الإنتخابات في زمن الحرب

خليل قانصوه
2021 / 6 / 1


منطقي أن تحتل القضية السورية موقعا مركزيا في الفكر العربي في جميع أبعاده الثقافية كونها قضية و جودية على الصعيد الفردي و الجمعي . بتعبير أدق إن الأزمات التي تعتمل في لبنان و فلسطين و غيرها من الأقطار في المدى المعروف بالشرق الأوسط هي في لبها سورية الأصل أو مرتبطة بشكل ما بالأوضاع في سورية .
لا نبالغ في القول أن سورية تعرضت في السنوات العشر الماضية لحرب غايتها إلغاء الدولة فيها و إقتسام البلاد بين تركيا و إسرائيل إلى جانب خلق كيانات هزيلة على أسس عرقية ومذهبية تابعة لهذين القطبين الدائرين في الفلك الأميركي ، انطلاقا من مفهوم استشراقي تروِّجه الحركة الصهيونية في دوائر صناعة القرار في الولايات المتحدة الأميركية متزعمة " العالم الحر " ، لا يعترف بشرعية الدولة الوطنية أو يدعو إلى إعاقة تبلورها كدولة وطنية شرعية ، تبريرا لافتراسها استجابة لضرورات جيو استراتيجية .
ولكن هذا الإلغاء لم يتحقق حتى الآن ، بالرغم من احتلال قوات الدولة الصهيونية لهضبة الجولان والولايات المتحدة للجزيرة السورية ، بالإضافة إلى احتلال تركيا لمحافظة أدلب . بكلام آخر فقدت السورية ما يزيد عن 30 % من مساحة البلاد التي قامت عليها أصلا .
لا بد هنا من الملاحظة أن دولا كثيرة عربية و غربية شاركت في الحرب على سورية تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية و بريطانيا و فرنسا ، و بالتالي كان واضحا أن الدول المهاجمة أعدت في سورية خطة لا تختلف جوهريا عن تلك التي طبقت في العراق و في ليبيا . كان بديهيا أيضا أن وقف العدوان على سورية يتطلب تعديل ميزان القوى بتدخل روسيا مباشرة و الصين في مجلس الأمن الدولي مقابل القوى العظمي المهاجمة .
مجمل القول أن الدولة السورية مضطرة لأسباب لسنا هنا في معرض التفكر فيها ، لإظهار دورها و شرعيتها في ظروف معقدة جدا نتيجة تواجد الدول الكبرى ، الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي ، على أرضها ، بشكل أو بآخر ،حيث أن كل منها تمسك باسنانها أو بأسنان كلابها طرفا من أطراف البلاد السورية .
الرأي عندي في هذا السياق ، ان الدولة السورية حققت بواسطة الإنتخابات الرئاسية الأخيرة أنجازا كبيرا في مسارها نحو استرداد شرعيتها المعنوية و الحقوفية . تجسد ذلك على أكثر من صعيد :
ـ 1 ـ لبى السوريون بأكثرية ساحقة (14 مليون من أصل 18 مليون تقريبا ) دعوة الدولة إلى الإقتراع في انتخابات الرئاسة . ما يعني أن "كلمة الدولة " صارت ذات صدى واسع بالرغم من الحرب المستمرة منذ عشر سنوات ، علما أنها حرب دموية تدميرية ماديا و إعلاميا ، ليس مستبعدا أن يكون هذا انعكاسا لعودة بعض السوريين إلى سورية و إلى دولتها .و لعل في منع و اعتراض السوريين النازحين لكي لا يشاركوا في الإنتخابات دليل على انزعاج يخامر الذين أرادوا إلغاء هذه الدولة .
ـ 2 ـ هل تعني هذه الحماسة للدولة السورية إعطاء السلطة براءة ذمة أو صكا على بياض ؟ لا أظن ذلك . جل ما في الأمر هو أن القيادة الحالية نجحت في إنقاذ الدولة و في تحرير 70 % من التراب الوطني في حرب كان منتظرا منها محو الدولة و تجزئة البلاد في اسابيع قليلة . و بالتالي من المنطقي مواصلة معركة التحرير و التواصل مع هذه القيادة لأن طريق الآلام ما تزال طويلة ، فعلى الأرجح أن سير العمليات يتطلب في المرحلة القادمة خططا دقيقة و تعديلات كثيرة في السياسات واصلاحات كبيرة في البنية . انطلاقا من أن الحرب العدوانية بالرغم من أنها كانت مقررة منذ نشوء الدولة في سورية ، إلا أن موعد اشتعالها و اختيار أساليبها ووسائلها و حجم الخسائر الناجمة عنها ، تأثروا إلى درجة عالية بعوامل مساعدة أهمها الوضع المهترئ و الفساد الإداري وذهنية الاستهتار وغياب التخطيط . هذا من ناحية أما من ناحية ثانية فلا يجوز أن ينسى الناس في سورية و جوارها أنهم مدينون بوجودهم للذين بذلوا دفاعا عن سورية في ظروف غير مواتية ، حيواتهم على حساب عوائلهم و أطفالهم ، فكانوا آخر الجنود الاحتياطيين أو الورقة الأخيةر ، التي أنقذ السوريون أنفسهم بفضلها ، و هذه لا يمكن تجديدها إلا بإصلاح الأوضاع التي كانت سائدة قبل الحرب و تغيير النهج .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي