معاناة ألانسان الفلسطيني في حياته اليومية يشرحها للمشاهد الفيلم القصير - الهدية

علي المسعود
2021 / 6 / 2

معاناة الانسان الفلسطيني في حياته اليومية يشرحها للمشاهد الفيلم القصير " الهدية"

جدار الفصل العنصري هو عبارة عن جدار طويل بنته إسرائيل في الضفة الغربية قرب الخط الأخضر وهومحاولة إسرائيلية لإعاقة حياة السكان الفلسطينيين، أوضمّ أراضٍي من الضفة الغربية إلى إسرائيل ويتشكل هذا الجدار من سياجات وطرق دوريات، وفي المناطق المأهولة بكثافة مثل منطقة المثلث أو منطقة القدس تم نصب أسوار بدلا من السياجات . ويمر بمسار متعرج حيث يحيط معظم أراضي الضفة الغربية وفي أماكن معينة مثل قلقيلية يشكل مناطق عازلة ،أي مدينة أو مجموعة بلدات محاطة من كل أطرافها تقريبا بالجدار. بدأت قوات الاحتلال في بناء الجدار في 2002 في ظل إنتفاضة الأقصى. الشعوب العربية والعالمية لديها فضول كبير تجاه فلسطين ومعاناتهم والحياة فيها ويتوقون إلى معرفة تفاصيل الحياة اليومية هناك، ويتطلعون إلى معرفة كيف يعيش الناس هناك، ما هي أحلامهم؟ ما هي مخاوفهم وتطلعاتهم؟ ، والكثير من التفاصيل الأخرى التي لا يجدون لها جوابًا لا في الإعلام ولا في الأعمال الفنية .السينما الفلسطينية حاولت أن تنقل جزء من المعاناة الفلسطنية ، بعد النكبة شاركت (جماعة السينما الفلسطينية) في توثيق الحياة اليومية والأحداث ، وأضحت الكاميرا أداةً في الصراع . وكان هدف هذه الأفلام إظهار حقائق النضال ونقل صورته الحقيقية التي كانت إسرائيل تحاول محوها وتشويهها بطريقة منهجية. ومخرجون أمثال مصطفى أبو علي، وهاني جوهرية ، وميشيل خليفي ، لم يكونوا يصنعون أفلاماً على أساس أنهم فنانون ، بل على أنّ عملهم لا يختلف عن حمل البندقية . اليوم ندرك تماماً أنّ السينما الفلسطينية والعربية تتوق لدخول المجال العالمي، لكن هذا لا يوجب تطبيلاً وتهليلاً في الاعلام العربي لأيّ عمل فني بغضّ النظر عن قيمته الفنية ومحتواه . ويبدو أن القائمين على الأفلام الفلسطينية بدأوا يدركون أن دور السينما لا يجب أن ينحصر فقط في سرد المعاناة وتصوير الفلسطيني كضحية، بل لا بد من تصوير مقاطع من الحياة اليومية بشكل فني يلائم الجمهور العالمي ، ولذالك نجد أن الأفلام الفلسطينية في السنوات الأخيرة بدأت تعبّر عن هموم الإنسان الفلسطيني ، الإنسان الذي يأكل ويلبس ويتعلم ويعمل ويبدع ويحب مثل جميع البشر . ما يعرض على الشاشة هو جزء من حياة الفلسطينيين. ومن هذه الافلام ، الفيلم القصير (الهدية) ، والذي تبلورت فكرته في ذهن المخرجة "فرح النابلسي بعد الانتفاضة الفلسطينية في التسعينيات ، حين كانت المخرجة البريطانية - الفلسطينية " فرح نابلسي" في زيارة الى الضفة الغربية التي تنحدر منها عائلتها ، وبعد فراق خمسة وعشرين عاما، عادت لتجد واقعا جديدا ألهمها فكرة فيلمها "الهدية" ، يسلط العمل الدرامي القصير الضوء على معاناة العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية . يحمل الفيلم عنوان "ذا بريزنت" الكلمة الإنجليزية هذه تحتمل معنيين وتفسرين ألاول "الهدية" والمعنى الثاني "الحاضر". تقول المخرجة إن ازدواجية المعنى مقصودة وهو ما أرادت نقله في العنوان وفي الفيلم نفسه. تشير المخرجة فرح هنا إلى نقاط التفتيش العديدة التي أقامها الجيش الإسرائيلي وكذلك الجدار العازل في الضفة الغربية وهو ما تسميه "جدارا يقتلع الأرض وبيوت الناس ويمزق الأسرة". في فيلمها ترسم فرح نابلسي صورة لهذه الأوضاع، من خلال يوسف، الأب الفلسطيني الذي يتنقل بابنته الصغيرة في نقاط التفتيش لكي يشتري "هدية " لزوجته . الفيلم مقتبس من أحداث حقيقية لكن فرح نابلسي تقول "إن بشاعة الواقع في بعض الأحيان تفوق بكثير قدرة الفيلم على التصوير" . وأضافت " شاب أعرفه منذ سنوات ، يعيش في الخليل يمكن القول إنه يسكن على الطريق بالمعنى الحرفي للكلمة، بسبب وجود نقطة تفتيش على بعد 80 مترا من منزله". فيلم "الهدية" هو أول فيلم من إخراج فرح نابلسي وإلى جانب اخراجها وانتاجها للفيلم، كتبت نابلسي السيناريو مع "هند شوفاني "الشاعرة والمخرجة الفلسطينية الأمريكية، وقالت: "أريد من الجماهير أن يفكروا في شكل حياة أشخاص مثل يوسف وياسمين، عندما يتم جعل الحياة اليومية صعبة للغاية، وبشكل متعمد وغير ضروري" ، وأضافت: "يريد الفلسطينيون فقط أن يعيشوا حياة حرة "، ويروي الفيلم كيف تحولت رغبة الفلسطيني، الذي اصطحب ابنته لشراء مجرد ثلاجة إلى قصة كفاح من أجل تجاوز حواجز ونقاط تفتيش قوات الاحتلال للوصول إلى السوق ، الفيلم تم إصداره على نتفليكس في 18 مارس 2021 ، وتم ترشيحه لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم قصير مباشر وجائزة بافتا لأفضل فيلم قصير وفاز بها. وحصد الفيلم جائزتين هامتين هما جائزة الجمهور في مهرجان كليرمونت-فيراند الدولي للأفلام القصيرة، وجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان كليفلاند السينمائي الدولي . وفي كلمتها، أهدت المخرجة" النابلسي " الجائزة إلى " شعب فلسطين الذي طال انتظاره للحرية والمساواة" . ومن الجدار العنصري، الجدار العازل في الضفة الغربية كانت إفتتاح شريط المخرجة فرح النابلسي ( الهدية ) ، يبدأ من الجدار العنصري وهو يبدو بقبحه وعار من شيده ، نتعرّف على يوسف أولّا، والد ياسمين (الذّي يؤدي دوره ببراعة الممثل الفلسطيني صالح بكري ) في الساعات الأولى من الصباح متمددا على قطعة من الكرتون في إنتظار عبور حاجز إسرائيلي ، ويبدو إنه قضي ليلته على الحاجز قبل أن يعود الى منزله وعائلته ، تنتقل الكاميرا وهي تلاحق يوسف (صالح بكري) في صف الانتظار لعبور حاجز 300 الإسرائيلي المكتظ قرب مدينة بيت لحم في الصباح الباكر. تم إنتاج هذا المشهد في الموقع نفسه ، ووصفته فرح النابلسي بأنه "ربما كان المشهد الأكثر واقعية " في الفيلم. هذا المشهد يرصد الموقف المذل والمؤلم في هذه الحياة الصعبة؛ حيث الزحام والتحكم والسيطرة والأجساد المتلاصقة والخناق ، مشهد مذهل في الفيلم عندما يمر يوسف بنقطة تفتيش إسرائيلية في طريقه إلى العمل . إنها فوضى ، الآلاف من الرجال محشورين في مترو أنفاق ضيق ويتخطى عدد قليل من الرجال قائمة الانتظار من خلال التسلق بخفة عبر القضبان الفولاذية أعلاه . قامت النابلسي واثنان من المصورين بتصوير المشهد بأسلوب وثائقي عند حاجز 300 سيئ السمعة في بيت لحم ، محاطين برجال فلسطينيين ذاهبين إلى العمل الذين يصلون في وقت مبكر من الساعة 3 صباحًا للوقوف في الطابور ، وخلال ساعة الذروة قد يستغرق عبورهم ثلاث ساعات ، ثم تتحول الكاميرا الى منزل يوسف حيث نلتقي زوجته نور (مريم كامل باشا) ، وطفلته الجميلة (ياسمين) للمرّة الأولى. وقد طليت جدران غرفة يوسف ونور بلون أخضر دافئ، فيما تتسلل أشعة شمس خفيفة إلى الداخل عبر الشبابيك المغطاة جزئيا بستائر من الدانتيل الناعم . يتحوّل يوسف فجأة وتحلّ ابتسامة جذّابة محل تعابير الألم فيما تقفز ياسمين بفرح على سرير والديها، ثم يناقش يوسف ونور الاحتفال بعيد زواجهما . تمارس العائلة يومياتها أو تسعى لأن تبدو طبيعية جداً، كأي عائلة تمارس فعل الحياة، نرى في مشهد الزوجة (نور) التي تؤدي دورها الممثلة نور كمال باشا في استقبال زوجها المنهك، وفي الصباح تعدّ الفطور مع تبرمها الصامت من الثلاجة التي لا يغلق بابها بشكل جيد ، ومع قرار الأب الذهاب لشراء بعض الحاجات و يصطحب معه ابنته الصغيرة، كي يقوما بمفاجأة الأم بهدية بمناسبة ذكرى عيد زواجهما وتتمثل بشراء ثلاجة جديدة ، في الطريق تبرز الحواجز لتعيق التدفق الطبيعي للحياة ، حيث يخضع الأب وابنته لتحقيق أو تفتيش دقيق يمتد إلى فترة طويلة على حاجز رقم (300) ، فيواجهان الصعوبات على الحاجز الذي يفصل بلدته عن بقية المناطق الفلسطينية ، ويمارس الجنود ساديتهم عليه ، حيث يضطر لمسايرة مزاجهم وسخريتهم، فهم يريدون معرفة أسباب خروجه من البلدة، وعندما يخبرهم أنه ذاهب للتسوق يكون عليه أن يوضح لهم الأغراض التي يريد شراءها. هنا يظهر لهم قائمة الطلبات ويبدأ بالعد غاضبًا من "ورق الحمام، حليب، ليمون...الخ ، يحجز الأب في قفص حديدي على الحاجز بعد أن يفقد أعصابه نتيجة الاستفزازات المستمرة من قبل جنود الاحتلال، " فتتدخل ابنته طالبة منه أن يهدأ قليلاً ،"لا باس يا أبي، لم يكن هناك ما بوسعك أن تفعله". ويمكن لهذه الجملة المشبعة بالحزن أن تلخص وحدها جوهر هذا الفيلم القصير المتميّز . وبعد حجز وانتظار طويلين يفرج عنه، لكن ابنته الصغيرة وأمام طول فترة الانتظار تكون قد "بالت" على نفسها . فيوسف اعتاد عليه وعلى مزاجية من يقرر دخوله أو عودته، لكن في حضرة الابنة التي ترى في والدها كل معاني القوة والأمان، يرتبك ويحاول جاهدا أن يخفي ذلك لكن كشفه كان سهلا ، فوقع فريسة إذلال أمام ابنته ، ومع ذلك استمرا في طريقهما الذي توقف لحظة خجل الطفلة ياسمين من بطء حركتها، فقد بالت على نفسها، ومع هذا يستمران ويصلان الى وجهتهما ، بعد ذلك يذهبان إلى السوق ويشتريان بعض الحاجيات، يصلح الأب من شأن ابنته بشراء ثياب جديدة، والأهم أنهما يشتريان ثلاجة جديداً للأم، يحمله البائع مع الأب والابنة لتوصيله بسيارة نقل، لكن الحاجز يقف لهم بالمرصاد، فيقرر الأب وضع الثلاجة على عربة نقل صغيرة يجرها يدوياً مع الابنة كي يتجاوز بعض الحواجز التي تمنع وصول السيارات، وحين يصل إلى الحاجز الأخير، يعترض جنود الاحتلال على مرور السيارة التي تنقل الثلاجة، وفي هذا الحاجز الذي يفصله عن بيته مسافة قصيرة ، يكون ذات الجنديين بانتظاره ليمارسان مزيدًا من الإذلال، حيث يريدان معرفة لماذا اشتري الثلاجة ، وما الذي يوجد بداخلها. بعد تفتيش الأغراض يصل الجنديان لكيس مغلق، فيفتحانه ويكتشفان أنه "بنطال ابنته المبلل"، فيصرخ الجنديان ويطلبانه بالمغادرة، لكن من خلال البوابة الكاشفة للمعادن وليس سواها. ويبدو "يوسف" الذي يعاني من وجع حاد في الظهر ويعيش على المسكنات؛ تعبيرًا عن حال الفلسطيني بعد سنوات طويلة من الاحتلال. فهو وإن بدا متوسلاً للجنود للمرورعن الحاجز وعليه علامات الإعياء والتعب، إلا أنه قادرٌ على الصراخ والغضب أيضًا . طوال الرحلة يوسف يغض البصر، ويتحمل وجه ظهره، ويمضي كي تظل صورته براقة أمام طفلته، لكن في لحظة ينهار كل شيء ، عندما لا يستطع يوسف أن يدخل الثلاجة عبر الممشى المخصص للبشر، يؤشر على منزله الذي يبعد بضع خطوات على أمل أن يسمح جنود الاحتلال له بالخروج،"بيتي هنا" يردّد يوسف للجنود،. لكن دون فائدة، فيغضب ويبدأ بالصراخ، الذي يواجه بأسلحة تتجهز لقنصه في لحظة خروج ياسمين وهي تدفع العربة والثلاجة الى الطريق العام بكل ألق وثبات خطوة وثقة بأن هذه الأرض لها والمستقبل لها ، كما الهدية التي يجب أن تصل إلى أمها، وهنا رسالة الفيلم قد وصلت . وفي مقابل صراع يوسف، نرى المستوطنين يعبرون بيسر أحد الحواجز بسياراتهم، مبتسمين ومدردشين مع أحد الجنود خلال عبورهم .
في الفيلم القصير الروائي «الهدية» بطولة صالح بكري والطفلة مريم كنج ومريم كامل باشا، أنت أمام قصة من الممكن أنها مرت عليك سابقا في أفلام فلسطينية أو حتى عبر نشرات الأخبار، تنقل من خلالها المخرجة واقعا عايشته بشكل شخصي، حول المعاناة اليومية للفلسطينيين عبر الحواجز، لكن هذه المرة ثمة قصة مرتبطة بزوج اسمه يوسف يقرر أن يهدي زوجته ثلاجة بدلا من الثلاجة القديمة التي تظهر بالمشاهد الأولى في الفيلم، هدية بمناسبة احتفالهما بعيد زواجهما، حسنا، في الوضع الطبيعي هذه المهمة تمر بشكل سلس، لكن عندما يكون الوضع فلسطينيا ثمة معوقات عديدة، ليس أولها الطابور على مد البصر، وليس مرورا بمزاج عناصر الاحتلال في نقاط التفتيش، وليس انتهاء بوجع ظهر يوسف وكأنه الوجع الأقرب لوصف تلك المعاناة . بل هي سياسية تحويل حياة الفلسطيني إلى جحيم، عبر ممارسات عميقة التمكين لنماذج من العنصرية التي ما زالت كامنة في ذهنية جنودالاحتلال الصهيوني . يجسد فيلم “الهدية” للمخرجة والمنتجة وناشطة حقوق الإنسان الفلسطينية فرح النابلسي ما يعيشه الفلسطيني في أرضه من صعوبات وعراقيل على الحواجز التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967 ، الفيلم من إخراج "فرح النابلسي " وكتابتها بمشاركة هند شوفاني التي ساهمت في كتابة السيناريو، بينما لعب دور البطولة الممثل الفلسطيني صالح بكري بدور “يوسف”، بالإضافة إلى الممثلة الفلسطينية مريم كامل باشا بدور “نور”، ومريم كنج بدور “ياسمين” ابنة يوسف ونور ، 24 دقيقة تصف لنا طريق يوسف وابنته ياسمين المليء بالحواجز عند ذهابهما للتسوق وشراء هدية لنور، في رحلته تسلط المخرجة في مشاهد واقعية الضوء على ومعاناة العائلات الفلسطينية في الضفة الغربية والجدار العنصري الذي تقيمه دولة الاحتلال ، في ومشاهد الحواجز المكتظّة – حيث نرى رجالا يتسلّقون الأعمدة الحديديّة المرتفعة الّتي تحيط بالمعبر الضيّق والمقيّد في محاولات لاختصار رحلاتهم- تلتقط بدقّة تجربة منهكة، شاقّة، إلا أنّها روتينية بالنسبة لعشرات الآلاف من الفلسطينيين يوميا . الفيلم يسلط الضوء على الواقع المؤلم للفلسطينيين في بلدهم، جوهر هذا الفيلم القصير المتميّز – وهو يروي قصة والد يسعى جهده لكي يمضي يوما عاديا، فيما إنجاز المهام التي تبدو سهلة لا ينفكّ يتعرقل باستمرار، وبمضي الفيلم، ورحلة الوالد وابنته، تتصاعد درجات المعاملة اللاإنسانية ، ومصدر هذه العراقيل هو الاحتلال الإسرائيلي، وفي الفيلم القصير المؤلف من 24 دقيقة، تقدم المخرجة فرح نابلسي بشكل معبر وجميل لمحة عن عالم أسرة واحدة، عاكسة من خلالها ما يواجه الفلسطينيون يوميا من خطر وإذلال . وفي واحدة من أعمق اللحظات رمزيّة، ترى ياسمين عصفورين رائعين في قفص داخل محل تزوره مع والدها لشراء الثلاجة . يتناقض جمال العصفورين والفرحة التي يجلبانها بداية إلى وجه الطفلة ، مع حبسهم .. !! وفي ذلك معنى مجازي ومثير للقلق. تستقر آلة التصوير على وجه ياسمين عندما يظهر من خلف قضبان قفص العصافير، مبديا تعبيرا مذهلا في شبهه لوجه أبيها عندما نراه خلف قضبان غرفة زنزانة التوقيف عند المعبر ! . ينجح فيلم ( الهدية) أو الحاضر في تصوير النضال اليومي للأنسان الفلسطيني والمعاناة التي يواجهها ، حتى فيما يتعلق بأكثر جوانب الحياة ومتطلباتها بساطة، وكيف يمكن أن تصبح مهمة بسيطة مرهقة . تم الإنتاج في عام 2019 والتصويرفي جميع أنحاء بيت لحم ، حيث حيث تم تصوير المشاهد في نقطة التفتيش 300 الواقعية – وهونقطة عبورمزدحمة وتصف المخرجة النابلسي تلك النقطة او الحاجز بأنه "أسوأ منطقة عبور وحيث قد يستغرق الأمر في بعض الأحيان أكثر من ثلاث ساعات للمرور بسرعة". من أعمق المشاهد دلالة ورمزية مشهد فتح الجنود للكيس الذي يضم بنطال الفتاة الصغيرة المتسخ، حيث يبدأ الجنود بالصراخ ، وهي فكرة رمزية تدلل على المستوى العالي من التدخل والتحكم سيجعلكم تصلون لقاذوراتنا أيضًا ، هذا النوع من الأفلام ذات النبرة اللميزة والخالية من الخطب الرنانة تكون طريقها اسهل الى عقل المشاهد الغربي في ايصال الواقع المؤلم للحياة في ظل الوجود الصهيوني ، الصوت الخفيض بلا شعارات او زعيق أو خطب رنانة هذا ما تفضله الأوسكار والجمهور الغربي عمومًا، لا سيما أنه عملٌ لا يبالغ جدًا في نقد "إسرائيل" وسلوكيات الاحتلال وممارساته. ومع ذلك هو عملٌ بسيطٌ لكنه ذكي يحمل الكثير من المعاني والدلالات التي تحاول أن تقارب الحياة الفلسطينية اليومية مع تنامي وسائل السيطرة والقمع والتحكم . ولدت فرح النابلسي في المملكة المتحدة عام 1978. لأبوين فلسطينيين، . جاء والدها وهو فلسطيني من مواليد مصر ، إلى المملكة المتحدة لدراسة الدكتوراه في الهندسة المدنية. وصلت والدتها عبر الكويت عندما غادرت عائلتها فلسطين في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967 ، كبرت ودرست في لندن وبدأت حياتها المهنية في العمل المصرفي . بهدف تتبع جذورعائلتها الفلسطينية وبعد زيارات متعددة في طفولتها إلى فلسطين، عادت النابلسي لتزورها مرة أخرى في عام 2013. تأثرت المخرجة بتلك التجربة التي غيرت حياتها كليًّا بحسب وصفها في مقابلة لها مع موقع الجزيرة الإنجليزية. فلقد استطاعت أن تتعرّف إلى الواقع الحقيقي والمعاناة اليومية التي يتكبدها الفلسطيني تحت ظلم الاحتلال، وأدركت مثل كثيرين ممن يزورون فلسطين أن قراءة الكتب ومشاهدة الأفلام الوثائقية ومتابعة الأخبار ليست كافية لمعرفة حقيقة الواقع هناك، وأنه لا بديل عن الذهاب ومشاهدة حياة الفلسطينيين عن قرب لفهم الحقيقة . تلك الرحلات إلى فلسطين جعلت النابلسي تدرك أن التعاطف مع القضية الفلسطينية وتقديم التبرعات ليسا كافيَين لإحداث تغيير جذري، ولذلك أسّست شركة انتاج غير ربحية لإنتاج الأفلام، إيمانًا منها بأن الفن يخاطب القلب ويلعب دورًا جوهريًّا في إحداث التغيير في العالم، وأن السينما تسبق جميع الفنون في كونها قادرة على دفع العالم إلى التغيير الحقيقي، فهي تمنح صوتًا لمن تم إسكاتهم بحسب رأيها، وبالتالي تساعد على خلق التعاطف والتفاهم اللازمَين لإحداث التغيير.ووهكذا وجدت فرح النابلسي نفسها في عالم السينما كمخرجة ومنتجة. فإلى جانب فيلم "الهدية"، عبّرت النابلسي عن معاناة الإنسان الفلسطيني من خلال ثلاثة أفلام قصيرة أخرى، هي "كابوس في غزة"، "اليوم أخذوا ابني" و"محيطات من الظلم". وتعمل المخرجة حاليًّا على فيلمها الطويل الأول . القصة آسرة وصادقة والفيلم يبدو طبيعيًا ، إنه جمالي للغاية ، وتصميم الأزياء رائع ، والتصوير السينمائي الذي قدمه بينوا تشامايلارد يوفر جودة ممتازة للفيلم لكنه يظل متسقًا مع الشعور بالواقعية. الحاضر غامر وجذاب ويسعد مشاهدته. تبدو المخاطر حقيقية ولا يوجد شيء مزيف في هذا الفيلم ، فهو نقي وعاطفي في جميع الأماكن الصحيحة مع السماح للمحادثات بالتدفق بطريقة طبيعية ، الفيلم بسيط، وحكايته تم تناولها بسلاسة، تداخلت فيها طريقة إدارة المخرجة مع مشاعرها التي بانت على إدارتها لأداء الممثلين، وكأنهم يريدون تثبيت ما يجول بخاطرها عبر أداء مقنع لقصة من الواقع، استحقت أن تصل إلى الأوسكار . وصف المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، جون برينان، فيلم المخرجة الفلسطينية فرح النابلسي "الهدية"، الذي كان مرشحاً لنيل جائزة "أوسكار"، بأنه "سرد محكم ومفجع" لما يعانيه أب فلسطيني (خالد)، وطفلته (ياسمين)، عند المعابر الإسرائيلية. جاء كلام جون برينان في مقالة رأي نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" ، تحت عنوان "لهذا السبب على بايدن (الرئيس الأميركي جو بايدن) مشاهدة هذا الفيلم الفلسطيني". المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قال إن مشاهدة الفيلم، وتحديداً المشهد الذي يفتش فيه جنود الاحتلال ممتلكات خالد أمام أنظار طفلته، أعاد إليه ذكريات زيارته الضفة الغربية عام 1975، "بعدما عبر نهر الأردن ووصل إلى نقطة تفتيش إسرائيلية". قال إنه كان حينها تلميذاً في "الجامعة الأميركية في القاهرة" ومتحمساً لزيارة القدس وقضاء ليلة الميلاد في بيت لحم. ووقف حينها في طابور أمام معبر إسرائيلي. وقال: "على بعد أقدام قليلة كنت أرى رجالاً ونساء وأطفالاً في طابور طويل محاط بسياج من الشبك كتب عليه (فلسطينيون وعرب). شاهدت البعض يتعرضون للفظاعات وعمليات التفتيش العدوانية على يد الجنود الإسرائيليين وأشار إلى أن المشهد الختامي في فيلم "الهدية" جعله "يفكر في الإحباط الذي يشعر به كل فلسطيني عليه أن يتعايش مع الإجراءات الأمنية الخانقة والقمع السياسي المصاحب للاحتلال العسكري الإسرائيلي". لكن مشاهدة الطفلة ياسمين لما مر به والدها هي "ما أقلق" المدير السابق للوكالة الأميركية، الذي قال "لا يسعني إلا أن أتخيل أثر مثل هذه التجارب على الفتيات والفتيان الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة. لقد نشأوا مصدومين من الظلم والتمييز والعنف . إنهم يعيشون وهم يشعرون بأن وجودهم يتحكم فيه أشخاص لا يهتمون برفاهيتهم أو سلامتهم أو مستقبلهم" . بالنسبة الى الاداء ، الممثلة الشابة "مريم كنج " رائعة مثل ياسمين ، الشخصية التي كُتبت بعناية لتجسد القوة والمرونة والشجاعة الأنثوية ، ولكن بطريقة هادئة ومباشرة ومدهشة. تتجنب ياسمين المجازات المنتشرة والمحدودة للبطل الطفلة ، أو الأبرياء الذين يعانون بصمت؟؟ ـ بغض النظر عن التركيز السردي ، بالكاد يوجد إطار للحاضر لم يتم تعيينه على الأب يوسف وبالتالي أداء صالح بكري. يتمتع الممثل الفلسطيني بحضور قوي حقًا ، ولون عينه الرائع ينعكس في ضوء في لحظات الحزن أو الكرب ليبين حقًا المخاوف العديدة التي يواجهها من لحظة إلى أخرى ويقدم أداء يستحق التقدير ،الديناميكية بين يوسف (صالح بكري) وياسمين (مريم كنج) كأب وابنة على التوالي بدت طبيعية تمامًا ولم تشعر بأنها مكتوبة. كانت العلاقة بينهما واضحة وشعرت العلاقة بالصدق . يبدو الأمر كما لو أنك تلقيت نظرة ثاقبة على حياتهم بدلاً من مشاهدة قطعة من الخيال .
في الختام : فلسطين اليوم بحاجة ملحّة إلى توظيف السينما وجميع الفنون الأخرى لرواية حكايتها من وجهة نظر فلسطينية، من أجل دحض جميع الصور النمطية السلبية ، ومن أجل إعادة تشكيل صورة صادقة لها أكثر إيجابية ، وبفضل نص يتّسم بحلاوة البساطة والعمق، مثل فيلم "الهدية" الذي كتبته نابلسي وهند شوفاني، وتصوير مبدع سينمائي ثاقب لبونوا شمايار، وآداء رائع ومتبصّر للممثلين، فإن الفيلم مهيأ تماما كي يتلقفه كل من المدركين بعمق للصراع الفلسطيني، خلال المدة القصيرة من زمن الفيلم تلمس وصف معاناة كيف إن أرضك تكون محتلة وتتحاسب على ابسط حقوقك واشياء من اساسيات الحياة . ومنها نقاط التفتيش الإسرائيلية التي تحول رحلة بسيطة إلى كابوس .

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية