ما العمل ؟ افتتاحيّة العدد 63 من طريق الثورة

حزب الكادحين
2021 / 5 / 30

‏ بعد أخذ وردّ وتضارب في ‏التصريحات بين أعضاء اللجنة العلمية ‏والحكومة التونسيّة، أعلنت هذه الأخيرة ‏حجرا صحيّا شاملا بداية من يوم السبت ‏‏08 ماي 2021 على الساعة منتصف ‏الليل إلى حدود يوم الأحد 16 ماي على ‏الساعة الخامسة صباحا ولمدّة سبعة ‏أيّام تزامنا مع عطلة عيد الفطر.‏
‏ إنّ هذا القرار وحسب تبرير الحكومة ‏الغاية منه هي الحدّ من التنقل بين ‏الجهات بمناسبة العيد تجنبا لمزيد ‏الاختلاط بين العائلات التي تستغلّ هذه ‏المناسبة للتّزاور بكثرة ممّا يساهم في ‏تفشّي هذا الوباء ولكسر حلقات عدواه ‏التي انتشرت بوتيرة متصاعدة خاصة ‏في بداية شهر ماي إذ فاقت أعداد ‏الموتى من جرّائة المائة يوميا بينما تمّ ‏تعداد آلاف المصابين به. لقد كان هذا ‏القرار متأخّرا نظرا لاستفحال هذا الوباء ‏وارتفاع أعداد الموتى والمصابين وكذلك ‏المقيمين بالمستشفيات والمصحات ‏الخاصة وبأقسام الإنعاش والتنفس ‏الاصطناعي إذ بلغت نسبة الإيواء في ‏أغلب المنشآت الصحيّة طاقتها القصوى ‏وبات الحصول على سرير للإنعاش أو ‏التنفس الاصطناعي صعب المنال علما ‏وأنّ المصحات الخاصة التي طالبت ‏العديد من الأصوات بتسخيرها لصالح ‏مرضى الكوفيد تمّت السيطرة عليها من ‏قبل أصحاب الأموال الطائلة وذلك بحجز ‏أماكنها لصالح الأسر الميسورة. وممّا ‏زاد الطين بلّة النقص الفادح في كميّات ‏الأكسيجين نتيجة لكثرة الطلب عليه ‏بسبب ارتفاع أعداد المرضى الذين هم ‏في حاجة للتنفس الاصطناعي.‏
‏ لقد أدّى تفاقم الوضع الوبائي إلى ‏إطلاق صيحة فزع من طرف عدّة أطباء ‏لأجل إقرار حجر صحيّ شامل لا يقلّ عن ‏خمسة عشر يوما خاصّة وأنّ العديد من ‏المرضى في حالة انتظار شغور لبعض ‏الأسرّة وأنّه بالإمكان وفاتهم قبل حصول ‏هذا الشغور ممّا نتج عنه العديد من ‏الوفيات بمحلاّت السكن، فاضطرتّ ‏بعض المستشفيات وأمام نقص الأسرّة ‏إلى تفضيل بعض المرضى عن آخرين، ‏وهنا نستحضر قصّة إطار شبه طبّي كان ‏والداه المريضان في حاجة إلى الإقامة ‏بالمستشفي بالعناية المركّزة فاقترح ‏عليه في ظل عدم توفّر سريرين لهما ‏اختيار أحدهما للإقامة. في مثل هذه ‏الظروف ورغم تأخر الحكومة في توفير ‏اللقاح اللازم وبكميات كافية ورغم نقص ‏الأكسيجين وغيره كان الردّ الحكومي ‏دائما بأنّ الحجر الصحّي الشامل غير ‏مطروح باعتبار أنّنا انتقلنا إلى مرحلة ‏العدوى المجتمعيّة وبالتالي لا جدوى من ‏اقرار هذا الحجر وأنّ الحلّ الوحيد ‏الممكن هو تطبيق البروتوكول الصحي ‏أي حمل الكمامة مع التباعد الجسدي ‏وغسل اليدين واستعمال المطهّر، إلاّ أنّ ‏الحكومة نفسها لم تلتزم بما نصحت به ‏الكادحين لمجابهة الموت الزاحف إذ ‏تخلّت عن توفير حتّى أبسط مستلزمات ‏البروتوكول الصحي في المعاهد ‏والمدارس والكليات وكذلك في كلّ ‏الإدارات والمعامل والمصانع ووسائل ‏النقل بمختلف أنواعها التي غاب عنها ‏التعقيم والمطهّر وقيس الحرارة ‏وغيرها...‏
‏ ورغم تفشّي الوباء بوتيرة متسارعة ‏وتسببه في فقدان عشرات الآلاف من ‏آبائنا وأمهاتنا وإخوتنا وأخواتنا والعديد ‏ممّن يعزّ علينا فراقهم بهذه الطريقة ‏التي تمنعنا حتّى من إمكانيّة توديعهم ‏الوداع الأخير وفي إصابة مئات الآلاف ‏من المرضى، فقد صمّت الحكومة أذانها ‏عن كلّ الأصوات المنادية بضرورة إقرار ‏حجر صحّي شامل وإغلاق الحدود البرية ‏والبحريّة والجويّة تفاديا لوصول ‏السلالات المتحوّرة لهذا الوباء خاصّة ‏البريطانيّة والبرازيليّة والجنوب إفريقية ‏منها إضافة إلى السلالة الهنديّة والتي ‏تتميّز بسرعة الانتشار. وها هي اليوم ‏تتّخذ قرارا ليس متأخّرا فقط، بما أنّه ‏سيفقد أيّ فاعليّة باعتبار أنّ ما كنّا ‏نخشاه قد حصل، وإنّما هو قرار ميّت ‏لانّ أغلب ما ورد فيه لن يتمّ تطبيقه.‏
------------------------------------------------
طريق الثورة، العدد 63، مارس-أفريل 2021

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي