الامبريالية والصراع الطبقي (3)

عبد السلام أديب
2021 / 5 / 19

تدور أمام أعين الطبقة العاملة العالمية حاليا رحى أعنف صراع طبقي يشهده التاريخ بين الامبريالية الصهيونية والجماهير العمالية الفلسطينية، ورغم عدم تكافؤ قوة الطرفين فيظهر ان إرادة الطبقة العاملة الفلسطينية أقوى وهي بالتالي قادرة على هزم جرائم وطغيان وعجرفة الصهاينة.

فالثورة، والمقاومة، والصراع الطبقي، كلها مسميات من قاموس سياسي واحد مصدره الحركة العمالية الشيوعية العالمية، وذلك منذ اكتمال وعي هذه الحركة بذاتها كطبقة مضطهدة في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر. وقد تختفي هذه النزعة الثورية للحركات العمالية لبعض الوقت تحت الرماد، نتيجة القمع أو الاغتراب الديني والايديولوجي، أو في ظل استيلاب بريق الاموال كعائدات القيمة التبادلية لقوة العمل التي سرعان ما تتآكل، فتتفاقم الأزمة الاجتماعية، وتقود من جديد نحو وعي الطبقة من أجل ذاتها ونحو حركة المقاومة والثورة والصراع الطبقي التي تصعد الى الواجهة، على الرغم من تفاقم الاستغلال والاضطهاد والقمع والفاشية، فلا تستطيع أية قوة في العالم آنذاك الوقوف في وجهها.

يأتي هذا التذكير في ظل عودة المقاومة الفلسطينية الشرسة في قطاع غزة وان كان ذلك بوسائل بدائية في مواجهة أكبر قوة إمبريالية عسكرية ونووية في المنطقة، وفي مواجهة تفاحش خدلان وانبطاح كافة الزعماء والملوك العرب الذين خفضوا جناح الذل والولاء للكيان الصهيوني وقاموا بالمقابل بقمع شعوبهم كلما حاولوا الاعراب عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني. فالصراع الصهيوني الفلسطيني يجب وضعه في اطاره الصحيح كجزء من الصراع الطبقي الذي تخوضه الحركة العمالية العالمية ضد الرأسمالية الامبريالية الجديدة في القرن الواحد والعشرين.

وضع الطبقة العاملة الفلسطينية في قطاع غزة المحاصرة

تبلغ مساحة غزة 375 كيلومتر مربعًا، يقطنها حوالي مليوني فلسطيني، أكثر من نصفهم من اللاجئين. وتخضع غزة، منذ عام 2007، لحصار إسرائيلي ومصري مدمر أدى إلى تخريب اقتصادها وحرمان سكانها من العديد من السلع الحيوية، بما في ذلك الغذاء والوقود والأدوية. وتتساقط القنابل على مدينة غزة وبقية القطاع، مما فاقم الوضع القائم وأكد ذلك للعالم أن غزة هي بالفعل للفلسطينيين الذين يعيشون على أرضها.

ويخضع سكان غزة المحاصرون لحظر بري وجوي وبحري، حيث تم تخفيض دخول البضائع إلى الحد الأدنى، بينما توقفت حركة التجارة الخارجية والصادرات. ويعاني السكان، في الوقت نفسه، من وصول محدود للغاية إلى المياه الصالحة للشرب ويفتقرون إلى إمدادات الكهرباء المنتظمة أو حتى الى نظام صرف صحي مناسب.

وبحسب الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، بلغ معدل الفقر في قطاع غزة 80٪ خلال أكثر من عقد من الحصار الإسرائيلي. كما تعرضت بالإضافة إلى ذلك، 77٪ من المنازل في غزة للدمار والتلف بسبب الهجمات الإسرائيلية، مما أدى إلى تشريد آلاف العائلات أو نزوحها وسط عملية إعادة إعمار معطلة، وفقًا لمؤسسة إغاثة هولندية (Run4).

وإذا كانت البطالة والفقر سيئتان للغاية في الضفة الغربية بأكملها الا أنها أسوأ بكثير في قطاع غزة، حيث بلغ معدل الفقر كما حدده البنك الدولي 56٪ سنة 2018 مقارنة بـ 19٪ في الضفة الغربية وحيث أن ثلثي الشباب عاطلين عن العمل. ويعاني سكان غزة، علاوة على ذلك، من فقر مدقع بكثير، فالنسبة بين متوسط دخل الفقراء وخط الفقر، ما يقارب ستة أضعاف مستواه في الضفة الغربية. وقد قام الأونكتاد بتجميع هذه الأرقام في تقرير شامل (أنظر تقرير 5 غشت 2020).

بالإضافة إلى الحصار المطول والقيود التي تفرضها مصر المجاورة، عانت غزة خلال العقدين الماضيين من ثلاث عمليات عسكرية إسرائيلية سنوات 2007 و 2012 و 2014، مما ألحق أضرارًا بالغة ببنياتها التحتية المدنية وتسبب في خسائر فادحة. فقد تم اغتيال ما لا يقل عن 3793 شهيد فلسطيني، كما أصيب حوالي 18 ألفًا وتم تشريد أكثر من نصف سكان غزة، حسب نفس التقرير. كما تم الحاق أضرار بالغة بأكثر من 1500 مؤسسة تجارية وصناعية، إلى جانب حوالي 150 ألف وحدة منزلية وبنية تحتية عامة بما في ذلك الطاقة والمياه والصرف الصحي والمرافق الصحية والتعليمية والمباني الحكومية.

فالحصار الذي يقوده الكيان الصهيوني الامبريالي لقطاع غزة كلف الجانب الفلسطيني أكثر من 16 مليار دولار ودفع أكثر من مليون شخص تحت خط الفقر في أكثر من 10 سنوات، بحسب التقرير. ويشير تحليل الأونكتاد إلى أنه لو استمرت اتجاهات ما قبل عام 2007، لأصبح معدل الفقر في غزة 15 في المائة في عام 2017 بدلاً من 56 في المائة، في حين أن فجوة الفقر كانت ستصل إلى 4.2 في المائة بدلاً من 20 في المائة.

وحسب نفس التقرير دائما نما الاقتصاد في غزة، بين عامي 2007 و 2018، بنسبة تقل عن 5 في المائة، كما انخفضت حصته في الاقتصاد الفلسطيني من 31 في المائة إلى 18 في المائة في عام 2018. ونتيجة لذلك، تقلص نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 27 في المائة.
وقد انخفضت حصة الزراعة والتصنيع في اقتصاد غزة الإقليمي من 34 في المائة في عام 1995 إلى 23 في المائة في عام 2018، في حين انخفضت مساهمتها في التوظيف من 26 إلى 12 في المائة. وهذا يعوق أي تطور في اقتصاد غزة وقدرته على توسيع فرص العمل. وقد تفاقم الوضع في قطاع غزة منذ بداية سنة 2020 بسبب انعكاسات جائحة كوفيد 19.

ويقدر تقرير الأونكتاد أنه من أجل رفع سكان غزة فوق خط الفقر، سيتطلب ضخ أموال تصل إلى 838 مليون دولار، وهو الآن أربعة أضعاف المبلغ المطلوب في عام 2007. ولكن بدلاً من ذلك رأينا كيف سحبت إدارة دونالد ترامب في عام 2018، تمويلها لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا)، والتي تدعم خمسة ملايين لاجئ فلسطيني في غزة والضفة الغربية المحتلة ولبنان وسوريا والأردن.

تلك هي الصورة الاجمالية للوضع الكارثي الذي توجد عليه الطبقة العاملة الفلسطينية في قطاع غزة، والتي تتعرض لهجمات إجرامية متواصلة من قبل الكيان الصهيوني المغتصب، والذي يشكل قوة امبريالية جديدة مندمجة في اطار الرأسمال المالي العالمي ويهيمن من خلال هذا الوضع على الرأسمال الخليجي ويوظفه في اركاع كافة الدول العربية والمغاربية لارادته في صراعه ضد الكادحين في فلسطين. فالصراع الصهيوني الفلسطيني يشكل إذن جزء من الصراع الطبقي العالمي بين الطبقة الرأسمالية العالمية والبروليتاريا العالمية، وحيث نشهد مدى قوة مقاومة البروليتاريا الفلسطينية وصمودها رغم أوضاعها الكارثية. وحيث تتطلع الى دعم نضالي للحركة العمالية الأممية. فما هي الملامح العامة لمصدر قوة الكيان الصهيوني الامبريالي؟

الكيان الصهيوني رأس رمح الرأسمالية الامبريالية العالمية

يشكل العدو الصهيوني رأس رمح الرأسمالية الامبريالية العالمية، التي احكمت قبضتها على دول المنطقة بعد هزيمة الامبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى حينما باعت بريطانيا، التي سيطرت على المنطقة، بمقتضى وعد بلفور سنة 1916، فلسطين للإمبريالية اليهودية، التي كانت تمول حملاتها الاستعمارية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، محولة شعوب المنطقة الى عبيد مأجورين في خدمة شروط تراكم الرأسمال المالي العالمي، كما حولت حكام المنطقة الى عصابات وسماسرة لدى الشركات الرأسمالية الامبريالية وساعدتها على نهب كافة المقدرات الاقتصادية لشعوبها واستنزاف كرامتها واضطهاد كبريائها وتمريغ انفها في الوحل.

تفيدنا حنة آرندت في كتابها أسس التوتاليتاريا الصفحة 135 بالمعلومة التالية: كان الرواد في هذا التطور قبل الإمبريالي هم هؤلاء الممولين اليهود الذين كسبوا ثروتهم خارج النظام الرأسمالي وكانت الدول القومية النامية بحاجة إليها للحصول على قروض مضمونة دوليًا . "مع التأسيس الراسخ للنظام الضريبي الذي وفر حكومة أسلم للمالية، كان لدى هذه المجموعة كل الأسباب للخوف من الانقراض التام، فبعد أن كسبوا أموالهم لقرون من خلال العمولات، كانوا بطبيعة الحال أول من يُغري ويُدعى للعمل في توظيف رأس المال الذي لم يعد من الممكن استثماره بشكل مربح في السوق المحلية. ويبدو أن الممولين اليهود الدوليين مناسبين بالفعل لمثل هذه العمليات التجارية الدولية بشكل أساسي " . علاوة على ذلك، فإن الحكومات نفسها، التي كانت هناك حاجة إلى مساعدتها بشكل ما للاستثمار في البلدان البعيدة، تميل في البداية إلى تفضيل الممولين اليهود المعروفين على الوافدين الجدد في مجال التمويل الدولي، وكثير منهم كانوا مغامرين. (انظر الأصل الإنجليزي):

The pioneers in this pre-imperialist development were those Jewish financiers who had earned their wealth outside the capitalist system and had been needed by the growing nation-states for internationally guaranteed loans." With the firm establishment of the tax system that provided for sounder government finances, this group had every reason to fear complete extinction. Having earned their money for centuries through commissions, they were naturally the first to be tempted and invited to serve in the placement of capital which could no longer be invested profitably in the domestic market. The Jewish international financiers seemed indeed especially suited for such essentially international business operations." What is more, the governments themselves, whose assistance in some form was needed for investments in faraway countries, tended in the beginning to prefer the well-known Jewish financiers to newcomers in international finance, many of whom were adventurers.


وتضيف حنة آرندت في الهامش 34 ما يلي: من المثير للاهتمام أن المراقبين الأوائل للتطورات الإمبريالية يؤكدون بشدة على هذا العنصر اليهودي بينما لا يلعب أي دور في الأدبيات الحديثة. ومن الجدير بالملاحظة بشكل خاص، أن التطور الذي حققه ج. أ. هوبسون في هذا الصدد هو أمر مهم للغاية في الملاحظة والصدق الكبير في التحليل. في أول مقال كتبه حول موضوع "الرأسمالية والإمبريالية في جنوب إفريقيا" (في مراجعة معاصرة، 1900)، قال: "معظم (الممولين) كانوا يهودًا، لأن اليهود بامتياز هم الممولين الدوليين، وعلى الرغم من أنهم يتحدثون الإنجليزية، فإن معظمهم من أصل قاري ... ذهبوا إلى هناك من أجل المال، وأولئك الذين جاءوا مبكرًا وكسبوا فإن معظمهم عادة ما سحبوا شخصياتهم، تاركين أنيابهم الاقتصادية منغرسة في جثة فرائسهم. لقد ثبتوا على الراند ... لأنهم مستعدون للتثبيت في أي بقعة أخرى على الكرة الأرضية. ... هم مضاربون ماليون، في المقام الأول، يأخذون مكاسبهم ليس من ثمار الصناعة الحقيقية، ولكن من خلال البناء والترويج والتلاعب المالي للشركات ". لكن في دراسة (الليزر) عن الإمبريالية لكتاب هوبسون، لم يتم حتى ذكر اليهود. حيث تحول الى أن تأثيرهم ودورهم كانا مؤقتين وسطحيين إلى حد ما. (أنظر النص الإنجليزي):

It is interesting that all early observers of imperialist developments stress this Jewish element very strongly while it hardly plays any role in more recent literature. Especially noteworthy, because very 1-diable in observation and very honest in analysis, is J. A. Hobson s development in this respect. ln the first essay which he wrote on the subject, "Capitalism and imperialism in South Africa" (in Contemporary Review,. 1900), he said: "Most of (the financiers) were Jews, for the Jews are par excellence the international financiers, and, though English-speaking, most of them are of continental origin. . . . They went there (Transvaal) for money, and those who came early and made most have commonly withdrawn their persona, leaving their economic fangs in the carcass of their prey. They fastened on the Rand . . . as they are prepared to fasten upon any other spot upon the globe. . . . Primarily, they are financial speculators taking their gains not out of the genuine fruits of industry, even the industry of others, but out of construction, promotion and financial manipulation of companies." In Hobson s laser study Imperialism, however, the Jews are not even mentioned- it had become obvious in the meantime that their influence and role had been temporary and somewhat superficial.

تصور وسائل الإعلام التي تخضع لتمويل الرأسمال المالي العالمي، بأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مثل جميع النزاعات، له صلة بالعرق والدين والثقافة، وأن هذه المشاعر لها أحوال وتقلبات. كما أن المحرضون الرئيسيون لمثل هذه المشاعر هم القيادات من مختلف النزعات - مسؤولو الدولة الصهيونية، وجنرالات الجيش، والشخصيات الروحية والأيقونات الدينية - الذين تؤدي حوافزها للمواجهات إلى نتائج مختلفة. في هذا الاطار، يتم التحول من السلام النسبي إلى الحرب الشاملة خاصة من قبل اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي قرر، بقيادة بنيامين نتنياهو وأرييل شارون، إخراج اتفاق أوسلو الهش للسلام لعقد التسعينات عن مساره من أجل مواصلة الاستيطان في إسرائيل الكبرى.

وإذا كان العرق والدين والثقافة تشكل احدى ادوات الهيمنة الرأسمالية في عالمنا اليوم، إلا أنها لا تستطيع تفسير تطوره بشكل كافٍ. فالكيان الصهيوني هي دولة رأسمالية امبريالية في عالم رأسمالي، تشكلت في رحم التوسع الرأسمالي الامبريالي حيث حققت تراكمها البدائي من عائدات الاستعمار المباشر كعمولات وبالتالي فإن تاريخها - بما في ذلك صراعها مع الفلسطينيين - يجب أن يحلل ضمن السياسات الامبريالية الجديدة للتراكم الرأسمالي، محليا وعالميا، وأن عدوانها على الفلسطينيين هو عدوان طبقي في جوهره تتم التغطية عليه بصراعات عرقية ودينية وثقافية.
وتشكل الصهيونية العالمية طبقة رأسمالية امبريالية عالمية مندمجة في الرأسمال المالي العالمية حتى قبل غزو فلسطين واستعماره تدريجيا. ومع تأسيس الكيان الصهيوني سنة 1948، انطلق التراكم الرأسمالي المحلي لهذه الطبقة عبر التسلح والحرب، فجميع الحروب التي خيضت منذ سنة 1948 مع الدول العربية المجاورة شكلت مجالا للتمويل وتطوير الأسلحة والتكنولوجيات المرافقة. ومنذ عقد السبعينات تشكل تحالف من داخل هذه الطبقة بين ما يسمى بالبيترو دولار والسلاح دولار الذي حقق تعهده للحروب، انفراجات الى حد ما في الازمة الاقتصادية المتفجرة آنذاك المعروفة بتسمية تضخم الجمود، وقد حقق هذا التحالف الذي ضم كذلك طبقة الرأسمال المالي الخليجي، للكيان الصهيوني نوعا من النمو الاقتصادي السريع قي الوقت الذي يتم فيه استغلال اليد العاملة الفلسطينية الرخيصة ومعاناتها.

خلال عقدي الثمانينات والتسعينيات، وفي ظل ما يسمى بالنيوليبرالية الامبريالية شهد الاقتصاد السياسي العالمي للكيان الصهيوني تحولات جذرية. حيث كان له جانبان حاسمان. الجانب الأول تمثل في ارتقاء الشركات المحلية الى شركات عبر الوطنية للملكية، وهي عملية كان لها تأثير دمج النخبة الضهيونية المحلية في الطبقة الرأسمالية العالمية. الجانب الثاني تمثل في التغيير الذي حدث في طبيعة تراكم رأس المال. حيث تضمن هذا التغيير تحولا من "أرباح الحرب" إلى "مكاسب السلام"؛ من نظام يتسم اسميا على الأقل بالصراع والحرب إلى نظام قائم على التكنولوجيا العالية ودمج الشركات.

ويشكل هذان التغييران عناصر اساسية لفهم السياسات المحلية والإقليمية للكيان الصهيوني - مرتبطين بتحولات عالمية. حيث يتفق معظم المحللين على سماته االنيوليبرالية الثلاث، أي تراجع تدخل الدول بالنسبة للأسواق أولا. وأن العولمة وإلغاء الضوابط والتحولات التقنية ساهمت مجتمعة في زيادة المنافسة الدولية، ثانيا. وأنه نتيجة لتراجع الدول والعولمة والتغيير التقني المكثف، اخذ العالم يتجه نحو نظام أكثر فوضوية؛ وهو نظام رأسمالي شبيه برأسمالية القرن التاسع عشر، حيث تم تقويض السلطة المباشرة - قوة كل من الدولة والأعمال - من قبل قوى السوق الهيكلية. لكن رغم الانتشار الواسع لهذه السمات بين المحللين، الا انها لا تخلو من عيوب.

فخلال التسعينيات، كان أحد المؤشرات الشائعة عن تراجع الدولة في الاقتصاد هو الانخفاض الكبير في عجز الميزانية في جميع أنحاء العالم. وقد اشارت هذه المؤشرات الى أن عجز الميزانية، على الصعيد العالمي، انخفض من 5.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في منتصف الثمانينيات إلى 1 في المائة في أواخر التسعينيات.

ولكن عجز الميزانية هو مجرد فرق بين الضرائب والإنفاق، فبينما تراجع هذا الاختلاف بالفعل، الا أن النفقات العامة للحكومات، التي تُقاس بحصة الإنفاق الاستهلاكي الحكومي في الناتج المحلي الإجمالي، ظلت مستقرة، ثم ما لبثت أن بدأت في الارتفاع.

وعلى العموم فإن الدولة تختلف عن الحكومة، حيث يشير مفهوم الدولة إلى تنظيم واحتكار القوة والسيطرة على العنف في المجتمع، طبعا كأداة بيد الطبقة الحاكمة، ومن هذا المنظور الأوسع يصعب الحديث عن تراجع الدولة.

بالنسبة للمسألة الثانية وهي أن العالم أصبح أكثر قدرة على المنافسة، وإذا كان عقد التسعينيات قد تميز بتكامل ثقافي - إيديولوجي رأسمالي كبير، وبتحرير واسع للقطاع العام وبتغيير تقني. فما هو أقل وضوحًا هو مدى تأثير هذه التغييرات على المنافسة؟ فحسب العديد من المؤشرات الإحصائية فإن المنافسة في الواقع انخفضت بشكل مستمر أو أكثر طوال النصف الثاني من القرن العشرين. فخلال هذه الفترة، ارتفع سعر التصنيع بأكثر من 1/3 - من 45 في المائة في الأربعينيات إلى 60 في المائة في أواخر التسعينيات. وفي قطاع المراكز التجارية الدولية، ارتفعت هوامش الربح من 45 في المائة في الستينيات، إلى 60 في المائة في أوائل التسعينيات، وإلى ما يقرب من 80 في المائة في أواخر التسعينيات. (أنظر في هذا الصدد، جونتان نيتزان وشيمشون بيشلر، الاقتصاد السياسي الرأسمالي الإسرائيلي العالمي)

وإذا كان الكثيرون يعتبرون أن قطاع الاتصالات المتكاملة الأكثر عالمية و تنافسية من بين جميع القطاعات، الا أن البيانات المتوفرة تشير إلى أنه على الرغم من العولمة وإلغاء الضوابط والتغيير التقني، فقد تناقصت المنافسة في الواقع. ففي ظل ما يسمى بالعصر النيوليبرالي في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي لم يحدث تراجع الدولة في الواقع ولم يترك العالم الرأسمالي المنافسة الاقتصادية "لليد الخفية" تبعا لمعتقدات آدم سميث. بل راكمت الدولة قوتها المباشرة بشكل واضح، وإن كان ذلك بأشكال مختلفة. فكانت فترة التسعينيات على وجه الخصوص بمثابة مرحلة انتقالية، لكن هذا الانتقال لم يكن يعني نهاية السلطة المباشرة للدولة، ولكن تحولها. كانت هناك، على وجه التحديد، إعادة تنظيم آليات الهيمنة الامبريالية الجديدة على توازن القوة بين الدولة وداخل مجموعات رأس المال المهيمنة في العالم.

استطاع هذا التحول الامبريالي النيوليبرالي الجديد تكييف الجوانب المتغيرة للسلطة خلال عقد التسعينيات. حيث افرزت الأشكال الجديدة للتراكم الرأسمالي بتركيزها على استنزاف قوة العمل للطبقة العاملة في بلدان الجنوب وتحقق حصصا من الأرباح العالمية لمجموعتين من الشركات، تتكون المجموعة الأولى، من تحالف الأسلحة-دولار –والبيترو-دولار، من مقاولين عسكريين وشركات نفطية رائدة. بينما تتكون المجموعة الثانية، من تحالف الاقتصاد الجديد، يضم شركات التكنولوجيا الفائقة، سواء الأجهزة أو البرامج.

خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، كان التراكم الرأسمالي الصهيوني موجهًا نحو الصراع وكان يسيطر عليه تحالف الدولار-السلاح والدولار-البترول. والذي استفاد بشكل أساسي من اقتصاد الحرب العالمية والحروب اللاحقة ومن عملية ضخمة لإعادة التوزيع التضخمي. وفي ذروة الثمانينيات، عندما تجاوز الإنفاق العسكري 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بلغ متوسط التضخم العالمي 30 في المائة، حصدت الشركات في هذا التحالف أكثر من 20 في المائة من جميع أرباح الشركات العالمية.(المرجع السابق)

لكن هذا الوضع سيتغير مع بداية عقد. حيث تراجعت أرباح الحرب وبدأ السياسيون ورجال الأعمال البارزون في الحديث عن ما يسمى "بأرباح السلام". كان هناك تحول ملحوظ نحو رؤوس أموال مشاريع المعلومات المدنية والاتصالات السلكية واللاسلكية من ناحية، ونحو حركة رأس المال والأسواق الناشئة وعمليات الدمج والاستحواذ من ناحية أخرى. وقد قاد هذا التحول تحالف الاقتصاد الجديد. نتيجة لهذه العمليات، حقق تحالف الاقتصاد الجديد، بحلول نهاية التسعينات، ما يقرب من 15 في المائة من جميع الأرباح العالمية، مقارنة بـ 3 في المائة فقط لشركات التسليح والنفط.
ومع بداية الالفية الجديدة بدأ منعطف جديد في طور التشكيل، تراجعت خلاله عمليات اندماج الشركات والتكنولوجيا الفائقة لصالح إعادة تنشيط أرباح النفط وأرباح التسليح والحرب، وقد تزامن ذلك مع عودة افتعال التوترات والحروب في العديد من مناطق العالم في ظل ما يسمى بالحرب على الإرهاب الذي دشنه جورج وولكر بوش بغزوه لأفغانستان سنة 2001 وبعد ذلك للعراق سنة 2003 وعودة عمليات الاستيطان الصهيونية بقوة في الأراضي الفلسطينية وفي اقبار تام لأوفاق السلام لأوسلو وعمليات غزو جنوب لبنان.

ما تمت الإشارة اليه الى حد الأن يفسر نسبيا التوجه الامبريالي الصهيوني الجديد بالموازاة مع منعطفات أزمة نمط الإنتاج الرأسمالي والسياسات الامبريالية الجديدة لبناء شروط تراكم جديدة وحيث لاحظنا كيف انتقل الكيان الصهيوني من أرباح الحرب إلى مكاسب السلام، ثم العودة من جديد منذ بداية الالفية الثالثة إلى اقتصاد الحرب والصراع وهو في الواقع جزءًا من تحول امبريالي عالمي أكبر بكثير.

ويتمثل الجانب الأول من الرأسمالية الإسرائيلية الامبريالية الجديدة في التطور نحو مركزية عالية للشركات. فبحلول نهاية التسعينيات، بعد عقد من إعادة الهيكلة المحمومة، أصبح رأس المال الإسرائيلي ليس أكثر تركيزًا من أي وقت مضى فحسب، بل أصبح أيضًا مندمجًا بعمق مع المستثمرين الأجانب والشركات متعددة الجنسيات والجريمة المنظمة، (حيث ارتبط سياسيون مثل آرييل شارون وبنيامين نتننياهو وإيهود باراك وأفيغدور ليبرمان، على سبيل المثال، بالجريمة المنظمة وبالأوليغارشية الروسية مثل فلاديمير جوسينسكي وليف ليفيف، ومن المحتمل أن تكون الفضائح التي تحيط بعلاقاتهم المختلفة مجرد غيض من فيض – (راجع، جونتان نيتزان وشيمشون بيشلير، الاقتصاد الرأسمالي العالمي لإسرائيل) . فمن بين 652 شركة مدرجة في قائمة بورصة تل أبيب في عام 1999، كانت 82 تحت سيطرة خمس مجموعات مهيمنة كليًا أو جزئيًا. وشكلت القيمة النسبية لهذه الشركات البالغ عددها 82 شركة ما يصل إلى 41 في المائة من إجمالي رسملة السوق. كما أن باقي السوق كان شديد التركيز أيضا. وقد استحوذت خمس مجموعات تالية، بعد الخمسة الأوائل والحكومة، على 7 في المائة الأخرى من السوق.

في الواقع، تم تسهيل تحول السلطة في الكيان الصهيوني إلى حد كبير من خلال التعايش العميق بين رأس المال والدولة، في اطار النظام المعتمد سابقا أي في ظل اقتصاد الحرب المتواصلة. فقد ظلت دولة الكيان الصهيوني متورطة بشكل مباشر في دعم شروط التراكم، من خلال مشاركتها بطرق مختلفة، بما في ذلك الإنفاق العسكري والسياسة النقدية التضخمية ومدفوعات التحويل والادارة المباشر للعمليات. أما في ظل نظام "التكنولوجيا الفائقة" الجديد، الذي اعقب النظام السابق خلال عقد التسعينيات فقد تراجعت هذه الأشكال من المشاركة واستعيض عنها بالدور غير المباشر للدولة في تأمين حقوق الملكية الفكرية. وقد اتسم عقد التسعينيات أيضا بتزايد انتشار قوة الشركات الصهيونية عبر الوطنية. ففي عام 1998، ارتفعت الملكية الأجنبية إلى أكثر من 14 في المائة من سوق الأوراق المالية في تل أبيب، بعد أن كانت 3 في المائة فقط قبل خمس سنوات فقط. وفي أقل من عقد من الزمان، استقبل الكيان الصهيوني سيلا من المستثمرين الأجانب، من الأفراد والمؤسسات، والمحافظين والمغامرين، والمحترمين والمجرمين، جذبتهم احتمالات السلام ورائحة مكاسب السلام. حيث أدى هذا السيل، الذي رحب به رأسمال الصهيوني المهيمن، إلى تغيير طبيعة القوة بشكل جذري. (المرجع السابق)

فقد أصبحت معظم الشركات المحلية الرائدة في الكيان الصهيوني تحت سيطرة الأجانب جزئيًا أو كليًا. وتشمل شركات مثل Barak و Cellcom و Class-Data و Coca-Cola-Israel و Cromatis و Elron و First-International-Bank و Dead-Sea Corp. و Gilat و Golden-Lines و Intel-Israel و Partner و Paz و تيلراد وغيرها. وهي شركات مملوكة / مسيطر عليها رأس مال أجنبي. بالإضافة إلى هذه الحيازات الأجنبية المباشرة، قام مستثمرون عالميون أيضًا بزيادة ملكيتهم غير المباشرة من خلال عمليات الاستحواذ المتنوعة على المحافظ عن طريق المعاشات التقاعدية والصناديق المشتركة والتحوط. وفي الوقت نفسه، قامت بعض الشركات الصهيونية الأسرع نموًا - في مجال التكنولوجيا المتقدمة بشكل أساسي - بإدراج أسهمها في الخارج وسرعان ما أصبحت مملوكة لأجانب. وهناك بعض العناوين المعروفة تشمل Teva و Comverse و Amdocs و Check-Point، كما أن هناك المئات من الشركات الأخرى التي اتبعت خطواتها.

لكن الجانب الأكثر أهمية في هذه العملية هو إضفاء الطابع عبر الوطني على رأس المال الصهيوني المهيمن نفسه. وبحلول أواخر التسعينيات، كانت مجموعتان من المجموعات الخمس الكبرى - أريسون وكور - في أيدٍ أجنبية فعليًا. فعندما اشترى الأجانب الأصول المحلية، وحصل الرأسماليون الصهاينة على أصول أجنبية، كان التأثير المشترك هو نزع الطابع الوطني عن الطبقة الرأسمالية الإسرائيلية. ففي أقل من عشر سنوات، أصبح الرأسماليون الصهاينة جزءًا من طبقة رأسمالية عابرة للحدود. وهذا الاندماج العضوي للرأسمال الصهيوني بالرأسمال المالي العالمي وتلاقحه مع الرأسمال المالي الخليجي يفسر اتجاهات السياسات الامبريالية الجديدة المتناغمة مع السياسات الصهيونية.

لكن هذا الواقع الجديد لا يخلوا مع ذلك من تناقضات، فمن جهة بدأت الحزمة الصهيونية تتفكك، حيث حرم السكان اليهود المحليون، من مشاريع وطنية، فاصبحوا يواجهون الأمر الواقع القاسي للنيوليبرالية. وبالمثل، وجد الفلسطينيون، الذين شغلوا في السابق مقابل رخص قوة عملهم، أنفسهم في مواجهة قوة عمل عمال أرخص تم استيرادهم من باقي أطراف العالم.

المقاومة والصراع الطبقي

رغم هذا التناقض الصارخ في قوة أطراف الصراع الصهيوني الفلسطيني، بين رأسمال مالي امبريالي صهيوني جديد استطاع تجنيد كافة الوسائل لصالحه وفي تهجين الرؤساء والملوك العرب وجعلهم ضد القضية الفلسطينية، وطبقة عاملة فلسطينية محاصرة في مساحات أرضية ضيقة بقطاعي غزة والضفة الغربية ومفقرة الى أقصى درجة وتفتقد لأدنى مقومات الحياة الكريمة، فرغم كل هذا التناقض، يبدو ان إرادة المقاومة والصمود العمالي الفلسطيني ستنتصر آجلا أم عاجلا.

فالأشياء لا تدوم على حالها كما سبق ان قال هيرا كليت بأن كل شيء يتغير ويتحول مع الزمن بفعل التناقض والديالكتيك (حيث لا يمكنك ان تستحم في النهر مرتين) وحيث أن ما يبني على استعمال القوة فانه ينتهي ايضا تحت استعمال قوة مضادة وحيث تقوم سيرورة الصراع الطبقي محليا وعالميا على ثنائية الاستعباد والتحرر، فإن الانتصار الأكيد سيحقق اتحرر مع تبخر غشاوة الاغتراب عن اعين الجماهير الكادحة وتتأكد من أن عدوها واحد، وهو حاليا نمط الإنتاج الرأسمالي الامبريالي الجديد وان آلياته منذ ظهور هذا النمط في بداية القرن الثالث عشر هو الاستعمار العسكري المباشر في البداية لتحقيق التراكم الرأسمالي البدائي أولا ثم الانتقال الى الهيمنة الامبريالية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية ثانيا.

وقد شكل المشروع الصهيوني لهرتزل في أواخر القرن التاسع عشر الذي بني على خرافات دينية وهمية لا وجود لها في التاريخ المادي والاركيولوجي العلمي المعروف، مشروعا رأسماليا امبرياليا للهيمنة على قلب العالم، وهي المنطقة المتمثلة في منطقة الشرق الأوسط الكبير ووسط آسيا لأنه حسب الاستراتيجية الامبريالية "من يهيمن على قلب العالم يهيمن على العالم" كما سبق للجغرافي السياسي الأمريكي ماكيندر ان اعلن منذ بداية القرن العشرين. فالتوسع الصهيوني في الشرق الأوسط هو إذن توسع امبريالي مكشوف على حساب شعوب المنطقة ومن اجل اغتيال حكامها أو تدجينهم واستعبادها او ابادتها ان قاومتها كليا كما يفعل الكيان الصهيوني حاليا بالشعب الفلسطيني.

فالمقاومة الفلسطينية اليوم وهي رأس رمح الصراع الطبقي العمالي العالمي في مواجهة الطغيان الصهيوني الامبريالي الرأسمالي، وهي حقيقة لا يجب ان تغيب عن اذهان الملايير من العمال عبر العالم وأن أي دعم للمقاومة الفلسطينية هو نضال عمالي عالمي ضد الرأسمالية الامبريالية الصهيونية. وكما خاطب سابقا نايف حواتمة الشعوب العربية بأن افضل خدمة تقدمها للشعب الفلسطيني هي الثورة على أنظمتها الرجعية المحلية نظرا لتحول هذه الأخيرة من ممثلة لشعوبها الى خادمة للإمبريالية الرأسمالية الصهيونية، فهي بالضرورة معادية لطموحات شعوبها وتطلعهم للتحرر والانعتاق من الاضطهاد الرأسمالي الامبريالي الصهيوني.

لقد استطاع الشباب الفلسطيني الكادح المنزوع السلاح، ان يقهر بارادته ومقاومته القوة النارية والعسكرية الأرضية والجوية للكيان الصهيوني، كما استطاع فضح حكام العرب جميعا ونفاقهم، وجعل شعوب العالم تنزل الى الشوارع لفضح الفاشية الصهيونية. ان دعم المقاومة الفلسطينية من خلال نزولنا الى الشوارع في مظاهرات عارمة كفيلة بقلب كافة الموازين واحداث تحول نوعي في الوعي وفي الوقائع السياسية المصطنعة، فلننزل الى الشارع اذن جميعنا وفي كل مكان من العالم، لهزم الغطرسة الرأسمالية الامبريالية الصهيونية.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير