مقاطعة الانتخابات العراقية المبكرة خيانة لدماء ضحايا تظاهرات تشرين

محمد رضا عباس
2021 / 5 / 23

كثرت في الآونة الأخيرة المقالات حول الانتخابات العراقية المبكرة واهمية مقاطعتها بحجة انها سوف لن تكون مختلفة عن السابقة , حيث ستبقى أحزاب المحاصصة والفساد هي الحاكمة , ولا يتغير فيها الا بعض الأسماء. انهم يطالبون بنظام سياسي ديمقراطي يساوي المعمول به في الولايات المتحدة الامريكية , بريطانيا , وفرنسا , حيث ان المنتخب لا ينظر الى أصول او دين او مذهب المرشح , وانما الى مؤهلاته وقدرته على القيادة. انهم يريدون ان ينتخب المواطن الكردي مرشح من غير قوميته , والسني او الشيعي من غير مذهبه , وان لا يبقى منصب رئيس الوزراء وقف للمذهب الشيعي , ومنصب رئيس الجمهورية من القومية الكردية , ورئاسة البرلمان من المذهب السني.
باعتقادي , ان هذا الكلام ما هو الا كلام حق يراد منه باطل. انه حق لإنه ليس من المعقول ان لا يصلح لمنصب رئيس الوزراء الا شخص من المكون الشيعي , وليس من المعقول ان لا يصلح لراسة الجمهورية الا رجل كردي , ولرئاسة البرلمان الا رجل سني. الباطل فيه هو ان مقارنة نظام حكم ديمقراطي عريق بنظام حكم اخر حكم عليه بالديكتاتورية لمدة 14 قرنا , انما مقارنة غير موفقة وغير موضوعية وتشويش لذهن المتلقي. ان من يريد ان يصبح النظام السياسي الحالي في العراق مثل النظام السياسي في أمريكا او المانيا او بريطانيا انما لم يقرا التاريخ جيدا. ان هذه النظم مرت في سنواتها الأولى بتجارب مريرة ومطبات و ممارسات بعيدة كل البعد عن القيم الديمقراطية. يكفي من القول ان فرق إطفاء الحرائق في الولايات المتحدة الامريكية قبل 200 عام , كانت تتنافس بالوصول الى مواقع الحرائق ليس من اجل الإنقاذ , وانما من اجل سرقة ما هو متبقي في الموقع. ولكن بمرور الوقت جاء التغيير و هذب مسيرة الديمقراطية واسقط الفاسدين وجاء بالوطنيين في هذا البلد.
لقد قتلت النظم الديكتاتورية التي حكمت العراق الحس الوطني عند اكثر العراقيين , وما عمليات النهب والسلب التي حدثت أيام التغيير الا انعكاسا لغضب المواطنين على ممارسات النظام السابق. لقد جعل قادة العراق قبل التغيير العراق ضيعة لهم ولأقربائهم واصدقائهم , واصبحت شريحة واسعة من الشعب العراقي يشعرون بالمظلومية و انهم احق بالعراق وخيراته , حتى وان كان هذا الحق يأخذ بالنهب والسرقة. اكثر من ذلك , القادة بعد التغيير لم يصرفوا الوقت الكافي لتثقيف المواطن على الوطنية والديمقراطية , بقدر ما صرفوه من وقت للاستحواذ على اكبر قدر ممكن من المنافع والامتيازات. وهكذا اصبح هناك فجوة توسعت بمرور الزمن بين امتيازات قادة الأحزاب الحاكمة واغلبية مسحوقة محرومة.
لقد تظاهر المواطنون في بغداد والبصرة , وفي الناصرية وواسط , وبقية محافظات الوسط والجنوب من اجل تغيير الواقع واعطوا مئات من الشهداء والالاف من الجرحى , ولهذا السبب فان الدعوة لمقاطعة الانتخابات انما هي خيانة لكل قطرة دم سقطت في ساحات التظاهر. هل تظاهر المواطن وواجه الرصاص من اجل حفنة من السياسيين سكتوا عندما منحوا بعض المناصب في حكومة السيد الكاظمي؟ ام تظاهر المواطنون من اجل ان يظهر نكرة محسوب على تظاهرات تشرين ينعت القضية الفلسطينية ب " الجيفة"؟ ام خرج المواطنون من اجل اسقاط حزب سياسي شيعي معين وصعود حزب شيعي سياسي اخر بدله؟
المواطن العراقي خرج للتظاهر, لإنه وجد ضرورة لتغيير الواقع السياسي والاقتصادي الذي يمر بهما البلد. البلد في حاجة الى سياسي قادرا على حماية حدوده من الأعداء , يعرف كيف يوفر فرص عمل لألاف المواطنين , ويعرف كيف يتصرف مع أبناء العشائر الغير منضبطين والمخالفين للقانون والنظام العام. المواطنون يريدون سياسي قادر لحل المشاكل مع إقليم كردستاني والتي بدأت تتراكم , ويريدون سياسي قادر على التعامل مع جيران العراق , ويريدون سياسي قادر على القضاء على الفساد المالي والإداري الذي استشرى في جميع مرافق الدولة العراقية.
هذه الإنجازات لا يمكن تحقيقها عن طريق انقلاب عسكري يقرا في اول ساعته بيان " رقم واحد" كما يريده البعض. بالحقيقة , ان جميع مشاكل العراق جاءت مع مجيء بيان " رقم واحد" , ومن يريد تمرير هذه التجربة مرة أخرى انما يريد ارجاع عقارب الساعة الى الوراء.
الحل الوحيد للقضية العراقية هو احترام الدستور واحترام اللعبة الديمقراطية والمشاركة الواسعة في الانتخابات القادمة. يجب ان لا تكون سيطرة الأحزاب الحاكمة على الشارع العراقي حجة للمقاطعة , ولا المحاصصة , ولا الولاء الى تركيا او ايران او أمريكا , ولا الفشل في توفير الامن والعمل او غياب الخدمات الحكومية. ارجوا ان لا يفهم المواطن العراقي ان الزمن الجميل في العراق قد ذهب مع أصحابه. لم يكن هناك زمن جميل في العراق الا بفترات زمنية محدودة , ولكن الزمن سيكون اجمل اذا تحشد العراقيون من اجل التغيير. المقاطعة سوف لن تسقط النظام , بل تبق الأمور التي يعاني منها المواطن في مكانها ولفترة أطول , ولكن تشجيع المواطن على المشاركة في الانتخابات القادمة وتثقيفه باختيار الجيد من المرشحين هو الحل الوحيد.
المشاركة الكثيفة تعطي إشارات الى قادة الأحزاب الحاكمة ان هناك وعي شعبي , وان المعادلة القديمة اصبحت لا يستذوقها المواطن العراقي , بل يرفضها. وان صعود عشرة وجوه جديدة من غير الأحزاب الحاكمة كافيا لكسر الاحتكار السياسي. و من خلال هذه الوجوه يتصاعد الامل عند المواطن العراقي بالعملية السياسية , وينظر الى الانتخابات القادمة بتفائل اكثر.
نعم , البعض سيقول , سوف لن نرى ذلك اليوم الذي يتحرر العراق من الفساد المالي، والإداري، والمحاصصة، والمذهبية. ربما هذا صحيح , لان ترسيخ مفاهيم الديمقراطية في ذهن المواطن وممارساتها عملية معقدة ليست مثل وجع الراس يعالج بحبة , بندول , انه طريق طويل وفي كثير من الأوقات متعب , ولكن الإصرار على التغيير من قبل النخب الوطنية الغيورة على العراق كفيلة للوصول الى ذلك اليوم الموعود.
بالحقيقة , أرى انه من واجب كل صاحب قلم شريف ان يدعو نحو المشاركة الواسعة في الانتخابات القادمة وان يدحض كل الدعوات التي تدعو الى مقاطعتها , لان الخيار ما بعد المقاطعة هو الانقلابات العسكرية والديكتاتورية , وإلغاء صوت الاخرين.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا