هزيمة 5 يونيو 1967 نتيجه منطقيه

رفعت عوض الله
2021 / 6 / 5

هزيمتنا في 5 يونيو 1967 نتيجة منطقية

تمر اليوم 5 يونيو 2021 الذكري الرابعة والخمسون علي تلك الهزيمة المذلة والتي فوجئ بها جمال عبد الناصر وكل القادة والحكام العرب ...إلا انها في الواقع لم تكن مفاجأة ولكنها كانت نتيجة منطقية منتظرة ومتوقعة من قبل من يحلل ويربط الاسباب بالنتائج .
لكي نفهم ما حدث علينا ان نعود ليوم الانقلاب علي الملك اي 23 يوليو 52 ، وتمكن من يٌسمون بتنظيم الضباط الاحرار من عزل الملك وتولي السلطة في مصر ...عاشت مصر فترة قصيرة شبه ليبرالية امتدت بعد ثورة المصريين الخالدة في 1919حتي يوليو 52 .. فبعد ان انتهت الحرب العالمية االاولي سنة 1918 ، عٌقد مؤتمر الصلح بباريس ، طلب وفد سياسي مصري بقيادة سعد زغلول من السلطات الانجليزية والتي وضعت مصر تحت الانتداب البريطاني إبان الحرب ، السماح للوفد بالسفر الى باريس لعرض مطالب مصر علي مؤتمر الصلح ،غير ان البريطانيين رفضوا ، ونفوا سعد زغلول وصحبه ، فقامت المظاهرات العارمة بطول مصر وعرضها وشارك فيها كل المصريين موظفون وعمال وطلبة مسلمون ومسيحيون وايضا المرأة التي خرجت سافرة لاول مرة ، إزاء قوة واستمرارية المظاهرات وسقوط قتلي مع شلل في المرافق والحياة العامة ، افرجت السلطات الانجليزية عن سعد وصحبه فعادوا عودة الابطال ، وجرت مفاوضات انتهت بتصريح 28 فبراير 1922 والتي اقرت فيها بريطانيا باستقلال مصر ، وعلي الفور تشكلت لجنة لوضع دستور عصري دستور 23 واصبحت مصر مملكة دستورية بها مجلس نواب منتخب وحكومة مسؤولة امام مجلس النواب الذي بيده التشريع والمراقبة والموافقة والاعتراض علي قرارات الحكومة المنتخبة . .فٌتح المجال امام تشكيل الاحزاب السياسية فظهر الوفد باغلبيته الكاسحة والعديد من الاحزاب ، والتي منها من مالأ الانجليز ومنها من ساير القصر .
ظهرت حياة سياسية حقيقية وصراع علي تشكيل الوزارات واستيعاب لقيم الحضارة والحداثة من ليبرالية وعلمانية وديمقراطية ، وترسيخ لمفهوم المواطنة ، وقبول التعدد والاختلاف والتنوع .
نعم كان الاستقلال منقوصا ، والمعسكرات البريطانية تحتل منطقة القناة ، ونزعة للحكم المطلق لدي الملك ، وفساد لدي بعض الاحزاب ، فضلا عن تفشي الفقر والجهل والمرض في صفوف المصريين ، مع طبقية بغيضة ، مكنت اعداد قليلة من ثروات وملكيات كبيرة جدا ، وعدم كفاية المدارس لتشمل كل اولاد المصريين ، ولكن رغم كل هذا كان هناك توجه حضاري وملموس .
دخلت مصر وبلاد عربية اخري الحرب ضد مشروع قيام دولة اسرائيل علي الاراضي الفلسطينية في سنة 1948 ، وللاسف تمكن اليهود من هزيمة الجيوش العربية . عقب هذه الهزيمة كون الضابط الشاب جمال عبد الناصر خلية بالجيش المصري "تنظيم الضباط الاحرار" من مجموعة من زملائه الناقمين علي الملك والمستنكرين لهزيمة 1948 معظم اولئك الضباط الشبان كانوا متشربين لفكر وعقيدة جماعة الاخوان المسلمين الاصولية .
بالتنسيق مع جماعة الاخوان استطاعوا الاستيلاء علي السلطة وعزل الملك في 23يوليو 52, ثم حولوا المملكة المصرية إلي جمهورية ، ونفوا الملك الى إيطاليا ، وحلوا الاحزاب السياسية باستثناء الاخوان المسلمين بدعوي فسادها ، وكرسوا للحكم الفردي لضباط يوليو ، فهم لا يؤمنون بالحضارة ، وقيم الحداثة من ليبرالية وديمقراطية وعلمانية ، وينظرون للغرب علي انه مجرد استعمار إواستغلال وقهر ومذلة ، وبالتالي فهم علي عداء معه .
افرغوا مصر من الاجانب ومن اليهود المصريين وبالتالي قضوا علي التنوع الثري في المجتمع المصري خصوصا بعد العدوان الثلاثي الناجم عن تاميم القناة في 56 ، ورفع جمال عبد الناصر لواء القومية العربية ومن ثم الوحدة العربية علي اساس التاريخ المشترك ووحدة اللغة ووحدة الدين دون اعتبار للاقليات الدينية المنتشرة في مصر والعراق وسوريا ولبنان والسودان ، مما يعني ان مشروعه اسلامي في الباطن
اتبع عبد الناصر نهج التاميم فقضي علي الرأسمالية الوطنية "القطاع الخاص " .
خاطب مشاعر وعواطف الجماهير التي رددت ما يقوله بلا عقل ولا بصيرة ، ووعد بالقاء اسرائيل ومن هم وراء اسرائيل في البحر .
نزعته العروبية القومية الوحدوية دفعته دفعا لمساندة ثوار الجزائر وما يٌسمي بثورة اليمن ، فارسل الجيش المصري لليمن ، الذي مٌني بخسائر جسيمة في الارواح والعتاد ، ودخل في صراع ضارى مع السعودية العربية فهي تعتبر اليمن حديقة خلفية لها ، ولا تسمح باللعب فيها .
خرج الجيش المصري منهكا من حرب اليمن ، ولم يلتقط انفاسه بعد حتي ان اغلق عبد الناصر المضايق التي تمر منها السفن الاسرائيلية ، وطلب من قوات الامم المتحدة الفاصلة بين المصريين والاسرائيليين اخلاء منطقة تواجدهم ، وهذا اعلان للحرب ، ودفع بالجيش المصري لسيناء ، مع دعاية زاعقة باننا بتنا علي ابواب تل ابيب .......الجيش المصري كان عائدا لتوه من اليمن وكان منهكا ، والقيادة العسكرية لم تكن قيادة علي قدر المسؤولية , في المقابل اسرائيل التي كانت بحق مرعوبة من تهديد ووعيد عبد الناصر . كانت تعد نفسها اعدادا جادا علميا للحرب بينها وبين العرب ، فالمعركة معركة وجود . لذا في صبيحة يوم 5 يونيو 67 استطاعت افقاد مصر قدراتها الجوية ، فقد ضرب سلاحها الجوي المطارات العسكرية المصرية وقضي نهائبا علي السلاح الجوي المصري ، وحين ضرب الاسرائيليون المطارات المصرية كان قائد القوات الجوية يغط في نوم عميق ! وبالتالي تركت القوات المصرية البرية دون غطاء جوى فكانت هدفا وصيدا سهلا للاسرائيليين جوا وبرا ، وصدر امر احمق بالانسحاب العشوائي فمن لم يمت في المعارك مات عطشا وجوعا وتيها في صحراء سيناء الشاسعة ، وبذا استطاعت اسرائيل الصغيرة هزيمة المصريين والسوريين واحتلال كامل سيناء والجولان السورية والضفة الغربية الفلسطينية .
هذه الهزيمة المنكرة كانت النتيجة المنطقية لمسار مصر بعد يوليو 52 ، ولولم يستطع ضباط تنظيم يوليو 52 الاستيلاء علي الحكم وصبغ الحياة المصرية بالعداء للغرب والخروج من مسار الحضارة والدعوة للقومية العربية ومن ثم للوحدة العربية اي لمشروع دولة الخلافة الاسلامية في ثوب قومي وحدوي عروبي ، وتكريس حكم الفرد المستبد والتنكيل بكل المعارضين بقسوة ووحشية ، وافقار الطبقة الوسطي حاملة مشعل التطوير والتغيير والثقافة ،وتاميم الحياة ، والنظر للمواطنين علي انهم قطيع عليه السير في المسار المحدد سلفا مع التصفيق والاشادة والمديح ، وتحويل الجامعات المصرية من مراكز بحثية الي مدارس تلقينية بعد التعليم العام فلا ابداع ولا استقلال ولا تفرد ولا اعتراض ...يا ليتنا نفيق .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير