النفس في الذات الانسانية / مفهوم الذات (2)

عمر قاسم أسعد
2021 / 5 / 17

على أن هناك اتفاق على أن مفهوم الذات ــ في معظم الفلسفات الحديثة ــ انها في تطور دائم ضمن محيطها تبعا لتصرفاتها في مجمل مناحي الحياة من خلال المشاعر والرغبات ووجود الذات ، وقد تم تقسيم الذات الانسانية إلى ثلاث أقسام .
( الذات الواقعية ) وتتسم بعدم الثبات حيث تتغير نسبيا تبعا للعوامل المحيطة بها كذات انسانية وأيضا تبعا للعوامل الداخيلة من نفس الذات الانسانية ، وتكون على شكل انطباعات يكونها الاخرون عن الذات وتتسم هذه الانطباعات بالتغير تبعا لتفاعل الذات مع غيرها وللمواقف المختلفة والتجارب التي تمر بها الذات من خلال تفاعلها مع المجتمع والبيئة المحيطة .
( الذات المثالية ) وهي النظرة الخاصة من الفرد لذاته والتي تحكمها تصرفاته وطريقة تعامله مع الاخرين ، مع التأكيد أن هذه النظرة الخاصة تخضع لحكم الذات على نفسها وتتسم في معظم الأحول بالرضا عن ذاتها في ظل وجود مخزون من التبريرات لتأكيد النظرة الايجابية من الذات لذاتها .
( الذات الخاصة ) وتدل على ان يدرك الانسان ذاته دون النظر والاحاطة بالواقع الذي يعيشه الفرد ، وترتبط بتطلعات الفرد والرغبات التي يمكن أن تفكر بها الذات ، وبمعنى أوسع نقول انها مجموعة من الخبرات والتراكمات التي تمر بها الذات في مسيرة حياتها وكيفية التعامل معها .
ومن هنا نستطيع القول أن الذات الانسانية ما هي إلا انعكاس ما بداخل الفرد من قدرات وخبرات وتراكمات وتطلعات من خلال تأثره بما يدور حوله وأيضا مدى قوته وحجم تأثيره بالمجتمع المحيط به .
وهنا لا بد من الاشارة أن الذات (الطبيعية ) ــ من المفروض ــ تتبلور وتتطور تبعا لدورها في المجتمع ومدى تأثير المجتمع فيها كذات لأنها بالنهاية ذات اجتماعية لا تستطيع أن تعزل نفسها عن محيطها الاجتماعي ، أما مسألة الرضا عن الذات من عدمها فهي مسألة أخرى تنبع من مدى ما تقدمه الذات لتحقيق المزيد من انعكاسات صور الذات تبعا لتصرفاتها وسلوكها وتأثيرها على ذوات أخرى تحيط بها في المجتمع ، وأيضا عن مدى رأي الاخرين فيها كذات انسانية قادرة على احداث تغيير ــ نسبي على الأقل ــ بكل ما يحيط بها ، وبشكل عام نجد أن الغالبية من الافراد راضون عن أنفسهم كذوات تتفاعل مع غيرها ، مع اعتراف البعض انه لا بد من احداث التغيير في بعض الافكار والسلوكات والتطلعات لعكس صورة أكثر ايجابية عن ذواتهم مما يحفز الفرد ( كذات انسانية ) ان يستمع لرأي الاخرين وتقييمهم لذاته لاحداث التغيير المطلوب لتحقيق المزيد من الرضا عن الذات
(( الخلاصة ))
الذات الانسانية وحدة واحدة بكل مكوناته المادية والوجدانية والعقلية والروحية وعلى الأخرين التعامل معه من خلال هذه الوحدة ،
( جسد الإنسان ) ــ المادي ــ هو ما يضفي على الفرد الشكل ويحدد ملامحه العامة والخاصة لتمييز الفرد عن غيره كذات مادية مستقلة .
( العقل ـ الوعي ـ الادراك ) هو ما يميز الإنسان عن غيره من وهو الميزان الذي نزن به ويعكس صورة الذات لتحقيق التفاعل مع الاخرين وبالتالي يستطيع الاخرون اصدار الاحكام والتقييم نحو الذات .
( الروح ) ومن خلالها نحيا ونستشعر أننا احياء بكل معاني الحياة الحقيقية
( الوجدان ) ما يتعلق بمنظومة الاحاسيس والمشاعر لتفاعل الشخص مع غيره وإكسابه ذات إنسانية .
( الضمير ) القاضي لمكنونات النفس البشرية والذي يعنى بإصدار الاحكام للتعبير عن مدى الرضا عن الذات من عدمها
إن كل وحدة مستقلة بذاتها وتعتبر (( أقنوم )) تتصرف بمعزل عن باقي الاقانيم الأخرى ولكن لا بد من وجود رابط خفي بين أقنوم وأخر أو بين أقنوم ومجموعة أقانيم ، وفي لحظة ما تتحد هذه الأقانيم لتشكل الذات الانسانية كوحدة واحدة ــ وهذا من النادر حدوثه .

أقنوم ( الجسد ) يشكل الطابع المميز للذات وله معظم السيطرة على الفرد ويتجلى ذلك في كثير من محطات حياته لاشباع غرائزه ، الجسد هو المحرك للغرائز وهو الذي يخضع باقي الاقانيم لسيطرته ، الطعام والشراب والمسكن واللباس ... الخ حاجات ضرورية وملحة للجسد وتنم عن أنانية فردية مطلقة لذات الشخص . .
اقنوم (العقل ) وهو الذي يميز الذات عن غيرها من الذوات من خلال مدى قدرات العقل في حل كثير من المشاكل التي تعترضه ولكن العقل في النهاية يخضع للتجربة الخاصة أكثر مما يخضع للقياس على تجارب الأخرين ، للعقل سلطة ولكنها لا تظهر إلا من خلال مواقف ملموسة وتجارب شخصية .
( الروح )الأقنوم الذي نسعى دائما لمعرقة كنهته ــ رغم انه يتغلغل فينا ــ الروح هي السر الرباني الذي اودعه الله فينا ـ وهي ملكا له ـ إلا أننا نبحث عن ألروح التائهة الهائمة ونادرا ما نجدها وهي بداخلنا ، وإن وجدناها سرعان ما نفقدها .
( الوجدان ) ومنظومة الأحاسيس التي تجعلنا مميزين في تعاملنا مع كثير من المواقف الإنسانية ، وكم نفتقد أيضا لإبراز هذا الاقنوم ، وكم نتوق أن نعيش من خلال هذه المنظومة التي تحدد ملامح إنسانيتنا وطريقة تقبلنا لذواتنا وللأخرين من حولنا ولهذا لا نستطيع تحقيق الحد الأدنى من السكينة ...

عندما نشاهد زهرة في حديقة ، سرعان ما تكون السلطة للجسد المادي الذي يحد من نشاط باقي الاقانيم ، وكثيرا ما نمد أيدينا لقطف الزهرة ، نحتفظ بها قليلا أو نهديها لشخص أخر ، تذبل الزهرة ونرميها ، هي الغريزة الانانية وحب التملك لكل شئ ونحرم الاخرين من حق التمتع بهذا الجمال .
وفي نفس الموقف ربما نقترب من الزهرة ، نشتم رائحتها بعمق ونتفاعل معها كصورة جمالية ويبقى عبقها في وجداننا وبهذا تم إخضاع باقي الاقانيم من قبل منظومة المشاعر
وهنا يتدخل العقل بفكرة سريعة ان الزهرة ليست ملكا خالصا لذات شخص بل هي ملكا لكل من يقدر الجمال وهذا يساعد منظومة الاحاسيس والمشاعر ويدعمها للاستمرارية على ذات النهج . وفي نفس المثال ربما نقترب من الزهرة ونخاطبها ، نتوحد معها ونضفي عليها صفة الانسانية وهذا أبعد ما يكون وربما يكون نتيجة صراع ذاتي لعل ذات الشخص يحقق نوعا من الحب والعشق لكائن أخر بمعزل عن أهداف أخرى .
ثم يأتي ( الضمير ) وهنا يكون حضوره آني في نفس اللحظة والموقف وربما يكون حضوره بعد اجراء الموقف ، والضمير نادرا ما يستعمله الانسان إلا بعد اتخاذ قرارات ، الضمير يأتي في لحظة خاطفة ليؤنب ذات الشخص حول فعل ما ، الضمير يحاسب ذات الشخص كوحدة متكاملة ، يؤنبه إذا قطف الزهرة ويؤنب أنانيته حتى وإن تفاعل معه الشخص كوحدة سرعان ما يزول هذا التفاعل بعد ان ينتهي مفعول الضمير .

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت