النظام الطائفي السياسي في لبنان منهج تاريخي متخلَّف تأصيل تاريخي، وواقع مرحلي، وآفاق مستقبلية (1/ 3)

حسن خليل غريب
2021 / 6 / 7

أولاً: تأصيل تاريخي
-مدخل تمهيدي في منهجية البحث:
النظام الطائفي السياسي في لبنان ظاهرة سياسية اجتماعية لها جذورها التاريخية. ولأنها أثبتت عجزها عن بناء دولة حديثة. ولأن مظاهر عجزها تنتشر في كل مفاصل الدولة اللبنانية القائمة حالياً. ومن أجل الإسهام في وضع حلول للواقع المؤلم لا بُدَّ من تشخيص أسبابها.
ولأن دراسة أية ظاهرة اجتماعية دراسة علمية تقتضي معرفة ظروف تكوينها التاريخية، وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه في واقعها الراهن. لكل تلك الأسباب، اعتمدنا منهجية علمية في دراسة الظاهرة بتاريخيتها، أي إعادة تجسيدها من أجل الوصول إلى قوانين وقواعد تجريدية تسمح بالاستفادة من نتائجها في كل زمان ومكان. وكل هذا يقتضي تحديد مفهومنا للعلاقة الجدلية بين تجسيد الظاهرة وتجريدها. ومن دون الخوض في تفاصيلها على أمل التفصيل فيها في مقالة مستقلة، نعيد إلى الأذهان أن هناك ضرورة للربط بين الفكرة الفلسفية المجرَّدة، والظاهرة الاجتماعية المجسَّدَة. وأنه لا يمكن الفصل بينهما. فهذه تستفيد من تلك بشكل معرفي لولبي متصاعد. فالفكرة الفلسفية إذا لم تتحوَّل إلى عمل ميداني لإعادة تطبيقها فسوف تتحول إلى ترف فكري لا يمت بصلة لحياة الإنسان. ودراسة الظاهرة الاجتماعية من دون العمل على تجريدها لتتحول إلى قانون إنساني لن تساعد على فهم التكاملية في العلاقة بين الجماعات الإنسانية أينما كانت، أي ضرورة أن تستفيد أي جماعة منها من تجارب الجماعات الأخرى.
وبناء على هذه المنهجية، نقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة أقسام، وهي:
-أولاً: تأصيل جذورها التاريخية، وأسباب نشأتها في مكانها وزمانها وبيئتها الاجتماعية، والظروف الدولية المحيطة بها.
-ثانياً: واقع الطائفية السياسية الراهن. وتوصيف الإشكالات التي تنجم عن تطبيقها. وذلك للعمل على كشف مواطن الخلل فيها.
-ثالثاً: استشراف مستقبلي لمصيرها، وتوصيف شروط ووسائل التغيير فيها.

-أولاً: تأصيل ظاهرة الطائفية السياسية تاريخياً
ولتقريب الموضوع لأفهام من لم يطلع على التاريخ، عليه أن يُلمَّ به لكي يتأكد من صحة نتائج الأبحاث التي اهتمَّت بتلك الظاهرة، وتوصَّلت إلى أن منهج النظام الطائفي السياسي أصبح بعيداً جداً عن مفاهيم العصر. وقد أكَّد الدارسون في شؤون التاريخ والاجتماع والدين، أن عمر هذا المنهج يتجاوز القرن ونصف القرن من الزمن.
إن النظام الطائفي السياسي المطبَّق في لبنان وليد شرعي لـ(نظام المتصرفية) الذي تأسس في لبنان منذ العام 1864، في ظروف حكم الإمبراطورية العثمانية. وتعود أسباب تأسيسه إلى النزاع الدامي بين المسلمين والمسيحيين في جبل لبنان ودمشق وسهل البقاع وجبل عامل، بشكل عام. والذي حصل بين موارنة لبنان ودروزه في جبل لبنان بشكل خاص. تلك الفتنة التي استغلتها الدول الأوروبية واتَّخذت منها ذريعة للتدخل بالشؤون اللبنانية تحت ذريعة (حماية الأقليات الطائفية). وكان الهدف منها أن يشكِّل لبنان بوابة تتسلَّل منها المخططات الغربية إلى جسد الإمبراطورية العثمانية في أماكن أخرى. ومن أجل تمرير المشروع استفادت الدول الأوروبية من وباء التعصب الطائفي الذي كان ينخر في البنية الاجتماعية لطوائف لبنان، وشكَّلت الممر للتدخل الأجنبي في شؤون لبنان، تحت زعم حماية الطوائف. وقد توزَّعت الدول الأوروبية أدوارها بإعلان كل دولة حمايتها لطائفة من طوائفه.
ومن أجل إيقاف القتل الوحشي، وتوفير السلم الأهلي لكل الطوائف المتضررة، كان قبول الأمر الواقع موقفاً لا بُدَّ من الخضوع له. ولذلك، تم تأسيس مجلس مكوَّن من إثنتي عشر عضواً، كممثلين للطوائف حينذاك، يرأسه متصرف غير تركي وغير لبناني. وتوزعت الحصص على الشكل التالي:
-الإمبراطورية العثمانية، بفعل انتسابها للمذاهب السنية، كان من الطبيعي أن تكون حماية الطائفة السنية من حصتها (مقعد واحد). وأما روسيا فقد أعلنت حمايتها للطائفة الأرثوذكسية (مقعدان). وفرنسا أعلنت حمايتها للموارنة (أربعة مقاعد). وبريطانيا أعلنت حمايتها للدروز (ثلاثة مقاعد). واستفاد الشيعة من (مقعد واحد). و(مقعد واحد للكاثوليك).
ولحصول التوازن في الحمايات الأجنبية، بحيث أصبح لكل دولة حصتها، حصلت متغيرات في الوضع الأمني الداخلي ولهذا السبب استتبَّ الأمن والطمأنينة في المساحة الجغرافية للمتصرفية، لما كان يُعرف بـ(لبنان الصغير)، حتى قيل في مدحه، (نيال من له مرقد عنزة في جبل لبنان).
وفي ظل الانتداب الفرنسي بعد إسقاط الإمبراطورية العثمانية، وبعد اعتماد خرائط اتفاقية سايكس – بيكو، وسَّع الانتداب رقعة لبنان الصغير بعد أن أضيفت إليه بشكل أساسي كل من البقاع والشمال والجنوب، وسُميِّ بـ(لبنان الكبير) الذي أدخلت إليه بعض المفاهيم السياسية الحديثة في إدارة الدولة لم تعهدها في تاريخها السابق، الذي سادت فيه مفاهيم الدولة الدينية لقرون طويلة كانت المذاهب التي لا تنتسب إلى مذهب النظام الحاكم تعاني من لاعدالته. وبسبب تطبيق بعض المفاهيم السياسية الحديثة تغيَّر متهج الحكم، وساد الاعتقاد، بعد معرفة إيجابياتها، بأن لبنان أصبح (سويسرا الشرق).
في متصرفية جبل لبنان، كان يتم تعيين متصرف أجنبي يتم التوافق عليه بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية، ليشكل ضمانة لحماية مصالح الجميع، وهذا الأمر كان محل توافق بينهم. ولم تحصل أية منازعات، سواءٌ أكانت داخلية أم كانت دولية، فأصبح مرقد العنزة الآمن في جغرافية المتصرفية رمزاً اختزنته ذاكرة اللبنانيين وتمَّ تطبيعهم النفسي بطابعه، وكأنه لا هدوء ولا أمن ولا استقرار، من دون حماية أجنبية. وهكذا حصل بعد الانتداب الفرنسي، الذي خفَّت فيه موازين الطائفة السنية لحساب زيادة موازين الطائفة المارونية، وعلى الرغم من ذلك، وبفعل تحديث القوانين، تحوَّل لبنان إلى (سويسرا الشرق)، ليصبح رمزاً نفسياً بأن (سمك لبنان) لا يعيش خارج ماء بحيرة الحماية الخارجية. وبهذا شعر الموارنة، بقعل الامتيازات التي حصلوا عليها، بأن فرنسا أصبحت بمثابة الأم الحنون، الأمر الذي كان يثير مكامن الخوف عند الطوائف الأخرى، لتشكل وقوداً قد يتفجَّر في لحظة الاحتقان المناسبة.
حماية الطوائف كانت برميلاً من البارود جاهزاً للتفجير الداخلي:
كانت قضية الحماية الأجنبية في لبنان تشهد صعوداً وهبوطاً بالتوازي مع المتغيرات الخارجية، الدولية منها أو الإقليمية. ولذلك عندما تصاعد نفوذ الولايات المتحدة الأميركية، بعد وراثتها للاستعمار الفرنسي – البريطاني، انعكست المتغيرات على الوضع في لبنان، إذ وضعت أميركا لبنان في صلب خطتها العربية – الإقليمية، وعملت على جذبه إلى محاورها التي أخذت تشكلها، ويأتي (حلف بغداد) من أهم تلك المحاور التي كانت تخطط فيه للاستيلاء على المنطقة، فوجدت في كميل شمعون، رئيس الجمهورية اللبنانية في الخمسينيات من القرن العشرين، الوسيلة المناسبة. ولكن نهاية فترة رئاسته، بعد إسقاطه في ثورة 1958، ترافقت مع صعود الحركة القومية العربية، خاصة في مصر وسورية، وانضم إليها العراق بعد ثورة تموز في العام 1958، وإسقاط حلف بغداد، بحيث أضعفت الاستراتيجية الأميركية، فانعكس الوضع سلباً علىها، وفلت لبنان من قبضتها، بانتخاب اللواء فؤاد شهاب، كرئيس جديد في لبنان عمل على التوفيق بين العاملين العربي والدولي.
هذا الأمر الذي عملت أميركا عليه طوال مرحلة الستينيات من القرن العشرين، واعتبرت أن إعادة الهيمنة على الوضع العربي، يتم بإسقاط المراكز التقدمية للثورة القومية، واعتبارها استراتيجية شاملة، يكون لبنان تفصيلاً من تفصيلاته، ولكن على أن يتم استخدام منهج الطائفية السياسية السائدة فيه، عاملاً من عوامل إسقاط المناهج الوطنية والقومية.
واستناداً إلى هذه القاعدة، وبعد إسقاط مصر من معادلة الصراع القومي العربي – الصهوني في العام 1973، رُسم للساحة اللبنانية مخططاً لضرب عصفورين بحجر واحد، وهما: إسقاط نتائج المكتسبات التي حققتها الحركة الوطنية اللبنانية، وضرب المرتكزات الجغرافية للمقاومة الفلسطينية.

المنهج الطائفي السياسي حاجة ومرتكز للمشاريع الخارجية:
خلال هذه المتغيرات، الواقعية والمرسوم لها أن تكون بديلاً، كان منهج النظام الطائفي السياسي حاجة ضرورية للمخططات الاستعمارية والصهيونية. وكما رُسمت خطواته منذ قرن ونصف القرن، لا يزال حاجة لاختراق البنى الشعبية والهيمنة على عقولها لأنها أقصر الطرق وأشدها ذكاء لتسريب أحصنة طروادة إلى داخل المحتمع العربي واحتلاله من الداخل من خلال استمرارية الحواضن الداخلية التي تقدمها لأشكال التدخل الخارجي.
من المثير للأسف أن المخطط استثمر المارونية السياسية لتنفيذ مخطط إسقاط النهج الوطني اللبناني من جهة، والعمل الفسطيني المسلح من جهة أخرى. وكان من أبرز ما حصل لتنفيذ المخطط، الحرب الأهلية التي اندلعت في العام 1975، والعدوانين الصهيونيين في العام 1978، والتي استكملت في عدوان العام 1982.
إسقاط المنهج الوطني والقومي وإعلاء منهج المنظمات الطائفية السياسية:
نجح المخطط في الوسائل الثلاثة معاً، إذ جاء كل جزء منها مكملاَ للجزء الآخر. وكانت من أهم نتائجه، إنعاش المنظمات الطائفية السياسية على حساب تراجع واسع للعمل الوطني. وإجلاء فصائل حركة المقاومة الفلسطينية عن لبنان، وتوزيعها في أكثر من قطر عربي.
وإذا كانت المارونية السياسية قد دفعت الثمن نتيجة أخطائها في الحسابات، فإنها أسهمت في ضرب بعض مراكز الثورة الوطنية والقومية لكنها لم تربح شيئاً، لا بل عملت من دون أن تحتسب على تقوية مراكز قوى طائفية أخرى. وهذا ما سوف تكتوي أصابعها به في المراحل اللاحقة، ولعلَّ من أهمها كان تقليص حجم نفوذها الداخلي، كنتيجة لتحجيم دور ارتباطها مع الخارج. ذلك الخارج الذي تمثِّله فرنسا التي كانت تُعتبر الأم الحنون لموارنة لبنان. ولكن لفرنسا حسابات أخرى، وهي العمل على أن لا تكون على هامش التأثير في مرحلة أواسط السبعينيات من القرن الماضي، التي اقتضت المصالح الأميركية تلزيم لبنان للنظام السوري.
ولأن النظام السوري، وبحكم الملابسات التي أحاطت بدوره في لبنان، بتغطية دولية وعربية من جهة، وفي ظل الخلاف على هذا الدور بين القوى والتيارات السياسية في لبنان من جهة أخرى، فقد وجد بالتعاون مع جزء من الشيعة حاضنة سياسية وشعبية وأمنية له. وهكذا تصاعد دور الشيعية السياسية ليحتل مقعداً ذهبياً في صناعة التاريخ السياسي في لبنان، منذ اتفاق الطائف في العام 1989، ولا يزال مستمراً حتى الآن، بغطاء سوري، واحتضان ودعم إيراني.
وهكذا من طحين نهج نظام المتصرفية، الذي جاء خليطاً من تسوية عثمانية - أوروبية، عرف لبنان ثلاثة أنواع من هيمنة طائفة واحدة على االطوائف الأخرى، وهي:
-امتيازات الطائفة السنيِّة السياسية، التي ضمنتها الدولة العثمانية.
-امتيازات الطائفة المارونية السياسية التي ضمنها الانتداب الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى، واستمرَّت إلى أواسط السبعينيات من القرن العشرين.
-امتيازات الطائفة الشيعية السياسية، التي وُلدت في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، واستمرت في التصاعد حتى بلغت أوجها في هذه المرحلة.
ولكي لا يؤخذ علينا أننا نستخدم مصطلحات مذهبية، في خطاب وطني قومي مدني، نؤكد على أن الطائفية مرض، بل وباء اجتماعي نعمل على مكافحته. آخذين بعين الاعتبار أن تشخيص المرض يتم بتسميته مباشرة وليس مداورة. وأرجو أن لا يخفى هذا على كل من هو صادق بانتمائه الوطني والقومي.
دروس ونتائج من تاريخية ظاهرة الطائفية السياسية:
بين الأمن الاجتماعي المنفلت الذي يهدد السلم الأهلي بين مجموعات مختلفة بالانتماءات الدينية، والأمن الاجتماعي المستقر الذي تسوده الطمأنينة والسلام بين تلك الجماعات، لا شكَّ بأن عهد المتصرفية شكَّل في ظروفه التاريخية واحة للسلام والتعايش بين مختلف الجماعات الطائفية في جبل لبنان بشكل خاص. ولذلك كان المثل الشائع (نيال من له مرقد عنزة في جبل لبنان)، يُعبِّر عن حالة متقدمة جداً من الأمن والاستقرار لكل سكان الجبل بعد اعتماد نظام المتصرفية.
تلك الظاهرة غير المسبوقة في تاريخ لبنان، الذي سبق عهد المتصرفية، كانت تشكل المفصل الأهم في استتباب الاستقرار البعيد عن الحروب بين الطوائف، وبين العائلات داخل الطائفة الواحدة. ولذلك ارتبط السلام والطمأنينة بعاملين اثنين هما:
-عامل توزيع السلطة السياسية بين الطوائف، أي تم توزيع التمثيل بينها على اثنتي عشر مقعداً.
-وعامل الحماية الأجنبية خاصة الحماية الأوروبية.
هذان العاملان أصبحا على مر الزمن ثابتين ثقافيين في العقل الجمعي للبنانيين، بحيث أصبح اللبناني لا يفهم الاستقرار والأمن الاجتماعي من دونهما.
ولأن الطبقة المسؤولة الحاكمة للبنانيين لم تعمل على التطوير المعرفي عند اللبنانيين لأنها المستفيدة من الواقع الذي سنَّت تجربة متصرفية جبل لبنان قوانينه وقواعده على أساسه، أخذت الأجيال الجديدة تتوارثه عن الأجداد والآباء. وأما عن الطبقة الطائفية الحاكمة، فكانت مدعومة بالمؤسسات الدينية الطائفية، لأن للمؤسستين مصلحة باستمرارها، لما تدرُّه عليهما من امتيازات سياسية ومادية.
سلبيات التحالف بين نخب الطائفية السياسية مع المؤسسات الدينية:
لقد انبثق عن التعاون بين المؤسستين منهج معرفي ثقافي على أساسه تمَّ تدجين الثقافة الشعبية بين الأسوار المنيعة لثنائية أنه (لا حماية للطائفة بدون الاستقواء بالخارج). وفيه شكَّلت الثقافة الشعبية الحاضنة الأساسية لتحالف المؤسستين معاً وحرصها على منعها من السقوط.
وزاد من أهمية تلك الحاضنة أنها تستند إلى أوراق القوة التي يستمدها السياسيون الطائفيون من مقدرات السلطة، والتي تستمدها المؤسسات الدينية من قوة تأثيرها بامتلاك مفاتيح الدخول إلى الجنة. ولذلك أصبح من الصعب تغيير البنية الثقافية الشعبية إذا لم تتوفر عوامل مقاومة أوراق القوة التي تمتلكها المؤسستان معاً.
ولأن أي قوة تنشد التغيير في بنية النظام فإنها عاجزة عن امتلاك مثل تلك الأوراق، ولن يتبقى عندها من وسائل أكثر من بذل الجهد لتغيير البنيان الثقافي الشعبي بقوة الوعي والإدراك.
ومن جانب آخر، وبعد الانتداب الفرنسي، الذي تحوَّل فيه المندوب السامي الفرنسي إلى متصرِّف بشكل جديد، أعلى من شأن الطائفة التي ألقى عليها سابقاً غطاء الحماية. فكانت الطائفة المارونية صاحبة الامتيازات كبديل لامتيازات الطائفة السنية التي كانت محميَّة من قبل السلطة العثمانية. وهذا يؤكد أن أي حاكم خارجي، سواءٌ اكان في عهد المتصرفية التركية، أم في عهد الانتداب الفرنسي، كان يعطي مصالحه أولوية، ويعمل على حمايتها بحاضنة شعبية لبنانية ليسبغ عليها شرعية دولية. ولهذا انتشرت عند الطائفة المارونية مقولة (فرنسا الأم الحنون). بعد أن كانت السلطنة العثمانية الأم الحنون للسنية السياسية.
ومما تجدر الإشارة إليه، أن لبنان في ظل عهد الانتداب الفرنسي أخذ يتعرَّف على وسائل حديثة في إدارة الدولة، وبناء أسس لتلك الدولة، وهذا ما كان غائباً طوال المراحل التي سبقت الانتداب، الأمر الذي انتشرت فيه مقولة مشهورة هي أن لبنان أصبح (سويسرا الشرق).
وبالنتيجة، أصبحت الأسس، التي انبنت عليها تجربة المتصرفية، والتي كانت تشكل حلاً مرحلياً في مكانه وزمانه، قانوناً عاماً تعمل النخب الطائفية والمؤسسات الدينية على الاستفادة منه من جهة، وضمانة لترسيخ عامل التدخل الخارجي من جهة أخرى. والأخطر من هذا وذاك أنه تحوَّل إلى ثقافة شعبية، تدافع عنه متجاهلة كم تجره تلك الثقافة من رهن القرار السيادي الوطني إلى شريحة داخلية تحتكر موقعها في مؤسسات الدولة للاستفادة من عائدات السلطة من جهة، ورهنه لمصلحة الارتماء في حضن الخارج، الذي لن يكون بريئاً من لوثة مصالحه من جهة أخرى.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية