القبائل الإلهية

سعود سالم
2021 / 6 / 4

أركيولوجيا العدم
٤٥ - القبائل الإلهية


العلاقات المتبادلة والمعقدة بين الإنسان والله والطبيعة تتمحور وتتجسد في الخيال، سواء في صور شعرية، ميثولوجية أو دينية. ونلاحظ في هذا المربع أن الإنسان هو المركز والمصدر، اللغة هي أداته المعرفية والخيال هو مادته الأولية أو الصلصال الذي كون به صور الآلهة والقوى اللامرئية المحيطة به. هذا البناء المعرفي البدائي والذي يمكن تسميته بالدين، تحول تدريجيا إلى فكر عقلي منظم يسمى الفلسفة، وإن كانت الفلسفة اليونانية لم تتخلص نهائيا من الآثار الدينية البدائية إلا نادرا. ويبدو من الصعب تحديد دور كل من هذه العوامل منفصلا عن بقية المربع كلية، فالإنسان لا يمكن إعتباره منفصلا أو معزولا عن محيطه الجغرافي والبيئي، كذلك الدين واللغة ليست كائنات سماوية تأتي بها الملائكة، إنها نتاج التفاعل المضني والمستمر لآلاف السنين بين الإنسان والطبيعة بكل مكوناتها. ونظرا لتعقد العلاقات وتشابكها، وإستحالة دراسة وتحديد دور كل من هذه المكونات منفصلة بعضها عن بعض، فمن الأحرى خوض تجربة فكرية ترتكز على فكرة " التسكع - déambulation" أو التجول العشوائي الذي مارسه السرياليون surréalistes ثم السيتواسيونيون situationistes، وزيارة كل هذه العناصر والتركيز ـ ووضع خط أحمر ـ تحت كل إشارة أو علامة يمكن أن تدل على علاقة أو تشابه أو إحالة لعنصر من هذه العناصر المكونة لهذا المربع الفكري-الخيالي-اللغوي.
الأراضي الشديدة الخصوبة لبلاد ما بين النهرين، وفرة المياه والفياضانات، والغابات البعيدة، كانت وسيلة للعيش لسكان هذه المنطقة، يعتمدون عليها إعتمادا مباشرا للأكل والشرب والري والبناء والتنقل، وفي نفس الوقت، فكريا، كونت هذه العناصر عالما خياليا مليئا بالرموز والأساطير والمفاهيم الدينية والشعرية، وهكذا تختلط الطبيعة بالأسطورة، والشعر بالدين والإنسان بالله .. كل ذلك في وعاء لغوي مثبت على الألواح الطينية أو على الحجر بتقنية جديدة أبتدعتها هذه المجتمعات البعيدة وهي الكتابة. اللغة كانت وسيلة التواصل بين البشر، ومع تطور المجتمعات فكريا، أصبحت وسيلة لتسجيل القوانين والطقوس والأعمال العظيمة للملوك والطغاة من كل نوع، ووسيلة أيضا لبناء السدود وتشييد الأسوار العالية وبناء المدن. ومع التطور الإقتصادي كان من الضروري حساب المحاصيل والمنتجات الزراعية ومحتويات الخزينة العامة، حيث أن اللغة مهدت لظهور الحساب والهندسة والرياضيات عموما، حيث قاموا برصد النجوم وتتبع حركتها في السماء في الليالي الصيفية الصافية، والتي كانت تمتليء ليس فقط بالنجوم والكواكب، ولكن أيضا بعدد كبير من العائلات والقبائل الإلهية التي كانت تتجول من منطقة لأخرى ..
سماء ما يعرف اليوم ببلاد الرافدين كانت تعج بالآلهة من كل نوع ومن جميع الأنواع والطبقات والمراتب والتخصصات. فيكاد يكون لكل شيء ولكل ظاهرة إلها يديرها ويحرص عليها. فكان هناك، على سبيل المثال، إله الفأس وإله المسمار وإله المطرقة وإله قالب الآجر .. وهناك آلهة ترتبط بالظواهر الطبيعية كالمطر والريح والشمس والقمر والزهرة، وآلهة سيكولوجية ترتبط بالحياة الداخلية للإنسان كالحلم والحب والنسيان .. إلخ. وكانت هذه الآلهة متحركة وغير ثابتة، تتكاثر وتهاجر وتغير هوياتها وأسمائها ووظائفها حسب الأزمان والتواريخ والجغرافيا. فكانت تختفي فترة من الزمن ثم تظهر في مكان آخر تحت إسم آخر ووظيفة جديدة. ولا شك أن هذه التعددية المفرطة، وهذا التشتت الذي يمنع الآلهة من التوحد وخلق نظام مترابط يرجع إلى المجتمع السومري ذاته الذي كان في هذه المرحلة من تاريخه مشتتا في وحدات سياسية وإجتماعية صغيرة مستقلة الواحدة عن الأخرى دون رابط حقيقي يجمع بينها. فالنظام الإلهي السومري كان بطبيعة الحال يعكس النظام الإجتماعي الذي ابتدعه وصوره على صورته.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب