الربيع العربي، إشكالية العلاقة بين الشعب والنخب السياسية 2

راتب شعبو
2021 / 5 / 23

هل يمكن حل مشكلة العلاقة بين الشعب والنخب؟
تبدو مشكلة التوتر بين النخب والشعب، عصية على الحل حين نحصر الموضوع في المستوى السياسي، ذلك لأن الحضور الشعبي على هذا المستوى لا يكون إلا عبر التمثيل، الشعب يحضر فيه عبر ممثلين منتخَبين، أي عبر نخبة تمثل الشعب وتحجبه في الوقت نفسه.
حرية الشعب في الديموقراطيات التمثيلية هي حرية اختيار بين النخب على أرضية سياسية اقتصادية شبه ثابتة. هذا يشبه، إلى حد كبير، حرية السجين في أن يختار سجناً دون آخر، أو مهجعاً دون آخر، أو في أن يختار الكوة التي يقف عليها ليرى من خلال القضبان. دون أن يعني هذا تجاهل المستوى العالي من الحريات والحقوق الاجتماعية في هذه البلدان، لكن دون أن نتجاهل أولاً وجود نسبة غير قليلة من السكان في أوضاع فقيرة على هامش النظام الاقتصادي الاجتماعي، وثانياً، أن ما كسبته الشعوب في هذه البلدان يحتاج إلى جاهزية دفاعية دائمة ضد ميل النظام الدائم والغريزي إلى التراجع والتضييق على الناس.
يكون الحال أسوأ في البلدان التي تعتمد مبدأ الانتخابات لإنتاج الشرعية السياسية، حين يكون المجتمع الأهلي (العلاقات العضوية، هذا يعني في بلداننا المنبت المذهبي والديني والقومي) أكثر حضوراً من المجتمع المدني (مبدأ المواطنة)، كما هو الحال في لبنان والعراق. في هذه البلدان يصبح التجسيد المباشر للنظام أقل وضوحاً. إذا كان النظام الذي يقوم على مركزية الفرد يتجسد في شخص الحاكم المستبد أو الديكتاتور، فإن النظام هنا لا يتجسد في شخص، ولا حتى في نخبة الحكم التي يجري انتخابها، بل في الزعامات الدينية أو القومية التي تمارس زعامتها من خارج الدولة. على هذا فإن استقرار النظام الديموقراطي الطائفي أو (ديموقراطية المكونات) مستمد من خارج جهاز الدولة، وهو ما يجعله أكثر قدرة على المقاومة. وقد لاحظنا انعكاس هذا الحال في هتافات المتظاهرين في كلا البلدين.
لا يمكن جسر المسافة بين السلطة والشعب إلا عبر ابتكار آليات تجعل للشعب حضوراً دائماً في المجال العام، وذلك عن طريق شبكة واسعة من التشكيلات البسيطة التي تكون على تواصل مباشر مع الناس وتهتم بمجريات الحياة اليومية والمعاشية لهم. تقوم وسائل الإعلام بدور في هذا، وقد تعزز هذا الدور أكثر مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي أنشأت قناة ديموقراطية لنقل ثقل الشعب إلى الميدان.
التخلي عن النخب أو فشل النخب
لاحظنا في الثورة السورية، إنه إلى جانب إشكالية العلاقة بين الشعب والنخب، برزت إشكالية العلاقة بين النخب "الثورية" نفسها. النخب التي ندبت نفسها لتمثيل الشعب السوري الذي يريد إسقاط النظام، لم تكن موحدة لا على مستوى الرؤية ولا على مستوى التنظيم. كما هو الحال في كل الثورات، لم تكن النخب التي سعت لتمثيل الثورة السورية منتخبة من الشعب السوري، (ربما كان بعضها "منتخباً" من الخارج)، كما أن هذه النخب لم تكن موحدة، فالحالة الثورية السائلة تسمح بتعدد التمثيلات وتسمح بالتالي بصراعها، وهو ما كان في سياق الثورة السورية، وقد كان لهذا التفتت والصراع دوره في تعثر الثورة وتبدد طاقتها.
لم يكن فشل النخب "الثورية" خافياً على الجمهور، فمن اللافت أن الموجة الثانية من الثورات العربية (لبنان، العراق، الجزائر) ابتعدت عن النخب المكرسة (الأحزاب)، كما أنها لم تنتج نخبها الخاصة، وقد فضلت البقاء في الحالة الشعبية دون وجود ناطقين محددين باسم الحراك. غير أن هذا الحال يبقى ناقصاً مع ذلك، فلا يمكن للحراك أن يبقى في الشارع، ولا يمكن الاستغناء عن دور النخبة التي يمكنها ترجمة الطاقة الشعبية إلى قوة سياسية واعية ومحددة، يبقى الرهان على إنتاج علاقة حية بين الشارع والنخبة.
كانت الحالة السودانية مختلفة على هذا الصعيد، فقد تبلورت قيادة لها سيطرة جيدة على الحراك السوداني، وتمكنت من منع انزلاق الحراك إلى العنف (رغم جرائم الجيش السوداني ولا سيما فض اعتصام القيادة العامة)، ومن ترجمة الطاقة الثورية للحراك إلى قوة سياسية وفرض تقاسم السلطة مع الجيش، ويتوقف نجاح هذا المسار على استمرار الضغط الشعبي على النخب التي مثلت الحراك في السلطة، بغرض كبح الميول التسلطية الداخلية أو الغريزية فيها.
وفي تونس، البلد الذي لم يشهد مطبات حادة في مسار ثورته، عبر الشعب التونسي عن نفوره من النخب في اختياره للرئاسة، شخصية منفردة (قيس سعيد) تكره الأحزاب وتنتمي في تواضعها وزهدها وصفاتها العامة إلى الشعب، وكأن في هذه "البراءة" ما يقول إن الشعب هو من يستلم الرئاسة. وقد قام الشباب المستقلون بكل مستلزمات الحملة الانتخابية لسعيد، ليفوز بنسبة عالية (73%) على منافسه (نبيل القروي) "النخبوي"، رجل أعمال متهم بقضايا فساد وصاحب محطة فضائية وزعيم حزب.
في سورية أيضاً فشلت النخب في تمثيل الثورة. ففي سورية نشأت منذ وقت مبكر نخبتان سعت كل منهما إلى تمثيل الثورة، نخبة داخلية (هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي) وأخرى خارجية (المجلس الوطني السوري) ثم (الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة). كان لهذا الانقسام بين داخل وخارج أثر في فشلهما المشترك أو العام، ولكن فشل كل طرف في مسعى قيادة الثورة، يعود لسبب مختلف عن الآخر، وربما مناقض له.
فشلت نخبة الخارج ليس لأنها ابتعدت عن الشعب الثائر، بل ربما لأنها لم تبتعد عنه، أي لأنها لم تمتلك نهجاً سياسياً مستقلاً ذا ثبات وتماسك، بل سعت جهدها لحيازة قبول الشعب بأن تكون صدى مباشراً للشارع، مع سعي مواز لحيازة رضى "الحلفاء"، وخسرت بذلك هويتها وقيمتها. أما نخبة الداخل فقد فشلت لأنها ابتعدت عن الشارع في محاولة أن تمارس دوراً قيادياً واعياً ومعتدلاً، فكان أن بدت مهادنة في عين الثائرين الذين وجدو في النخبة الخارجية صوتاً أكثر حزماً وأكثر تأثيراً بحكم الاعتراف الخارجي.
خاتمة
في تأمل موضوع التمثيل السياسي للشعب نعثر على مشكلة لها جانبان، الأول هو أن النخب التي يفترض أن تمثل الشعب تحجب الشعب عملياً وتستبدله بتصورها السياسي الخاص. والثاني هو أن الشعب ليس متجانساً، ولا يمكنه وضع تصور محدد عما يريد، وهذا ما يجعل النخب ضرورة يصعب تجاوزها.
تبدو هذه المشكلة السياسية مستحيلة الحل على المستوى السياسي نفسه. على هذا المستوى لا يمكن للشعب أن يمثل نفسه، ولا بد من وجود نخب ممثلة، أي لا بد من تغييب الشعب. غير أنه يمكن تلمس حل لهذه المشكلة السياسية من خارج المستوى السياسي، نقصد من خلال الحضور غير التمثيلي للشعب في دفاعه المباشر عن حاجاته المباشرة وعن قضايا حياتية يومية محددة وملموسة.
لا يحتاج العمل من أجل القضايا اليومية المباشرة للناس (مظاهر الفساد، الاعتداء على الحقوق، ارتفاع أسعار المواد الأساسية ... الخ) إلى نخب وبرامج عمل وتمثيل، يحتاج فقط إلى تنظيم يمكن أن تقوم به وتتابعه مجموعات مبادرة من المواطنين مستفيدين مما توفره اليوم تكنولوجيا الاتصالات من إمكانات لا نهائية.
النشاط المدني غير السياسي الواسع واليومي للناس هو ما يمكن أن يردم الهوة بين الشعب والنخب، ويضع النخب السياسية أمام امتحان له معايير واضحة يصعب التلاعب بها، الأمر الذي يحد من ذاتية النخب وميلها إلى "الخيانة"، حين تكون معايير صدقيتها شفافة وأمام عيون الجمهور.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا