هل ستعيد دول آسيا كتابة التاريخ وتغيير الثقافة المعاصرة ؟

مجدى عبد الحميد السيد
2021 / 5 / 16

كان للحملة الفرنسية على الشرق الفضل فى اكتشاف أن دول الشرق الأوسط تعيش على هامش الحضارة الغربية بثقافتها وفكرها وعلمها الذى انتقل إليهم خلال القرنين التاسع عشر والقرن العشرين ، وتنازلت معظم دول الشرق الأوسط طواعية عن حضارتها وثقافتها وفكرها ، وقد حاولت انجلترا فعل نفس الشئ فى الهند ولكنها بعد فترة – وربما لقوة الفكر الهندى- تكيفت مع تاريخ الهند وحدث ارتداد عكسى انتقل فيه الفكر الهندى إلى أوروبا نهاية القرن التاسع عشر فعرفت الدول الغربية الهندوسية والبوذية والكنفشيوسية والجينية والزرادشتية وحتى الإسلام بملله المختلفة . لقد أدخلت الحضارة الغربية لمعظم دول العالم فلسفتها وآدابها وثقافتها وفنها خاصة فى دول الحضارات العريقة فى آسيا وأفريقيا فقبلت ذلك الكثير من الدول ورفضت بعض الدول تلك الهيمنة الثقافية فصنعت دولة مثل الصين سياجا ثقافيا . لقد أرادت الدول الغربية المستعمرة أن تكون ثقافتها هى ثقافة العالم وفكرها هو فكر العالم وسياساتها هى سياسات العالم بمعنى أن تصبح حضارتها هى حضارة العالم كما اعتقد الفيلسوف السياسى الأمريكى فرانسيس فوكوياما فى كتابه " نهاية التاريخ والإنسان الأخير" عام 1992 مع بداية انتشار العولمة ، فنحن ندرس نظريات وأفكار ديكارت وكانت وماركس ونكتب الرواية على الطريقة الغربية ونشاهد السينما والتليفزيون على الطريقة الأمريكية ونطبق الديموقراطية والنظم السياسية الغربية ونلعب الرياضات الغربية بل ونرتدى الملابس على الموضة الغربية. ولم يقتصر الغزو على الثقافة بصورته العامة بل حاول أن يتغلغل فى أهم أوجه الثقافة والمجتمع عبر الدين والعقيدة ، ليس عبر المسيحية فقط بل حتى من خلال اللادينية والإلحاد والشيوعية الغربيين أيضا . إن الديانة المسيحية الغربية بمللها الكبرى مثل الكاثوليكية والبروتستانتية الأوروبية والأنجليكانية البريطانية والأرثوذكسية الروسية تسيطر على معتقدات أكثر من ثلث سكان العالم ومعظم الدول الغربية ، بل إنها دعمت الإرساليات حول العالم للتبشير بالدين المسيحى فى معظم بقاع الأرض حتى أنها غزت المسيحية الشرقية فتغيرت ملة الكثير من المسيحيين الشرقيين فى الشرق الأوسط تجاه الملل المسيحية الغربية خلال القرنين الماضيين ، بل إن المسيحية سواء بروتستانتية أو كاثوليكية تغلغلت فى نسيج شعوب دول مثل الفلبين وكوريا الجنوبية وحتى الهند ، ولكن بدأت الآن شواهد تعديل العقائد العتيدة فنتجت المسيحية البوذية والمسيحية الهندوسية وكذلك الأحمدية القاديانية الإسلامية الهندية .
إذن بعد مرور تلك القرون وتغلغل الثقافة الأوروبية هل يمكن لآسيا أن تغير التاريخ بإدخال أفكار شرقية وإعادة إحياء فكر فلاسفة وحكماء الشرق وثقافة وأدب وفن الشرق ليزحزح الفكر الغربى حتى لو كان التحرك باستخدام نفس الأدوات الغربية وأدوات العولمة مثل الانترنت والفضائيات ومواقع التواصل الإجتماعى والهواتف الذكية. ان الهند بتصاعد أفلامها الحديثة القادمة من بوليود ، واليابان بتصاعد أفلام الرسوم المتحركة وشعر الهايكو وحتى رياضة السومو والجودو والكاراتيه ، وفنون ورياضات الصين وكوريا الجنوبية وتايلاند وهونج كونج التى تتطور وتنتشر الآن ، بل حتى إعادة دراسة الإسلام والهندوسية والبوذية والطاوية والكنفشيوسية والجينية بين سكان العالم لهو شئ مدهش بالفعل ويدل على أن هناك تغييرا كبيرا يجرى فى الثقافة العالمية الآن لتتجه ناحية الشرق.
إن صعود دول شرق آسيا خلال العقدين القادمين اقتصاديا وعلميا وعسكريا سيجعل الصين هى القوة المؤثرة الأولى ويجعل الهند فى المرتبة الثالثة وإندونيسيا فى المرتبة الخامسة واليابان فى المرتبة السابعة بل ستكون كوريا الجنوبية وتركيا والسعودية وفيتنام وسنغافورة وتايلاند وإيران فى مراكز متقدمة عالميا ، مما سيعنى سيطرة دول آسيا على جانب كبير من اقتصاديات العالم وبالتالى ستحرك قوتها الاقتصادية بالفعل تاريخ العالم وثقافته وفكره . إن كونفشيوس وبوذا وزرادشت سبقوا أرسطو وأفلاطون وحتى ديكارت والمفكرين المحدثين ، وكذلك أثرت حضارة العراق وإيران فى تطوير الإيمان التوحيدى حتى أن هناك من يعتقد بأن معظم قصص الكتب المقدسة الإبراهيمية مستوحاة من قصص حضارات عراقية وفارسية . إن الإلحاد الصينى اليابانى الشرق آسيوى المغلف بالمبادئ الاخلاقية وكذلك العلمانية الهندية التى تضم عشرات الأديان واللغات والثقافات وحتى الإسلام العلمانى القادم قد يشكلون اتحادا يضم نصف سكان العالم الآن وهم يريدون أن يعرف العالم عنهم الكثير ويدرك باقى سكان العالم أن لهم ثقافات وحضارات مغايرة للحضارة الغربية فكريا وثقافيا أو على الأقل مكملة لها.
الشئ الوحيد المشترك بين كل سكان العالم الآن هو العلم والتكنولوجيا ، فالكيمياء والفيزياء والطب والهندسة والزراعة واشباه الموصلات عالمية ، فلا توجد رياضيات فرنسية ولا فيزياء ألمانية ولا كيمياء إنجليزية ولا بيولوجيا أمريكية بل توزعت على دول العالم وذلك لطبيعتها العقلية العلمية الثابتة فى فهمها وتقبلها لدى كل البشر حتى لو تم كتابتها وصياغتها بلغات مختلفة . وبالتالى فالتقدم العلمى التكنولوجى حتى لو تم صياغته باللغة الانجليزية التى يفهمها ربع سكان العالم فهو الرابط الحالى والقادم بين شعوب العالم قبل الحكومات وهو أيضا ينتقل الآن ثقله من أوروبا وأمريكا إلى آسيا أيضا بعد أن تجاوزت ابتكارات الصين وحدها ابتكارات أوروبا والولايات المتحدة مجتمعة ، وبعد أن تعملقت اليابان والهند وكوريا الجنوبية علميا وتكنولوجيا أيضا .
إذن سيشهد العالم بعد عام 2040 تغيرا تاريخيا كبيرا مع سيادة آسيا فى المجال الاقتصادى والمجال العسكرى مما سيدفع العالم لتغييرات كبيرة فى الثقافة والفن وربما يعاد كتابة التاريخ الحديث أيضا ليميل ناحية آسيا بعد أن ظل لقرون عدة متمركزا فى أوروبا والدول الغربية .

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي