العالم من جائحة كورونا الى نار الاسعار

محمد رضا عباس
2021 / 5 / 21

لنبدئ من الولايات المتحدة الامريكية , البلد الذي بقى فيه التضخم المالي (ارتفاع معدل الأسعار) , غير ملحوظ لسنوات طويلة , الا انه بدء يتصاعد هذه الأيام , حتى عبر الحد المسموح له من قبل البنك الاحتياطي والبالغ 2%. عوامل عديدة أدى الى ارتفاع نسبة الأسعار في هذا البلد , ومنها ارتفاع أسعار المواد الأولية مثل الحديد الخام , النحاس, الاخشاب , القطن, رقائق الحاسوب , ومؤخرا ارتفاع أسعار الطاقة , وانخفاض قيمة الدولار في الأسواق العالمية والذي أدى الى ارتفاع أسعار السلع المستوردة. في ظل هذه الأجواء , يواجه رجال الاعمال أيضا نقص كبير في عرض العمل مما حدى بهم بدفع أجور اعلى ومنافع كثيرة من اجل جلبهم الى ساحات العمل. أسباب أخرى أدت الى ارتفاع الأسعار , ومنها زيادة المصاريف الحكومية وحزمة المساعدات المالية التي قدمتها الحكومة الفيدرالية الى الافراد والشركات الصغيرة والمتوسطة. لقد وصلت حزمة المساعدات الحكومية الى 31% من حجم الإنتاج المحلي وهي نسبة كبيرة مقارنة مع النسبة المعروفة 20%. كل هذا شجع المواطن الأمريكي الخروج الى الأسواق والمولات للتبضع و بكميات غير معهودة من قبل. ففي 12 أيار , كشفت الاحصائيات الاقتصادية ان نسبة التضخم المالي صعدت بنسبة 0.8% في نيسان مقارنة مع أسعار اذار , وهي نسبة تعادل اربع اضعاف ارتفاع الأسعار منذ عام 2009.
لا يشكل ارتفاع أسعار المواد الأولية نسبة كبيرة من كلف الإنتاج مقارنة مع زيادة أجور العمال , وسببه هو انه على الرغم من وجود حوالي 8 ملايين انسان عاطل عن العمل , الا ان بعض القطاعات تجابه نقص كبير في الايدي العاملة بسبب خوف العمال من وباء كورونا, رعاية الأطفال , او عدم وجود الخبرة المطوبة عند المتقدمين للعمل. وعليه , ومن اجل جذب المزيد من الايدي المطلوبة , قامت الشركات برفع الأجور والمحفزات , حيث ارتفع هذا المؤشر في الربع الأول من هذا العام لأول مرة منذ عام 2007.
بعض الشركات بدأت تمرير ارتفاع كلف الإنتاج الى المشترين. احد قادة شركات لحوم الدجاج صرح قائلا " لا يمكننا تحمل التضخم الذي نتعامل معه الان وحدنا ". ومع هذا التخوف من شبح حرارة الأسعار , الا ان البنك الاحتياطي يبدو غير قلق على مستقبل الاقتصاد الأمريكي , وان بعض المسؤولين فيه يعتقدون ان ارتفاع الأسعار بنسبة معقولة تفيد الاقتصاد الوطني و تفيد المنتجين , خاصة وان الأخيرين قد عانوا كثيرا من عدم تحرك الأسعار الى الأعلى , وان الارتفاع الذي شاهده شهر اذار ونيسان ما هو الا نتيجة الانخفاض الأسعار الحاد خلال فترة الوباء , ويعتقدون ان الاقتصاد الوطني يحتاج لبعض الوقت لمقابلة ارتفاع الطلب العام.
وفي الصين , قفز مؤشر الأسعار في نيسان الى 5.4% , فيما ازدادت أسعار المواد الأولية بنسبة 15.2% قياسا بالسنة الماضية. زيادة الأسعار شملت جميع المواد الداخلة في الإنتاج و تكاليف التسوق مثل الشحن , الدعاية والاعلان, والخزن. احد رجال الصناعة في الصين صرح قائلا " سنعمل بكل طاقتنا للسيطرة على كلف الانتاج , وبعكسه سوف لن يبقى خيار لنا الا تحويل جزء من الكلف الإضافية الى المشترين". حاليا سجلت أسعار المواد المصدرة من الصين الى الولايات المتحدة الامريكية زيادة قدرها 1.8% مقارنة مع السنة الماضية.
دول صناعية أخرى بدأت تعاني من ارتفاع كلف الإنتاج وعلى راسها المانيا وكوريا الجنوبية. فحسب مؤشر (Bloomberg) للمواد الأولية , فان ارتفاع الأسعار شمل 23 مادة أولية, حيث ارتفعت أسعارها في شهر اذار الى اعلى مستوى لها منذ 2011 , لقد ارتفعت بنسبة 70% قياسا الى أسعار اذار عام 2020.
ارتفاع تكاليف الإنتاج في الدول الصناعية مؤشر على ان معدل الأسعار في العالم سيتصاعد أيضا , بسبب الارتدادات. بكلام اخر , ارتفاع كلف الإنتاج في الصين سوف لن يبقى بحدود جغرافية الصين وانما سوف ترحل الى الدول المشترية , وهذه علاقة معروفة عند الاقتصاديين. الاقتصاديون وجدوا ان هناك علاقة طردية بين مؤشرات الأسعار للدول ذات العلاقة التجارية الكثيفة. على سبيل المثال , وجد احد الباحثين ان هذه العلاقة تساوي 61% بين مؤشر أسعار الصين ومؤشر أسعار الولايات المتحدة الامريكية. أي ان ارتفاع الأسعار في الصين سوف يقابله ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة أيضا. وهذا منطقي , لان ارتفاع أسعار المواد الداخلة في انتاج مواد التجميل سف يؤدي الى ارتفاع أسعارها في دول المنشئ والتي بدورها ستكون مرتفعة في البلد المشتري لها.
يبقى القول , انه من المبكر جدا القطع ان الأسعار في العالم تحولت من مرحلة الجمود الى مرحلة الغليان , لان كل الذي قيل أعلاه يعتمد على السبب الحقيقي لارتفاع الأسعار. فاذا كان السبب الحقيقي لزيادة الأسعار هو بسبب اخفاق سلسلة التوريدات والتي سببها وباء كورونا , فانه لا مبرر للتخوف , حيث ان الوقت كفيل بحل الإخفاقات. اما اذا كان ارتفاع الأسعار بسبب عدم استطاعت عرض السلع الاستجابة الكافية للطلب عليها , فان مشكلة التضخم المالي سوف تصيب حرارتها مجاميع بشرية هائلة ويثقب جيوب الفقراء وأصحاب الدخول الثابتة والمتقاعدين , ومنهم انا.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا