يردف: الناس يموتون كل يوم، وأنتم تتكلمون باعتقال هذا أو ذاك!
وأمام مثل هذه المحاججات يسكت المرء إذ يتذكر إحدى قصص الجاحظ عن البخلاء حين تنكر البخيل لصديقه قائلاً: لو خرجت من جلدك لن أعرفك.
نوفمبر/تشرين ثاني 2015

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية