هل يمكن أن تصبح مبدعا فى فترة قصيرة ؟

مجدى عبد الحميد السيد
2021 / 5 / 21

لقد مر تطور العلوم بمراحل تاريخية متلاحقة ، فلم يكن هناك علم تجريبيى واضح قبل القرن التاسع عشر ، وكانت النظريات العلمية المكتشفة تعتمد على إبداع فردى لعالم يعيش فى منطقة معزولة ولا ينتقل لباقى العالم لصعوبة الاتصال بين الدول ولوجود عوائق دينية تمنع التطور والتكامل العالمى. ومع بداية القرن التاسع عشر تطورت المعرفة فى البلاد الأوروبية عبر طريقين رئيسيين : أولهما التحرر الفكرى من سيطرة المعتقدات والتقاليد التى تعوق التطور العلمى وهى هنا ليست الدين فقط بل حتى التمييز العرقى والجنسى والقومى حيث كانت المرأة مهملة وكذلك العبيد والخدم وكانت أجناس بعض الدول يعتبرونها أرقى من الأخرى ، وثانيهما التواصل بين دول العالم مع انتشار المطابع والكتب والرحلات حتى لو كان من خلال الاستعمار والاكتشافات الجغرافية بحثا توافر المواد الخام اللازمة لتحفيز أى إبداع مادى. ومن هنا نحتاج لمحاولة فهم مراحل التطور العلمى الغريب برغم عدم وضوح تطور بنية المخ والجسم البشرى نفسه كإمكانات جسدية فيزيائية ، لإن تركيب المخ وتركيبة الصفات الوراثية لا تتطور بصورة واضحة عبر مئات السنين بل عبر ملايين السنين ، بمعنى أن المخ هو المخ ولكن الإنسان تطور فكره بطريقة متصاعدة متسارعة غير مسبوقة عبر التاريخ الموغل فى القدم وكأن الإنسان يمر بعصر الجديد هو عصر الصناعة أو عصر العلم أو عصر الإبتكار والإبداع. وإذا تصورنا أن العلم مر بعدة مراحل خلال تطوره الحديث فإننا يمكن أن نتصور أنه فى المرحلة الأولى منذ حوالى مائتى عام تحولت الدراسات من أمور الدين والفلسفة والعلوم النظرية إلى أمور الدراسات العلمية والتجارب والاكتشافات المثيرة التى قام بها الرواد أمثال : فاراداى - ماكسويل - دالتون - داروين - مندليف - فولتا – امبير- اوم- اورستد- براون – كلفن – هلموهلتز- جول – كلاسيوس – هيرتز – ماركونى- بولتزمان – جيبس – افوجادرو – بيل – مندليف – تومسون – يونج - نوبل وغيرهم . حتى وصلنا للعمالقة فى المرحلة الثانية الذين حضروا بداية عصر التقدم العلمى الرهيب مطلع القرن العشرين أمثال بلانك واينشتين وكورى وزرفورد وكوخ مما فتح الباب لدخول العالم أجمع فى تلك المرحلة بعد الحرب العالمية الأولى منذ حوالى مائة عام وانتشرت الجامعات والمدارس العلمية وتعاونت مع بعضها وانتشرت بينها المقالات والبحوث العلمية وفى نفس الوقت تقلصت بالفعل الدراسات الدينية والنظرية التى كانت مسيطرة على العالم لآلاف السنين والتى لم تعد تستحوذ على أهمية كبرى فى العملية التعليمية والمرحلة العلمية المتسارعة التطور ، وللأسف لم يشارك العرب في تلك المرحلة أو المراحل السابقة إلا بالقليل النادر من العلماء لعدم توفر الجامعات ولوقوع التعليم تحت رعاية العلوم الدينية والنظرية .
إن أهم مرحلة هى المرحلة الثالثة التى مر بها العالم بعد الحرب العالمية الثانية وهى مرحلة العلم الحديث الذى أثر بالفعل على رفاهية البشر من خلال العلوم التطبيقية التى تداخلت مع العلوم البحتة فى الطب وجميع أفرع الهندسة وفى الصيدلة والزراعة والصناعة والتكنولوجيا وحتى فى العلوم العسكرية والمهنية مما جعل العالم يصطبغ ولأول مرة بالصبغة العلمية فى كل مناحى الحياة مستمتعا بالكهرباء وأجهزتها وبالمواصلات السريعة وبالآلات وبالاكتشافات الطبية والصيدلانية التى زادت من متوسط عمر الإنسان ، ومن حسن الحظ أن قامت بعض الدول العربية فى المشاركة فى تلك المرحلة حتى لو كانت المشاركة فى اتجاه واحد هو اتجاه التلقى والاستخدام دون المشاركة فى الإبداع والاختراع والابتكار إلا نادرا.
أما العصر الجديد فهو فوق مراحل العلم السابقة لإن العلم ارتبط ارتباطا وثيقا بالتكنولوجيا مطلع التسعينيات فى "عصر العولمة" الذى أعطى ولأول مرة قيمة للإبداع تفوق الخبرة والكفاءة ، فأصبح المبدع فى كل المجالات العلمية وغير العلمية حتى فى الفنون والأدب والسينما والموضة والرياضة هو من يستطيع الوصول لمستوى أعلى فى مجال عمله ، مما أعطى الإبداع والابتكار والاختراع قيما عالمية مقدرة فى كل دول العالم ، حيث يستطيع فيها المبدع والمبتكر والمخترع التجول بين الدول بحرية ليصبح العالم كله بلده وليس دولة ميلاده وجنسيته فقط ، بل وصل العالم مع عصر العولمة خلال الثلاثين عاما الماضية إلى مرحلة قنص الرؤوس باختطاف المبدعين وترغيبهم فى الانتقال لدول تهتم بهم وتمنحهم المال والمكانة وتوفر لهم التقدم كما حدث مع الولايات المتحدة والدول الغربية واليابان فى قنص الرؤوس حتى بين الشركات داخل الدول نفسها ، ثم تطور العالم أيضا فى نفس الفترة لقنص الإبداعات والابتكارات والاختراعات سواءً بالشراء لحقوق الملكية لأى مبدع فى أى مكان فى العالم أو بالسرقة الالكترونية .
لقد تبنى العالم أجمع مع مطلع الألفية الجديدة التغييرات السريعة المتلاحقة التى أصبحت لا تعتمد على الخبرة والكفاءة فقط بل على الإبداع أيضا بجوار الكفاءة والخبرة ، ومن هنا ظهر قول خبير تحفيز الابتكار جيفري فيليبس : " فى حين أن الكفاءة مهمة ، فإن الابتكار ، في عصر التغيير السريع ، أصبح أهم وأكثر حيوية" .
السؤال الآن : هل يمكن تنمية الإبداع ؟
إن الدراسات المتعددة حاولت وصف الإبداع ومحاولة فهمه اعتمادا على البيئة وحرية التعبير والتربية والمجتمع والمستوى التعليمى وعلى توفر عوامل مادية وخبرات وأدوات كثيرة لدى المبدع حتى مع الفئات الأقل تعليما وعلى صغار السن ، ولكن هناك دراسات علمية أيضا تمت على المبدعين وتم الوصول إلى مجموعة من التوصيات مثل توصيات كلية داردن للتفكير في تصميم الأعمال في جامعة فرجينيا التى من خلالها يمكن توسيع العقلية للابتكار للكبار .
وتعتمد تلك التوصيات على برمجة العقل لتطوير دوائر جديدة ، وإعادة توصيل نفسه بناءً على أفكار وسلوكيات جديدة ، وتتم تلك العملية من خلال الشخص ذاته لأنه هو الأقدر على فهم نفسه وإمكاناته ، وقد اقترحت تلك التوصيات كبداية لدخول مرحلة الإبداع ما يلى :
1. ابحث عن وقت هادئ كل يوم للتفكير في ما تفكر فيه ولماذا تحتاج للتفكير فيه ؟
2. عندما تجد نفسك في عقلية ثابتة غير مبدعة ، اسأل عما إذا كانت تأتي من عدم الراحة مع التغيير أو الخوف من ارتكاب خطأ حيث أن الخوف يقتل الإبداع.
3. اجعل من أولوياتك تعلم أو تجربة شيء جديد كل يوم.
4. اطرح أسئلة أكثر مما تعطي إجابات.
5. افعل شيئًا يجعلك تتجاوز قدراتك الحالية مرة واحدة على الأقل في الأسبوع.
الشئ الواضح للعالم أن الصين وصلت لمرحلة السيطرة على الإبداع والإبتكار والاختراع العالمى من خلال وصولها لعدد براءات اختراع يفوق الولايات المتحدة واليابان وأوروبا مجتمعة منذ عامين ، وربما يعود ذلك لتحفيز الاختراع للصينيين وسهولة تسجيل براءة الاختراع لشعب يمثل خمس سكان العالم تقريبا مما جعل حوالى ثمن السكان خاصة فى المدن من الموسرين ماديا بثروة أكثر من 120 ألف دولار للفرد مما يعنى أن الإبداع يجعل صاحبه غنيا فى الصين لوجود شركات تتبنى الابداع حتى لو كان ذلك فى ظل حكم شيوعى.
إنه عالم الإبداع فى عصر العولمة المتسارع جدا الذى يجعل إبداع الساعة فى هذا اليوم أفضل من إبداع يوم منذ عشرين عاما وأعلى من إبداع سنة منذ قرن.

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي