هل ستغير العولمة المعتقدات الإسلامية والمسيحية والهندوسية ؟

مجدى عبد الحميد السيد
2021 / 6 / 5

كان هدف العولمة بصورتها الأولى مطلع التسعينيات هدفا اقتصاديا بصورة أساسية ولم تلتفت العولمة للتغييرات الثقافية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية التى ستغزو العالم ، ولكن مع مطلع الألفية ظهرت بالفعل التغيرات الثقافية التى شملت الأديان والمعتقدات حول العالم بل أن بعض المفكرين اعتقدوا بعودة الدين للعلو بعد أن فقد مكانته فى العديد من الدول خاصة الدول الغربية والدول الشيوعية . لقد استطاعت بعض الأديان وخاصة الكبرى استغلال أدوات العولمة مثل الانترنت والفضائيات للوصول إلى أكبر عدد من البشر مما أعطى تلك الأديان قبلة الحياة فى التطور وعدم الزوال كما كان يعتقد البعض ، بل إن بعض المجتمعات العلمانية العتيدة تأثرت بالبعد الدينى ، وقد اتضح ذلك حين رفع الرئيس ترامب الكتاب المقدس فى وجه معارضيه مطلع عام 2020 ، ومن قبل وافقت إيطاليا وبعض الدول الأوروبية على تعليق الصليب فى المدارس ، وتزامن ذلك مع عودة الدين لروسيا ودول الاتحاد السوفيتى السابق سواءً المسيحية أو الإسلام بعد أن ظلت لعقود بلا دين متبع بصورة رسمية ، هذا بالإضافة إلى انتشار غير متوقع للمسيحية والإسلام فى دول شرق آسيا عن طريق غزو عولمى سلمى واضح فاق التبشير الذى تم فى إفريقيا خلال القرنين الماضيين والذى صاحبه عنف واستغلال اقتصادى. ومع استغلال الأديان أذرع العولمة فى الانتشار بدأت حالة من التفاعل بين الأديان المختلفة وحتى بين الملل داخل الدين الواحد مما أضفى حالة من التغييرات الواضحة طالت بعض أسس الديانات كما حدث مع المسيحية الكاثوليكية وصعود البابا فرانسيس الإصلاحى الذى بدأ يغير الكثير من المفاهيم المسيحية العريقة التى طالت معظم القضايا الاجتماعية والأخلاقية المختلف عليها مثل قضايا المثلية الجنسية والإجهاض وحقوق المرأة والطفل وغير ذلك ، وكذلك مع إصلاحات المملكة السعودية السنية التى طالت السنة النبوية العريقة القداسة لأول مرة منذ مئات الأعوام حين بدأت مناقشة قدسية بعض الأحاديث ومن ثم توسيع التغييرات الاجتماعية اتى أفادت المرأة والأسرة . لقد أدى صعود الشباب الإصلاحى فى الديانات المسيحية والإسلام والهندوسية ونشر الفيديوهات الخاصة بالمتخصصين وغير المتخصصين عبر يوتيوب إلى مجابهة التيارات السلفية العريقة فى تلك الأديان مما جعل هناك حراك دينى أخذ يميل ناحية قلة التشدد وإدانة الإرهاب والعنف الدينى بكافة أشكاله . لقد أشعل يوتيوب - ومواقع التواصل الاجتماعى- حالة من التفاعل الدينى العالمى غير المسبوق بين سكان العالم ، وقد كان من المتوقع مع تلك الأدوات هبوط مكانة الدين لدى البشر إلا أنه حدث العكس واستفادت معظم الأديان من سرعة التحرك والانتشار فى التفاعل مع المؤمنين بالديانات ومحاولة ربطهم بصورة تكنولوجية جديدة كما يفعل موقع يوتيوب الذى يخاطب العامة فى معظم بلدان العالم مدعوما من جمعيات خيرية تبشيرية ممولة ذات خلفية مسيحية أو إسلامية استطاعت نشر الإعلانات فى صورة فيديوهات على جميع مواقع التواصل الاجتماعى المختلفة والوصول إلى أكثر من نصف سكان العالم وهم المسيحيون والمسلمون .
وبناءً على ذلك حاول مركز بيو PEW الأمريكى المستقل دراسة تطور الأديان حتى عام 2060 اعتمادا على التطور الحادث مع بداية الألفية وتوقعت دراساته بقاء الأديان على بريقها العالمى خاصة الأديان الكبرى مثل المسيحية والإسلام حتى أن عدد المسيحيين والمسلمين سيصل إلى 6 مليار ( من أصل 11 مليار) شخص موزعين بالتساوى تقريبا بين الديانتين بعد أن كان عدد المسيحيين 2.276 مليار وعدد المسلمين 1.753 مليار ( من أصل 7.3 مليار) عام 2015 مما يعنى استمرار النمو الدينى وليس توقفه كما توقع بعض المتنبئين .
نعود للسؤال الهام وهو : هل ستتغير الثقافة الدينية للمسيحية والإسلام والهندوسية مع تطورات العولمة القادمة ؟ بالطبع نعم لإنه لا يمكن لمفكر أن يتوقع توقف التغيير بل يجتمع كل المفكرين على حدوث تغييرات قادمة وقد تكون عنيفة ثقافيا ، والعنف لا يعنى هنا العنف الإرهابى ، ولكن العنف سيكون ثقافيا فى تغييرات الأديان لتميل معظمها ناحية زيادة مساحة التنوير كنوع من مرحلة تشكيك انتقالية مع فك شفرات المخطوطات والآثار المسيحية والإسلامية والهندوسية التى تقدر بمئات الألوف فى المتاحف والجامعات الغربية والتى تطال المقدسات المتوارثة عبر آلاف السنين والتى بدأت فى الوضوح والصعود والانتشار مع الوصول إلى أجهزة متقدمة وبرامج تكنولوجية تقوم بالمساعدة فى فك الشفرات للمخطوطات والآثار التى كانت مخفية لعشرات السنين .
إن أدوات العولمة المتمثلة فى الانترنت والفضائيات والأجهزة التكنولوجية المتطورة سيكون لها الأثر الكبير فى تغيير الثقافات الدينية لدى معظم البشر وقد تصل التغييرات إلى صلب العقائد نفسها فى الأديان العالمية الكبرى عبر التفاعل الداخلى للأديان أو عبر مقارنة الأديان وتأثرها ببعضها البعض .

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي