بعيدا عن الناس لتوماس هاردي

محمد زكريا توفيق
2021 / 6 / 2

توماس هاردي 1840 –1928، روائي وشاعر إنجليزي رومانسي. ولد في قرية بوكهامبتون، التي تقع جنوب غرب إنجلترا. والده كان عازف كمان ويعمل بحجارة البناء. والدته كانت تقوم بإعادة كتابة الأغاني والأساطير الشعبية.

في عام 1862، تم إرسال هاردي إلى لندن للعمل مع المهندس المعماري آرثر بلومفيلد. خلال السنوات الخمس التي قضاها في لندن، كان على اتصال بالثقافة من خلال زيارة المتاحف والمسارح، ودراسة الأدب الكلاسيكي. حتى أنه بدأ يكتب شعره الخاص.

من عائلته، اكتسب هاردي الاهتمامات التي من شأنها أن تؤثر على حياته وتظهر في رواياته: الهندسة المعمارية والموسيقى، وأنماط حياة سكان البلاد، والأدب نفسه. العديد من رواياته تتعلق بشخصيات مأساوية تكافح ضد عواطفهم وظروفهم الاجتماعية.

نشرت رواية "بعيدا عن الناس"، أو بعيدا عن الزحام المجنون"، أول مرة عام 1874. هي الرواية الرابعة من روايات توماس هاردي. كانت بمثابة نقطة تحول في حياته المهنية، وأول نجاح كبير له.

احتفل على نطاق واسع بالرواية كقصة حب. تعتبر من أعظم 10 قصص حب في كل العصور، حسب توصيف الجارديان عام 2007. كما تم انتاج الرواية فيلما سينمائيا عدة مرات، مع تعديلات ملحوظة، بما في ذلك إنتاج عام 1967، بطولة جولي كريستي، وانتاج 2015 بطولة كاري مولجان.

تبدأ الرواية بلقاء عن طريق الصدفة بين جابرييل أوك وباتشيبا إيفردين خارج بلدة كاستربريدج مباشرة. جابرييل راعي أغنام من أصول متواضعة، استأجر مزرعته الخاصة مؤخرا.

من أول نظرة، سُحر جابرييل بجمال باتشيبا الأخاذ، وتملك حبها شغاف قلبه. لكنه أدرك أنها فتاة مثقفة، عنيدة، فخورة بنفسها. بالرغم من مرورها بظروف صعبة، إلا أنها الآن مكلفة بمساعدة عمتها في العناية بمزرعتها. قرب مزرعة جابرييل من مزرعة العمة، قد أتاح لهما عدة لقاءات، بما في ذلك الحادث الذي أنقذت فيه باتشيبا حياة جابرييل.


بعد تعارفهما بفترة قصيرة، يبيح جابرييل بحبه لباتشيبا ويطلب يدها للزواج. لكنها تفاجئه بالرفض، بحجة أنها لا تحبه ولا تريد التخلي عن استقلاليتها.

بعد ذلك بفترة وجيزة، تنتقل باتشيبا بعيدا إلى بلدة ويذربري. ثم يصاب جابرييل بنكسة أخرى، عندما يفقد غالبية أغنامه في حادث كارثي. فقده لكل أمواله، جعله يترك مزرعته ويبحث عن أي عمل يمكن أن يجده.

أثناء بحثه عن عمل بالقرب من بلدة ويذربري، يهدد حريق هائل بتدمير معظم المحاصيل الزراعية بأحد المزارع بالمنطقة. فيقوم جابرييل بواجبه بالمساعدة في إطفاء ألسنة اللهب، ووضع الحريق تحت السيطرة.

يعلم جابرييل لاحقا أن صاحبة المزرعة هي نفسها باتشيبا. والمزرعة قد ورثتها عن عمتها، وقامت بإدارتها بنفسها، وهو أمر لم يكن شائعا بالنسبة للمرأة في ذلك الوقت. بعد ذلك، تستأجر باتشيبا جابرييل للعمل لديها كراعي أغنام بالمزرعة.

تحظى باتشيبا بقدر كبير من الاهتمام كامرأة شابة مثقفة جذابة عزباء، لها أفكار غير تقليدية. لكنها شعرت بالجزع عندما لاحظت أن وليام بولدوود، وهو صاحب مزرعة ناجح في منتصف العمر، يتجاهلها ولا يشعر بوجودها الطاغي.

هنا تقوم باتشيبا، كمزحة للفت الانتباه، بإرسال بطاقة "عيد الحب" إلى بولدوود. عندما فعلت ذلك، لم تكن تدري أنها قد مهد الطريق عن غير قصد لبولدوود الخجول، والذي كان يعاني من وحدة قاتلة، لكي يقع في حبها بجنون.

بعد وقت قصير، يتقدم بولدوود لباتشيبا عارضا عليها الزواج، ويتركها في حالة اندهاش وعدم تصديق. ترفض باتشيبا عرض الزواج، إلا أنها غير متأكدة من المستقبل كامرأة تدير مزرعة كبيرة بمفردها.

أدت مغازلة بولدوود إلى خلاف حاد بين جابرييل وباتشيبا، لدرجة أنها قامت بطرده في البداية من وظيفته، ولكنها سرعان ما تعيده مرة أخرى إلى خدمتها، عندما يقوم بإنقاذ العديد من أغنامها، بعد أن أكلت نباتات سامة.

يتقدم بولدوود ويعرض على باتشيبا الزواج للمرة الثانية. بالرغم من رفضها له، إلا أنها في هذه المرة قد أعطته شيئا من الأمل.

في نفس الليلة، تلتقي باتشيبا بالرقيب الوسيم صاحب الكاريزما، "تروي". يثير مشاعرها، وتقع في حبه من أول نظرة. يعلم جابرييل ميل باتشيبا إلى الرقيب تروي، فينصحها بالابتعاد عنه لأن سلوكه مشبوه، ويشجعها على الارتباط ب بولدوود بدلا من ذلك.

لكنها لا تستمع لنصيحة جابرييل، وتقودها مشاعرها المتنامية تجاه تروي إلى إخبار بولدوود بأنها لن تستطيع الزواج منه أبدا. يغضب بولدوود بشدة وتتملكه الغيرة، مما جعله يهدد باستخدام العنف ضد تروي، خاصة وهو يعلم سوء سمعته كزير نساء.

تغضب باتشيبا لما يحدث، لكنها لا تستمع لصوت العقل ولا تريد أن تصدق ما تسمعه عن تروي، وتقوم بالزواج منه. ويقوم تروي بإخبار بولدوود بأمر الزواج، بعد أن يلعب عليه بخدعة قاسية، وهي ادعائه بقبول ترك باتشيبا نظير مبلغا من المال.

يستاء كلا من بولدوود وجابرييل للغاية من زواج باتشيبا من تروي المتهور. وتتحقق مخاوفهما، لأن تروي يثبت بسرعة أنه كسول وغير متحمس للمساعدة في إدارة المزرعة.

جابرييل يتجنب بصعوبة كارثة محققة، عندما جاءت عاصفة رعدية شديدة في ليلة احتفالات الحصاد. أخذ جابرييل زمام المبادرة كرجل مسؤول، وقام بحماية المحاصيل غير المكشوفة. بينما الجميع كانوا في حالة سكر شديدة، وغير قادرين على المساعدة.

تروي لا تظهر عليه أية علامات تدل على الرغبة في تغيير سلوكه. ينفق الأموال بتهور، والعلاقة بينه وبين باتشيبا تزداد سوءا يوما بعد يوم. في شهر أكتوبر، بعد حوالي 9 أشهر من بداية الرواية، يلتقي تروي وباتشيبا بشابة تسير على الطريق. تبدو مريضة وفقيرة. مشهدها يثير سلوكا غريبا من تروي، وهو ما قد رفض شرحه لزوجته.

تروي مصمم على إخفاء هوية المرأة، فاني روبنز، التي كانت تعمل خادمة سابقا في مزرعة ايفردين. كانت بينها وبين تروي علاقة غرامية في الشتاء السابق، بينما كان متمركزا مع قواته في ميلشستر.

بعد ذلك، هربت فاني معتقدة أنها ستهرب مع تروي. لكنه تخلى عنها بعد أن وجدها حاملا منه. هي الآن على وشك الولادة. تحاول الذهاب إلى منزل فقير محلي للولادة هناك. يقابلها تروي، ويعطيها بعض المال كمساعدة. لكن المسكينة تموت هي وطفلها أثناء الولادة.

عندما علمت باتشيبا بوفاة الفتاة، ترسل الجثة لإعادتها إلى ويذربري لدفنها هناك. في الوقت نفسه، يأتي تروي لمقابلة فاني، وهو لا يعلم بخبر وفاتها.

جابرييل يحاول إخفاء خبر وفاة فاني عن باتشيبا. مع مزيج من الشائعات وسلوك زوجها المشبوه، جعل باتشيبا تفتح التابوت وتعثر على جثتي كل من فاني والرضيع في داخله.

باتشيبا تدرك أن تروي، هو والد طفل فاني. عندما يعودا إلى المنزل، تقوم بينهما مشاجرة حامية. باتشيبا تهرب من المنزل، وتقرر عدم العودة حتى يتم أخذ التابوت بعيدا. تروي هو الآخر يترك المنزل، ويشاهد وهو يغادر البلدة بعد وقت قصير.

يذهب تروي إلى شاطئ البحر، حيث يحاصر بين موجتي مد، وهو يسبح بعيدا عن الشاطئ. يتم إنقاذه من قبل بعض البحارة، ويقرر بتهور الانضمام إليهم في رحلتهم إلى أمريكا، ويختفى عن الأنظار، تاركا ملابسه على الشاطئ.

نتيجة لهذا الاختفاء المفاجئ، يفترض أن تروي قد غرق. بذلك تصبح باتشيبا أرملة. هذه الأحداث، أحيت الأمل عند بولدوود في زواجه من باتشيبا. لكن باتشيبا تخشى أن يكون زوجها لايزال حيا. وتطلب من بولدوود الانتظار سبع سنوات منذ وقت اختفائه، كما يقول القانون، قبل أن تفكر في الزواج مرة ثانية.

يمر الوقت، وفي نهاية الصيف، بعد عام تقريبا من اختفاء تروي، يعود سرا إلى ويذربري. لقد مل العيش في فقر، وهو يفكر الآن في الرجوع إلى زوجته، بالرغم من أنه لم يكشف بعد عن هويته.

في الوقت نفسه، تجددت آمال بولدوود في الزواج من باتشيبا، بعد أن وافقت على إخباره في عيد الميلاد، ما إذا كانت ستبدأ الخطوبة لمدة 6 سنوات أم لا.

علم تروي أن زوجته باتشيبا تفكر في الزواج مرة أخرى من بولدوود. عشية عيد الميلاد، قال تروي أنه سيظهر بطريقة مفاجئة في الحفل الفخم الذي سيقيمه بولدوود بهذه المناسبة.

أثناء الحفل، يظهر تروي فجأة، ويحاول استعادة باتشيبا زوجته. تتملك بولدوود حالة من الغضب والجنون، جعلته يطلق النار على تروي ويرديه قتيلا.

حكم على بولدوود في البداية بالإعدام بسبب هذه الجريمة. لكن تبين في نهاية المطاف أنه مجنون، فخفف الحكم إلى السجن مدى الحياة. صدمت باتشيبا من هذه الأحداث. لكنها تتعافى ببطء، وتصبح أكثر اعتمادا على جابرييل لمساعدتها على إدارة المزرعة.

لكنها تفاجأ وتشعر بحزن شديد عندما تعلم أن جابرييل يخطط لمغادرة إنجلترا والهجرة إلى أمريكا. هذا الخبر يقودها للتفكير في جابرييل ومدى إخلاصه لها.

في إحدى الليالي، تذهب إلى كوخه لتسأله لماذا هو مصمم على المغادرة، وبينما هما يتحدثان، يتضح أنهما يحبان بعضهما البعض، ولكن كل منهما كان مرتبكا بشأن مشاعر الآخر. وبعد ذلك بوقت قصير، يتزوج جابرييل وباتشيبا أخيرا بكثير من الابتهاج من السكان المحليين وعمال المزارع المجاورة.

ملاحظات على الرواية

الحب هو الموضوع الرئيسي للرواية. في الواقع، تدور الرواية حول محاولة فهم باتشيبا لمعنى الحب الحقيقي. ومن هو الرجل الذي يستحق حبها. كل واحد ممن تقدموا لخطبتها يمثل نوعا مختلفا من الحب.

حب بولدوود لها، حب كثيف مهوس، حب تملك واستحواذ. يحاول شراء حبها بالهدايا الفاخرة ووعوده بتقاسم ثروته.

تروي يقدم لها الحب العاطفي. الحب المشحون بالجنس والمتعة الحسية. لكنها متعة على المدى القصير، سرعان ما تتلاشى. هو حب ليس مدعوما بالتفان والتوافق على المدى الطويل.

أما جابرييل، فهو من يقدم لها الحب الهادئ المتواضع الرصين. الحب الثابت الموثوق به. حب يصمد في مواجهة الأعاصير والتحديات. ومع نضوج باتشيبا عاطفيا، يتضح لها ما هو الحب الحقيقي، وأن جابرييل هو الحبيب والشريك الأفضل بين كل من عرفتهم من الرجال.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي