في اليوم العالمي للمتاحف – التجربة العربية- الجزء الرابع والأخير

أشرف عبدالله الضباعين
2021 / 5 / 18

في اليوم العالمي للمتاحف – التجربة العربية
الجزء الرابع والأخير
تعني كلمة مَتحَف في معجم المعاني الجامع موضع التُّحف الفنية أَو الأثرية وجمعها مَتاحِف، وفي قاموس المعجم الوسيط، ومعجم اللغة العربية المعاصر، والرائد، ولسان العرب، والقاموس المحيط بأنه موضع عرض التُّحَف الفنِّيَّة أو الأثريّة أو العلميّة أوغيرها. والدارج أن التُّحَف هي المواد الملموسة النادرة والثمينة والتي أخذت قيمتها المادية والمعنوية بسبب قِدمها وتفردها وتميزها، وقد عَرّف المجلس العالمي للمتاحف المُتحف: " مقر دائم، من أجل خدمة المجتمع وتنميته، مفتوح للعامة، ويقوم بجمع وحفظ ودراسة والتواصل مع المجتمع وعرض التراث الإنساني وتطوره، لأغراض التعليم والدراسة والتوعية" (المرجع1: https://web.archive.org/web/20100827104103/http://icom.museum:80/statutes.html المادة رقم -3- البند -1- ) بالتالي هو مؤسسة غير هادفة للربح وإن كانت تُحقق مدخولا، وهي مؤسسة ثقافية بالدرجة الأولى.
يُعتقد أن الأميرة آن نيجالدى نانار – En Nigaldi Nanner – كانت أول أمينة متحف في التاريخ حيث كانت تحتفظ بمجموعة من الآثار في مكان ما ( المرجع 2: عاصم محمد رزق، علم الآثار بين النظرية والتطبيق، مكتبة مدبولي ، القاهرة، 1996 ص 69 والمرجع 3: الضباعين أشرف عبدالله، مواقع التراث الثقافي، وزارة الثقافة، عمان، 2020، ص 63) بينما يُشير باحثون آخرون بأن أول متحف فعلي نشأ في عهد بطليموس الأول (325 – 285 ق.م) بمكان اسمه موسيون Mouseion -دار ربات الحكمة- كما كان يطلق عليها قديماً، أو جامعة الإسكندرية، ومن أشهر ملحقاتها المكتبة والتي عُرض فيها بعض التماثيل -مصادر متعددة- ومنها اشتق لاحقًا تسمية مُتحف (Museum). أما أول متحف في العصر الحديث فهو مُتحف جامعة أكسفورد بلندن – القرن السابع عشر الميلادي – المتحف البريطاني 1753، متحف اللوفر 1793 متحف المتروبوليتان (1872) وغيرها.
عربيًا يُقدر عدد المتاحف العربية بمختلف تخصصاتها بحوالي 730 مُتحفًا، لكن لا توجد إحصائية رسمية مؤكدة بذلك، وأول متحف تأسس عربيًا كان المتحف المصري في القاهرة في عام 1835م لكنه افتتح في مقره النهائي بميدان التحرير بمصر في عام 1902 وهو واحد من أشهر المتاحف العالمية، وفي 4/4/2021، شهد المتحف المصري موكب المومياوات الملكية، حيث نقلت 22 مومياء ملكية من المتحف المصري إلى المتحف القومي للحضارة المصرية بمدينة الفسطاط الذي تم إنشاءه كمتحف ضمن المواصفات العالمية بالشراكة مع اليونسكو، ويُعتبر متحف فريد من نوعه في الوطن العربي والشرق الأوسط، سواء من حيث أسلوب العرض أو استخدام التكنولوجيا أو من حيث برامج اعتماد المتاحف، ويُشار إلى متاحف أُخرى ذات أهمية في مصر مثل المتحف الإسلامي سنة 1903م والمتحف القبطي سنة 1908م وغيرها.
أما متحف اللوفر أبو ظبي في الإمارات العربية المتحدة فهو أيضًا متحف حديث، وانطلق المشروع في عام 2007، بشراكة بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة، بهدف تطوير نوع جديد من المؤسسات الثقافية. ويُمثّل متحف اللوفر أبوظبي نوع جديد من المتاحف عربيًا حيث يجمع بين الحداثة والتقدم الثقافي والانفتاح الذي تعكسه رؤية الإمارات من جهة، والخبرة الفرنسية في عالم الفن والمتاحف من جهة أخرى، والمتحف ليس فقط لعرض اللقى الأثرية بل يضم مجموعات أخرى من الفنون الحديثة، والمتحف يقدم جلسات افتراضية بتكنولوجيا حديثة.
في المقابل هناك متاحف عربية تعرضت للتخريب والدمار، فمتحف بغداد والذي يُعتبر واحد من أهم وأقدم المتاحف العربية والذي يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1923-1924 حيث جمعت عالمة الآثار البريطانية غيرترود بيل آثار العراق ووضعتها في حيز صغير في مبنى السراي، وفي عام 1926 بسبب تجميع الكثير من الآثار وضيق المساحة افتتح مَبنى آخر في شارع المأمون ونَقلت إليه جميع الآثار (المرجع 4: https://ar.wikipedia.org) . وقد تعرض هذا المتحف في أثناء حرب 2003م واحتلال أمريكا للعراق لعمليات نهب واسعة، كما تعرض متحف الموصل الذي نشأ عام 1952 إلى عمليات نهب وتخريب في أثناء الحرب، وإلى عمليات نهب وتدمير واسعة في أثناء احتلال داعش للموصل عام 2015. أما متحف تدمر في سورية فقد تم نقل معظم محتوياته لدمشق قُبيل احتلال المدينة من قبل داعش ورغم تعرض المواقع الأثرية في المدينة للتدمير الواسع لكن معظم القطع الأثرية التي نُقلت بقيت سليمة.
يُشار إلى أن الكثير من القطع الأثرية العراقية والسورية قد تم مصادرتها على فترات على الحدود الأردنية واحتفظت بها الحكومة الأردنية وتم إعادتها للحكومات المعنية ضمن اتفاقيات وتفاهمات، بينما تم اكتشاف أن بعض من القطع الأثرية التي وجدت في المتحف العراقي لاحقًا تبين أنها مزورة دليل على أن مافيات الآثار والمهربين كانوا على تواصل مع متورطين من قوات الاحتلال ومع داعش في تهريب القطع الأصلية واستبدالها بقطع مزورة. وهذا ما تكرر في الكثير من المتاحف العربية حتى دون وجود احتلال أو منظمات أرهابية تسيطر على المتاحف، فعلى سبيل المثال لا الحصر أثناء حالة الإنفلات الأمني التي واكبت ثورة 25 يناير2011 في مصر، تم اقتحام المتحف المصري من قبل مجهولين، وتم سرقت بعض القطع الأثرية.
التحديات والصعوبات التي تتعرض لها المتاحف العربية:
1- نقص الكوادر الفنية المؤهلة لتشغيل المتاحف وإدارتها.
2- الإدارات العربية لقطاعي الآثار والمتاحف تنظر للمتاحف العربية نظرة تقليدية حيث تُعتبر معظمها مخازن وليست مؤسسات تعليمية وصروح ثقافية.
3- ضعف أو غياب برامج التطوير والتدريب المهني المتخصص في إدارة المتاحف وتكثيف المهارات وزيادة الخبرات لإعداد كفاءات متمكنة من التعامل مع القطع الأثرية وتقنيات المتاحف وبرامجها وكيفية استقطاب الزوار.
4- غياب معايير الجودة والنوعية في العملية المتحفية ككل.
5- غالبية أفراد المجتمع العربي في حالة جهل معرفي بثقافة المتاحف والعزوف عن زيارتها وعدم الاهتمام بما تمثله من قيمة ثقافية.
6- عدم وجود أي مادة تعليمية آثارية في معظم المناهج العربية، أو تعريف بالمتاحف في مناهج التعليم، ما يستدعي إدراج مادة عن الآثار والمتاحف في حصص التاريخ في المناهج الدراسية. ومن المؤكد أن تطبيق هذا الأمر سيعمل على تنمية حس إيجابي لدى الطلبة والطالبات يقودهم نحو المحافظة على محتويات المتاحف والآثار والمواقع التاريخية، كذلك تكثيف الزيارات التعليمية للمتاحف للحصول على المعلومات في قاعات المتاحف وأمام القطع الأثرية كذلك الاستفادة من تقنيات المتحف وتكنولوجيا المعلومات.
7- نقص الإمكانات المادية المناسبة لتطوير وتنمية المتاحف وقيامها بدورها على خير قيام، وربما يكون أكبر تحديات المتاحف اليوم أن تصل إلى مرحلة من استقرار لإيراداتها أو دعم الحكومات لها، وتأمين تمويلها بشكل منطقي ومنتظم.
8- أثرت جائحة كوفيد- 19 ( كورونا) على كافة متاحف العالم فكان لا بد من دراسة تأثير هذه الجائحة على قطاع الآثار وبالأخص المتاحف ناهيك عن أهمية إيجاد وسائل حديثة وبطرق تكنولوجية لدوام التواصل بين الناس والمتاحف، وتقوم اليونسكو والمجلس العالمي للمتاحف منذ عام بدراسة تأثيرات الجائحة على عدد من المتاحف بينها متاحف عربية.
9- خلقت المشاكل التي مرت بها الأمة العربية بداية من حرب الخليج الثانية وسيطرة داعش على مناطق واسعة من العراق وسورية وأحداث الربيع العربي تحديات حقيقية في مجال حماية المتاحف، وطرق تأمين المقتنيات قبل وأثناء وفي حال وقوع أي شيء يهددها، سواء من الكوارث الطبيعية أو من الحروب والهجمات الإرهابية، ناهيك عن أعمال التزوير والنهب التي جرت بشكل واسع في العديد من المتاحف العربية وخطر المافيا وعصابات التزوير والتهريب على المتاحف.
10- قلة الاستفادة من التكنولوجيا في المتاحف بشكل واسع وجدي سواء في عمليات العرض أو التسويق أو الحفاظ أو التوثيق... الخ.
يُشار إلى أن المجلس العالمي للمتاحف يضم عدد من المنظمات الإقليمية منها ICOM ARAB المنظمة العربية للمتاحف والتي تعتبر الممثل الرسمي للمجلس في العالم العربي.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي