ترهل وتهميش

المنصور جعفر
2021 / 6 / 6

يؤشر هذا النص إلى ترهل في المواقف والمواثيق والمفاوضات وتهميش للإنتقادات في عملية تحكم النخبة البرجوازية الصغيرة في الحياة السياسية كبعض أسباب إضعاف الحركة الجماهيرية ومنعها من تغيير أوضاع السودان، وكيف أدت هذه الأساليب إلى تراجع الوضع السياسي من حال تغيير جذري إلى تغيير شكلي يحتفي ببعض إصلاحات إلى مناورات تثبت أهم معالم الوضع القديم للسيطرة العسكرية والرأسمالية على معيشة ومصير غالبية الكادحين.

منذ إستقلال السودان لم يوجد إهتمام كبير في الأحزاب الرجعية وفي الأحزاب الليبرالية بالتفريق بين موضوع تغيير شكل الحكم وموضوع تغيير طبيعة الدولة ونشاطها، أي تغيير حالة الدولة من كونها آلة في خدمة المسيطرين على السوق إلى آلة في خدمة غالبية الكادحين. فكل الانتفاضات السودانية بعد الاستقلال لم تهتم قبل تأسيس تحالفاتها بهذه المسألة المصيرية.

في عهد الجبروت والفساد المنتسب للإسلام منذ عام 1977 أيام حكم المشير جعفر نميري إلى عام 2019 أيام سيطرة الإسلاميين المطلقة بقيادة المشير عمر البشير والنسخة الاخيرة لهذا الجبروت المنتسب للإسلام، لم تكترث مكالب تغيير الحياة السياسية إلى الطبيعة الرأسمالية لـ"دولة الاستعمار الداخلي والتسول الخارجي"، وبقيت غالبية أفكار التغيير ووثائقه بعيدة عن هذا الاصطلاح.

في المقاومة الجماهيرية ضد دكتاتورية نميري وضد ديكتاتورية البشير توكد في العاصمة الإتجاه النظري إلى الإرتباط بتسوية فئوية بين كبراء السوق المسيطرين ومنافسيهم الآملين في السيطرة، ولم يوجد إهتمام متواصل منظوم بإحداث تغيير جذري متكامل إلا في برنامج "الثورة الوطنية الديموقراطية" الذي يتم تأجيله بإستمرار بدعوى إن ظروف البؤس والتخلف لا تسمح بتحقيقه !

رغم هذا التضليل الطبقي والفقر الآيديولوجي المكرس له توالت الانتفاضات ضد حكام السودان وتوالت ضدها أعمال القمع الوحشي خاصة منذ أول فترة تحكم الإسلاميين المباشر عام 1989 واستمرت عبر أعوام التسعينيات وما بعد الألفين حتى استقلال جنوب السودان عام 2011. ثم صعدت الجماهير في سبتمبر 2013 مواجهة الجبروت وقوبل تصعيدها بحملة قمع دموية كبيرة، بأثرها تصاعد اتجاه الأحزاب الرجعية والليبرالية إلى مشاركة حكم الإسلاميين الدموي بدعوى يأسها من النشاط الجماهيري أو خوفها على أرواح الناس!

تقطعت الانتفاضات لكن الحركة الجماهيرية تأججت بالمسيرة الحاشدة التي سيرها الحزب الشيوعي السوداني في الخرطوم في 16 يناير 2018 ضد الديكتاتورية الشاملة المنسوبة إلى الإسلام. وكانت تلك المسيرة من آيات البطولة والفداء في تاريخ السودان السياسي الحديث.وبعد مناورات حزبية وحكومية قاربت العامين اشتعلت الحركة الجماهيرية بقيادة "تجمع المهنيين" في ديسمبر 2019 ولم تهدأ إلا بإسقاط جبروت الحاكم في أبريل 2019. وإوداع المشير عمر البشير وبعض محسوبيه السجن.


نتيجة المواثيق الفضفاضة المرتبطة بهدف إسقاط الحاكم أكثر من هدف كسر التسول الخارجي والاستعمار الداخلي باللامركزية والتنمية المتوازنة والديموقراطية المتكاملة، قويت إتجاهات رجعية وليبرالية ضد مطالب الشعب لمحاسبة كل أركان وكوادر الحكم السابق، وضد مطالب تخفيف أعباء المعيشة.


اتخذت السياسات الرجعية والليبرالية إتجاهات وممارسات خلط وتخذيل ثم إطفاء تدريجي لتأجج الحركة الجماهيرية، حيث تحويل كل المطالب والشعارات إلى أمور شتات وصراعات بيروقراطية وتكنوقراطية ودولية، تحاول تجريد الشعب من كينونته الثورية وتجريد الثورة من كينونتها الشعبية، بل حكومة ضعيفة وقيادة عسكرية، واستمرار سيطرة تماسيح السوق على معيشة ومصير غالبية الكادحين..

إضافة إلى فكرة ومواثيق "الثورة للجميع"، وبعدها النسبي عن التحليل الطبقي بزعم تقوية التحالف الجماهيري! يقال ان تفاوض الحزبيين مع العسكريين لم يكن محكماً. لكن الحقيقة ان التفاوض كان محكماً في جانب العسكريين أما تفاوض الكتلة المدنية والأحزاب الرجعية والليبرالية فبدون قصد أو بقصد، لم يكن تفاوضاً محكماً إذ لم تكن هناك إستراتيجية متفق عليها أو سيناريوهات أو بروفات تفاوض، بل تلقائية ولقاءات تحضرها بعض الأحزاب وتغيب أو تستبعد منها أخرى، وحتى ما أتفق عليه كان إتفاقه مناورة.


في تلك الفترة الممتدة منذ مارس إلى يوليو 2019 اتسم تعامل العسكريين في العاصمة والأقاليم مع قادة ومع متزعمي الثوار بأسلوب تجميع واستكشاف وفرز وتقسيم لمواقف الأحزاب والجماعات وتخويف بعضها ببعض، أو إغراء بعضها بتحالف معين، مع مماطلة ووعود. إما في الجانب المدني الحزبي فكان الأمر بين استكشاف وغيره.


بدلاً لتفاوض منظوم في تلك الأيام ذات الدم والنار كانت الأمور لقاءات سودانية مفعمة بالترحاب والتبجيل والأريحيات، أكثر من كونها إجتماعات مضبوطة بهدف محدد موزون ومعلن من كل فريق أو منهما معاً بشكل يوضح أهم نقاط الإختلاف في كيفية تحقيق مطالب الشعب التي تركزت في المحاسبة الشاملة وتخفيف أعباء المعيشة.


نتيجة ترهل او دغمسة اللقاءات تحول مطلب الشعب بمحاسبة الظالمين إلى محاكمات قليلة وبطيئة وضعيفة. أما مطلب الشعب بتخفيف أعباء المعيشة فتم القضاء عليه برفع الأسعار وحماية وتقنين سيطرة تماسيح السوق، تماسيح تصدير وتهريب الثروات الزراعية والحيوانية والذهب والمعادن وحماية وتقنين احتكارات إستوراد لوازم الزراعة البذور والسماد والأكياس والمبيدات، واستوراد الأدوية، والأدوية البيطرية، واستوراد القمح، والورق والأحبار، إلخ، ومن ثم غارت معيشة الشعب في ستين ألف داهية.


بشكل عام وئدت مطالب الشعب عبر تقنية الإكتفاء بشعار "حرية وسلام وعدالة" وتحويله بشكل نخبوي بيروقراطي وتكنوقراطي إلى وثيقة دستورية مكلفتة ومنتهكة، واقتراح ووعود ونصوص بتكوين مجموعة مفوضيات، وإلى تسول جديد للدعم الدولي. وانتهت "الوثيقة الدستورية" إلى كلفتة وخروقات، وإنتهت المفوضيات إلى مفاوضات وفراغ ومحاصصات، وانتهى الدعم الاقليمي والدولي إلى نفوذ أجنبي وتحويل أوضاع السودان إلى حالة يتيم في مائدة اللئام.


في تلك الفترة لم تكن للقاءات بين القوى الحزبية والقوى العسكرية فقرات ومواقيت معلنة مسبقاً وكانت بلا إعلام يومي يفصل للشعب موضوع وفقرات كل اجتماع وأهم آراء المتكلمين ونقاط الإتفاق ونقاط الإختلاف.


في نفس الفترة تواصل في الدوائر الحزبية أسلوب تهميش واستبعاد التحذيرات والانتقادات الداخلية، ووصمها بالتطرف وعدم الواقعية، مثلما حدث من قبل في فترة "اتفاقات ماشاكوس ونيفاشا" قبل وبعد عام 2003 و"اتفاق القاهرة" 2004 وإلى ما بعد تكوين "دستور وبرلمان 2005" الانتقالي إلى تقرير مصير وإستقلال جنوب السودان. فكذلك تكرر اقصاء وتهميش التحذيرات والانتقادات الموجهة ضد أخطاء الإتفاقات والمفاوضات المترهلة في الفترة من شهر مارس إلى ما بعد يوليو عام 2019 .

كان هناك انشغال كبير في دوائر النخبة بزخم التظاهرات وإنشغال بحصار الاعتصام لمقر قيادة الجيش، وحماية الإعتصام نفسه من التحرشات الدموية، وإنشغال بتفجر الإعلام وما فيه من أخطاء أو تضليل، وانشغال المتهمين والزعماء بالتصريحات وبأمور نفيها أو تعزيزها، وإنشغال بالإجتماعات المتلاحقة والاجتماعات واللقاءات الجانبية للهيئات الحزبية، أو بأعمال اللجان المشتركة المنبثقة عنها أو بلقاءات بعض قادتها، وكذلك الانشغال بالأمور الأجنبية.

لم يتم في أي حزب أو في أعلى هيئة لق ح ت جمع وترتيب ونشر منظوم للانتقادات التي وجهت داخل هيئاتها أو في وسائطها ضد هذا الوضع السائب والأسلوب العفوي ونتائجه. بل تبنت الأحزاب الرجعية والأحزاب الليبرالية والعسكريين نوعين من "الطفولة": طفولة يسارية تعتقد ان النصر قد تحقق بإقالة الحاكم الديكتاتور وان الباقي مهمات دولة ! وطفولة يمينية ترى أن التغيير سيكتمل في المستقبل ! أي دون تأسيس له في الحاضر. ومن ثم بقىت الأمور دون تغييرات كبرى لحين (((إكتمال))) مهمات وفترة الانتقال.


أصلاً لم تحدث فكرة جمع ونشر إنتقادات أي موقف حزبي في السودان إلا في نطاق بعض أعمال الحزب الشيوعي. لكنها بشكل عام كانت ولم تزل فكرة بعيدة أو مهمشة أو مرفوضة في عموم الأحزاب السياسية داخل وخارج السودان، رغم ضرورتها لأخذ أو تقييم أي قرار، ولتمحيص سياسته.


من هذا الإقصاء والتهميش ازدهرت نشاطات القوى الرجعية والقوى الليبرالية في تخذيل واستهلاك الحركة الجماهيرية وتحويل السودان من طريق التغيير والتكريب بقيادة الهيئات الشعبية إلى طريق الانفرادات والاستحواذات والتخمين والتجريب والتخصيص والنفوذ الأجنبي من الدول الجيران ومن الدول الإمبريالية.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا