ضد ال DNA

المنصور جعفر
2021 / 5 / 18

هل بالإمكان تجزئة المجتمع وفق اثنياته وهو متمازج الثقافات؟
وهل بالإمكان تفريق ثقافاته وهو متداخل ومتعايش؟
هل يقود فرز القوميات والثقافات إلى تحقيق تنمية متوازنة وعدالة سياسية؟
ما هو هدف الفرز وعياره وماهي السلطة التي تديره؟

1- "الهوية" والمجتمع والدولة:
اصطلاح "الهوية" إصطلاح إشكالي، مأزوم المنطق، كونه متنوع لايتحدد بعنصر واحد، إلا في ذهن المتكلم عنه وفي لحظة معينة ومن ثم لا يمكن الإعتماد على كلمة "الهوية" لفرز قوميات أو ثقافات مجتمع، فكل مجتمع إما متمازج القوميات أو الثقافات، علاوة على تمازجاته الأخرى: السكن، الأعمال، الأجيال، الذكورة والأنوثة، اللغات، العقائد، ..إلخ.

2- تلازم وتنافر الهوية الطبقية للتحليل الثقافي أو الهوية الثقافية للتحليل الطبقي:
(أ) بعض موجبات التحليل الثقافي للهوية:
1- توكيد فاعلية بعض العوامل والعلاقات والبنى الحياتية والذاتية، وبيان جزء من سيروراتها وتقدير تأثيرها على مجتمعاتها،
2- الإهتمام ببعض فئآت المجتمعات، ودرس طبيعة وجودها والتعامل مع بعض شؤونها،
3- تنبيه الحركة السياسية إلى التعامل مع مستويات نظرية ووجدانية تقوي أو تضعف بعض القضايا العامة.

(ب) بعض سلبيات التحليل الثقافي للهوية:
1- لأسباب طبقية وسياسية أو ذاتية أو إستعمارية تهمش بعض التحليلات الثقافية لأوضاع المجتمعات المسألة الطبقية ومسألة الوجود الوطني في العالم، وفي صورة إنتقائية تتعامل مع بعض عناصر أو سمات "الهوية" أو مع رواكزها.
2- خلل توازن بعض التحليلات بغلبة أو ضعف التعامل مع بعض عناصر الثقافة كـ: البيئة، المهنة، الجيل، اللغة، العقائد، الجماليات، الطعام، أسلوب المعيشة، الطقوس، الملابس، الجنس، والعنصر الإثني، ومن ثم بشكل عفوي أو بقصد تأخذ بعض أجزاء كل تحليل ثقافي سمة تعميمية أو جزافية تعبر عن إجمال وجداني ورغبة أو تصور ذاتي، أكثر من تعبيرها عن حقيقة موضوعية.
3- إنتقائية وذاتية وضيق النمط القديم من التحليل الثقافي من حيث إرتباطه العفوي بإحتقار النساء وتعظيم بعض العشائر والشعوب، وفضل السودان على البيضان، إلخ، كذلك إرتباط بعض التحليلات الثقافية الحديثة المصقولة أكاديمياً وإعلامياً ببعض النزعات والتيارات القومية أو الشعوبية، وبالسياسة الإثنوثقافية التمركز المعادية للتحليل الطبقي الساكتة عن خطر التوسع الإمبريالي.

(ج) التحليل الثقافي سكين ذو حدين:
رغم إن التحليل الطبقي أكثر عمقاً في مسألة الإقتصاد السياسي لنظم الاستغلال والتهميش والتحرر الوطني من السيطرة الإمبريالية لكن سمة "السياسة الإثنوثقافية" التي يعممها "التحليل الثقافي" تجعله سكيناً ذو حدين فهي سياسية تكسبه حيوية إجتماعية سياسية وإعلامية في ظروف معينة خاصة بالنسبة لبعض المجتمعات المهمشة، وفي ظروف أخرى فإن نفس مزية السياسة الإثنوثقافية وسياسة الهوية قد تجعل بعض التحليلات الثقافية المتغطرسة سلبية إزاء تحليلات ثقافية أخرى إو إزاء التحليلات الطبقية المركز.


3- عنصرية تأصيل البشر بصبغتهم الوراثية:
كل البشر ينتهون لأصل إفريقي، والفروق الشكلية الحاضرة بين الناس ناتجة من اختلاف جيني 1%، ومن ثم من غير الموضوعي الكلام عن فرز البشر وفق صبغتهم الأولى أو الأخيرة فكل صبغة لا تعني شيئاً ثقافياً أو سياسياً إلا في إطار التطهير النازي ، .


4- عبثية العنصرة في زمن العولمة:
في التراث العربي ان السيدة هاجر (أم العرب)، من مصر، وبالتالي هي إفريقية، وإن أم موسى كوشية (من ممالك كوش)، لذا كثير من العرب ومن اليهود من أصل إفريقي، وأوصاف المسيح إفريقية، وكل قارة إفريقيا، وكثير من مجتمعات أميركا اللاتينية، بل قل ان العالم كله إفريقي، فما هي الفائدة العملية العامة أو الوطنية من هذا السمت؟ لكن لاشك في وجود عملية سياسية نشطة منذ أيام الفرس أو الروم لفرز أو لتجميع الناس، تحت رايات قومية أو إثنية، يختلف التلاعب بها.


5- الإثنية وإضعاف تحليل أهم مكونات مجتمعها:
أهم مكون في معيشة المجتمعات هو العمل وفي المجتمعات المتعددة السحنات والثقافات تجد إن كثير من الكلام السياسي الإثني يرادف إضعاف الكلام النقابي، إضعاف، الكلام الطبقي، وإضعاف الكلام الوطني. لذا بشكل عام يمكن القول إن إضعاف هذه العوامل لا يقوي وجود إثنية بل يجعل الإثنية نفسها بلامقومات وجودية غير مظاهر سطحية.


6- لماذا؟
في الأزمات الإقتصادية يكثر الكلام عن الفرز العرقي والطائفي بوسني عن صربي، فارسي عن عربي؟ أو فريقي عن إفريقي؟ أو إفريقي عن عربي؟ كردي عن غيره، تركماني عن غيره. من هذا التقسيم الضار بوحدة الإمكانات يثور سؤآل: ماذا تستفيد دولة من وضعها في محاصصة إثنية النخبة دون محاصصة طبقية في القاعدة؟ أي في رأس المال؟

تاريخاً كانت كثير من جذور العنصرية في العالم جذور طبقية، تمثلت في كل بلد باستولاء مجموعة من إثنية معينة على مقاليد السلطة والثروة، كما حدث في السودان مع التمكين الأول عام 1504 ثم تمازج عشرات ملايين سكانه وإن كان ذلك التمازج لم يجد إحتراما من آيديولوجيا النخبة الحاكمة في الاقتصاد السياسي للدولة وكل اهراماتها العسكرية والحكومية والتجارية.


7- الـ "DNA" ليس المجتمع:
تكون التفكير بعد تكون المخ، ومن ثم يمكن القطع بأن الهوية الثقافية تكونت بعد إكتمال تحول الـ "DNA" إلى جسم بشري وتحول الأجسام البشرية وتفاعلاتها إلى خبرات إجتماعية وثقافة.
ضد هذه البديهية تحدث محاولات لتذويب التحليل الثقافي وتحويله إلى حالة عنصرية تفرز الناس وفق صبغة أعراقهم، وضد هذه العرقنة وويلاتها من المهم التنبيه إلى أن الـ "DNA" كون طبيعي خام، حيواني شبه نائم في أعماق أ جسام البشر، وهو علامة فصائل وقطعان لاعلامة وجود إنساني، فالإنسان اليومي ومجتمعه و رقيه أو عنصريته ليس ابن الـ "DNA" بل إبن ثقافة بيئته.


8- العنصرية والهوية:
اختلافات الهوية لاتلغي العنصرية، وحدة العنصرية لا تلغي عوامل الهوية الجامعة لعدد من القوميات.

كل هذه الإحتلافات والروابط بين العنصرية العرقية أو الثقافية و"الهوية" تزيد الاختلاف حول ضرورة توكيد أو تغيير مكونات اصطلاح الهوية وكذا يزيد الآختلاف حول صحة وأهداف إستعماله.

في هذا الخضم السياسي الخطير بين عوامل الهوية والعنصر والقومية والثقافة، تظهر أهمية التحليل المادي لأوضح عوامل المعيشة وهو "العمل المنظوم"، وفحص طبيعة الوجود الإجتماعي من خلاله أي من أسس وآثار الإنتاج، لا الدخول في مثنوية البيضة والدجاجة، والعرق والثقافة.


9- ديكتاتورية السوق:

(أ) ما هي "ديكتاتورية السوق"؟
"ديكتاتورية السوق" هي تسمية للواقع الموضوعي لسياسات حرية التملك والتجارة، ورسمها على وزن "ديكتاتورية البرجوازية" و "ديكتاتورية البروليتاريا". ومعنى "ديكتاتورية السوق" هو تحكم تماسيح السوق في معيشة غالبية الكادحين، غض النظر عن هوياتهم أو ثقافاتهم أو عرقهم، إلخ.

(ب) تعاشق السوق والعنصرية:
في العالم أو في مجتمع مفرد منه، كأسلوب لتحكم النخبة البرجوازية في غالبية المجتمع، تقوم النخبة أو النخبة الضد بتبديل مسألة الهوية بمسألة القومية أو مسالة القومية بمسألة العنصرية وقد تبدل العنصرية والقومية بمسألة الثقافة أو الثقافة بالعنصرية أو الإثنين بالقومية أو بالطائفية أو بالعشائرية أحياناً في شكل ممارسة معيشية تجارية وأحياناً في شكل إداري وسياسي فج، ويحدث كل تبديل حسب مصلحة النخبة الحاكمة وتوازن القوى داخل هيئاتها.


10- إنهاء ديكتاتورية السوق:
(أ) منع العنصرية بمنع حرية التجارة:
يؤدي التمكين السياسي التجاري لنشوء حالة تعالي في جزء من المجتمع تؤسس لعنصرية، أيضاً يؤدي التمكين العنصري لنشوء حالة تمكين سياسي وتجاري. وكسر حالتي التمكين العنصري والتجاري وسياسات وسلبيات كل منهما، مهم وقف ديكتاتورية السوق ومنع تحكم تماسيحه في قرارات حكومة ومعيشة وظروف غالبية الناس.

(ب) البديل : تنمية متوازنة وديمقراطية شعبية:
الأساس الوحيد لإنهاء وجهي ديكتاتورية السوق في العالم وهما: الوجه العسكري الرئاسة والوجه المدني الليبرالي الرئاسة هو كسر علاقة التحكم الطبقي والتمييز العنصري، بالتنمية المتوازنة ذات الديمقراطية الشعبية المتكاملة، والثورة المحققة لهما.

"الديموقراطية الشعبية":
1- تختلف عن الديمقراطية الملتبسة في غالبية دول العالم، ديموقراطية تماسيح السوق وزعماء العشائر والطائفية وعتاة الفساد المجرب فشلها مرات ومرات في دول العالم الثالث، بل هي نظام حكم ذو مزيتين تعاونيتين مترابطتين عبر البرلمان وعبر مجلس الوزراء المنتخبين من قواعد السكن ومن قواعد العمل وعبر الحياة العملية. وهما تعاون سياسي وتعاون إقتصادي سياسي،

2- أهم معالم الديموقراطية الشعبية هو نظامها البرلماني بمجلس/برلمان تمثيل مباشر متكامل يحضر لكل ضلع من أضلاع الحياة السياسية: (1) ضلع الأحزاب السياسية، (2) ضلع قوى العمل: (رعاة، زراع، حرفيين وعمال، مهنيين)، (3) ضلع مجتمعات العمل العام (المجتمع الأكاديمي، مجتمع تنظيمات النساء، مجتمع المعاشيين، مجتمع تنظيمات الشباب، م الاعلاميين، المجتمع العسكري، الديبلوماسي إلخ) + ضلع الأقاليم.

3- تحقق وتزيد التعاون الاقتصادي السياسي: في مجالات العمل والإنتاج بسيطرة التعاونيات والشراكات على طبيعة تقسيم الموارد، وبإقتسام الموارد داخل كل مجال حسب حاجات العاملين الأولية و جهدهم في العمل، وحسب حاجات وحدة الانتاج والدولة، وأيضاً بقيام مسؤولي كل مجال بإنتخاب مديريهم صعودا من كل قطاع عمل إلى انتخاب وزيره في مجلس الوزراء.

4- تكامل قيم المساواة في الحقوق السياسية مع قيم المساواة في موارد العمل، وإنهاء التمييز التجاري يخفض أسس الأنانية التجارية والتمييز العنصري اللازم لتجديدها بحكم قرابة/اثنية التاجر أو السياسي. فبإلغاء حرية التجارية في الاقتصاد والمعيشة ينعدم تمايز الملكية وتتحقق مساواة الكفاف ويتحرر غالبية الناس من بؤس بسيطرة النخبة التجارية، وينشأ تمايز جديد كريم وصحي بين الناس على أساس التعلم والعمل وآخر ثقافي و مجتمعي أساسه إثراء حياة الناس أو التضحية بمصلحة شخصية لتحقيق منفعة اجتماعية.

5- إن كلام "الهوية" والـ "DNA" لا يلغي العنصرية، وإن خفضها في سياق زادت في سياقات أخرى، فبدون تحقيق تنمية متوازنة وديموقراطية شعبية تنمو العنصرية وتنتشر وتتفاقم داخل المجتمع والدولة أو على نطاق العالم حيث توجد أديان أو مذاهب مفضلة، وإثنيات أو مجتمعات تفضلها الإثنية الأقوى في رأس المال العالمي، أو إثنيات أورثها الله الأرض!



الخلاصة:
يحتاج تحقيق الحرية والسلام والعدالة إلى العقلانية الإجتماعية ذات DNA ثوري إشتراكي، وهي عقلانية بروليتارية الأساس والهدف ضد البرجزة وحرية الأنانية التجارية كأسس للعنصرية. تنقل هذذه العقلانية كلام "الهوية" من حالة الـ "DNA" الخام وتخديمه بعنصريات الفرز العرقي الزاعمة مناهضة الأدلجة القومية في مجتمع واحد دون إلغاء الأسس الطبقية للعنصرية، تنقله إلى الأسلوب المادي أي الموضوعي المتكامل في فهم التاريخ كمجتمع وثقافة ووالتعامل بموضوعية مع كل تحليلاتهم.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا