كلب الفيلسوف

عبد الغني سهاد
2021 / 6 / 6

كلب شوبنهاور...
الانسان هو حيوان ميتافيزيقي كسول ومجرد وهم حتى اشعار اخر ..
لقد تاثرارثور شوبنهور بافلاطون وكانط والبوذية وغيرها واعتبر ان هذا العالم شرا. لا اقل ولا اكثر...وان العبقري لابد ان يعيش قي شقاء .واحس بعد ان شاخ وتقلت من قيود الرغبات بالراحة والكمون ...بعد1821 اي بعد الفشل الكبير والمبؤوس منه في مهمة التدريس في جامعة برلين ..حين بلغت به الجرأة والاعتداد بالنفس ان يحدد وقت القاء محاضراته في نفس مواعيد الفيلسوف الكبير هيجل الا انه لم يستطع ان يجدب الطلاب اليه من حلقات فيلسوف المانيا الكبير ولم يحضر محاضراته سوى نفر قليل من الطلاب..فاعتزل بذلك التدريس في تلك الجامعة واعتكف في منزله في فرانكفورت لعامين كاملين من 1819 الى 1821...وعاش شوبنهاور الفيلسوف حياة بئيسة ومنعزلة وموحشة بلا اصدقاء لا يبوح بهمومه لاحد سوى لكلبه الوفي الذي لا اعرف صفاته الا انه ذكي ولو لم يكن كذلك لكا كان كلب شوبنهاور..وكان يطلق عليه اسم (اطما) وهي كلمة هندية تعني النفس الكلية ,,,وهو عنده روح الروح اي روحه هو ,,,لقد كانت حكاية اقتناء شوبن هذا الكلب غريبة ومفادئه الا انها تعد ردة فعل ..او ارتكاسة سلبية لما حصل له مع والدته ..لسنين عدة بعد انتحار الوالد ..منذ صغره كان يحلم برفقة كلب قوي وذكي له يؤنسه في دروب الحياة ..الا ان منغصات حياته الخاصة ورفقة الكتب الدسمة هي تقف عثرة دون تحقيق الكثير من الرغبات ..وبعد حكاية الدرج وحديثه المتشنج مع والدته ..ساقته اقدامه الى متجر خاص لبيع الكلاب الذكية ..فاشترى دون ان يساوم هذا الكلب المسمى اطما..من فصيلة الببتبول ..وبالغ في اكرامه الى حدود قصوى الى حد اعتباره صديقه الحميم وكان لا ينام الا بعد ان يعد كل اللوازم الضرورية لصديقه الكلب في كثير من الاحيان كان يعرض عليه بصوته الاجش بعض من كتاباته ..فكان (ايطما ) يحرك ذيله وينحني كانه يبصم عليه .وهو يترنح معه في الطريق الى مقهاه المعتاد وحلما يصل الى مقعده يوصي الناذل المسن ليوفر كل حاجيات (اطما ) وفي الحال..
في كل الصباحات كان شوبنهاور يكلم نفسه في موضوع رغبات الانسان الجامعة او مايسميه بالارادة... ويتذكر تعلمه من افلاطون في كتاب الجمهورية وكان يهدر بكلمات غامضة يهمس بها في اذن كلبه كان يقول هكذا :
(..ان من تنقصهم الخبرة بالعقل والفضيلة هم من ينشغلون بالولائم وغيرها لا يتذوقون ابدا اي متعة ثابتة اة نقية .فهم يحنون رؤوسهم كالانعام وينكبون على موائد الطعام ويسمنون ويزنون اي يفسقون ويفسدون . ولكي يتفوقوا على الاخرين في تلك الاشياء فانهم يتناطحون ويركلون بعضهم بعضا فيتقاتلون لان رغباتهم لا يمكن اشباعها ابدا ..لان الامر كله اشبه بعملية ملآ قربة مثقوبة..اي سبزيف هذا يبصم حياتهم المملة ...)
فيطول تحذيق (اطما ) في وجهه الشاحب كانه كائن في حد ذاته يتامل بحكمة وثبات فيما يقوله الفيلسوف ..ورد في قرارة نفسه..:
( ..كل ما تقوله هو امر مفروغ منه ..ولكن هذا الانسان الذي يحكمه العقل لا يحصل على وجبة اكثر اشباعا ..لان رغبته في المعرفة تاخده الى مجال الوهم ...فالانسان جامع لكل الاحاسيس المزيفة والعاصفة وليس كما نحن البهائم ..يتوهم ان لذيه جانب اسمى ليحقق الفضيلة التي بدورها لا تجلب له السعادة ..)...هذا الامر يحفز الرعاع على الرغبة في الموت لانهاء الفجيعة وحياة الالم ....
كما عادته ينظر اليه الفيلسوف دون ان يستوعب قليلا مما نبح به الكلب هامسا ..وفي لحظة ما يخرج من جيبه قطعة نقوذ لا يتمعن فيها واضعا ايها فوق الطاولة وهو ينظر الى (اطما)..
_ اتعرف ايها الكلب المبجل اني ساترك هذا القرش على طاولتنا ..اذا ما توقف الزبناء عن ثرثرتهم في موضوعي المال والنساء ..وتجدثوا في موضوع اخر ..لها اقل اهتمام بالحياة والفكر..
كان الحديث مسترسلا ما بين الاثنين ..فاندهش الكلب اللبق ورابض اسفل الطاولة ..يستعد للتغوط وافراغ امعائه من الطعام الدسم الذي ناوله له الناذل المسن ..
_ وما الحياة الذنيا ايها الغبي الاشعث ..اليست هي الطعام..والمتعة ..والفراش ..لازلت اتمنى ان تفك اسري وتبعني لاحدهم يهتم برغباتي الجنسية ..احد يمشي بي في حياض حديقة راقية وسط المدينة يبحث لي عن كلبة زانية جيدة معها امارس..غريزة البقاء وحفظ النوع ..الا ان حظي الاهوج وقدري الاعمى وضعني في طريق فيلسوف معتوه ..اني شبعت الان وارغب في الجنس ..هل تفهم ؟..
ما الجدوى من تسميتي (حكمة ) دون ارادة مني...
_ يبدو انه تساوى الكائن البهيم مع العديم الانسانية في هذه المدينة ؟ يوما ساحررك..واهجر هؤلاء الانجاس ...قريبا .. قريبا صديقي لا تقلق ... اعدك..
_ عليك ان تقرر من ارادتك وتسرع في امري ؟
الطبيعة لا تكترث لموت الافراد حتى لو كانوا عباقرة وحكماء ..ولا تفزع لغيابهم ..لا تحفل ابدا بحمايتهم من الموت ..عندما وجد شوبنهور ميتا فوق كرسيه ذات صباح..وجدوا على دولاب قربه وصية بثروتك لهذا الكلب الحكيم .(اطما)..في يوم من ايام 1860

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير