مفكرة فلسطينية (2) : اليهود العرب

خليل قانصوه
2021 / 6 / 3

يقول الكاتب الإيطالي اليهودي " أنعت بيغين ( رئيس وزراء اسرائيل الذي أمر بغزو لبنان في سنة 1982 ) بالفاشي . أعتقد انه لا يعترض على ذلك . فهو تلميذ جابوتنسكي الذي كان ينتمي إلى التيار اليميني في الحركة الصهيونية و يجاهر بكونه فاشيا ، حيث كان مقربا من موسيليني " و يقول أيضا: "ياللمفارقة ،يحقق بيغين و جماعته حلما صهيونيا قديما بدولة شرق أوسطية و لكن بأبشع الطرق: إنهم يعتمدون أساليب الغوغائية الخطابية ، و المزاجية ، و عدم احترام الوعود و الاتفاقيات ، وهذه كلها سمات تطبع غالبا سلوك القادة في الشرق الأوسط "
أضع هذه التوطئة أولا لأهمية شهادة شخص مثل بريمو ليفي ، الذي عاش في مخيمات التجميع النازية و ثانيا لأن حزب الليكود اليميني الذي كان يتزعمه بيغين ، ثم أعقبه في هذا المنصب شارون ، وتلاهما نتنياهو ، وصل إلى السلطة بمساعدة رئيسية من اليهود العرب ،ذوي الأصول المشرقية و المغاربية على حد سواء . و ما يزال هؤلاء اليهود يشكلون الإحتياطي الإنتخابي لهذا الحزب اليميني بحسب شهادة مراقبين تنويريين يهود ، إسرائيليون و غير اسرائيليين ، منهم المؤرخ شلومو ساند على سبيل المثال مؤلف كتاب ، كيف اخترع الشعب اليهودي .
استوقفني هذا الأمر طويلا بحثا عن تفسير و تبرير ميل اليهود العرب لتأييد اليمين الصهيوني الفاشي العنصري الأوروبي . بينما كان منتظرا منهم ، منطقيا ، الضغط الإيجابي كوسطاء ، تسهيلا للتقارب و التعايش بين المستوطنين اليهود الأوروبيين من جهة و الفلسطينيين العرب غير اليهود من جهة ثانية .
لا أجازف بالكلام أن اصطفاف اليهود العرب إلى جانب المستوطنين اليهود الأوروبيين المتطرفين و العنصريين ضد العرب غير اليهود بالرغم العلاقة القديمة جدا و المعقدة فيما بينهم كعرب ،أثار امامي عدة اسئلة أوصلتني إلى أن أفترض مرد العداوة المفتعلة عائد على الأرجح إلى العصبية الجمعية الغريزية التي يجري تأجيجها في المحطات المفصلية التي تمر بها عادة الجماعة القبلية أو الاثنية ، حيال خطر حقيقي أو متخيل ، دفاعا عن النفس أو أملا بقهر جماعة أخرى و اغتنام ما تتركه .
لست الآن بصدد الدخول في تفاصيل مسألة اليهود العرب الذين اجتذبتهم الحركة الصهيونية باساليبها المعروفة لإحلالهم كيدِِ عاملة رخيصة مكان الفلسطينيين الذين ُرحِّلوا من بلادهم بنفس الأساليب المعروفة . فما أود قوله هو ان الدول الإستعمارية الغربية و من ضمنها إسرائيل ، تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية ، تمكنت مرة أخرى ، في سياق ما سمي بالربيع العربي ، من تجنيد جماعات في البلاد العربية ، على أساس الهوية الدينية ـ المذهبية ، و أحيانا العرقية ، للمعاونة في تخريب هذه البلاد و تشريد سكانها و الغاء دولتها .
فما لفت نظري في الواقع هو التواصل الظاهر بين الدور الذي أوكلت الحركة الصهيونية أمر القيام به باسم "الهوية الدينية " لليهود العرب و نظيره الذي عَهِدت به الدول الإستعمارية الغربية باسم " الهوية الدينية " إلى تنظيم الإخوان المسلمين و الحركات المتفرعة عنه .
ليس من حاجة إلى براهين و أدلة على أن الدول الاستعمارية الغربية استطاعت توظيف أصحاب " الهوية الدينية " العرب ، اليهود و المسلمين ،و استفادت منهم في إفشال الدولة العربية بوجه عام . يحسن التذكير هنا بأن هذه الهوية حاضرة في الحروب و الإضطرابات التي تشهدها بلاد الجزائر و العراق و سورية و ليبيا و لبنان و تونس و غيرها . بالرغم من أن التجار ب أثبتت على مدى العصور أن الهوية الدينية لا تصلح في بناء دولة ، حيث تتعدد المعتقدات الدينية . و لكن هذا موضوع خارج مضمار هذا الفصل .
مجمل القول أن الحركة الصهيونية استخدمت الدين من أجل إفراغ فلسطين من سكانها . في المقابل استخدمت الرجعية العربية و نظم الحكم المنهزمة و المنحرفة الدين في قمع الحركات الوطنية ، و أخيرا اتخذ المستعمرون الهوية الدينية أداة للقتل و الهدم و التهجير .
أعود في الختام إلى القضية الفلسطينية ، حيث يمكن الملاحظة أن الهوية الدينية لم تشق إلى الآن ، طريقا واضح المعالم نحو التحرر الوطني ، و في المقابل تتفاقم أزمة الدولة الصهيونية توازيا مع مواصلة حشر الهوية الدينية أكثر فأكثر ، في سياسة تمييز عنصري تمهيدا لترحيل الفلسطينيين غير اليهود الذين ما يزالون في بلادهم ، و لما كان عدد اليهود في فلسطين مساو لعدد غير اليهود ، فإن مجرد التفكير بالتطهير و الترحيل هو أمر جنوني و إجرامي تقشعر له الأبدان . فأخشى ما يخشى هو أن يتسبب مركب الهوية الدينية بطوفان عظيم!


عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي