تظاهرات تشرين 2019 والتي سوف لن تنتهي

محمد رضا عباس
2021 / 5 / 14

لقد بدأت تظاهرات ساحة التحرير في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية في اليوم الأول من شهر تشرين الأول 2019 , وسقط على اثرها ما يقارب 600 شهيد واكثر من 30 الف جريح من المتظاهرين والقوى الأمنية , وبذلك فان ارقام ضحايا تظاهرات تشرين العراقية قد جاوزت عدد ضحايا الربيع العربي أواخر عام 2010 ومطلع 2011الذي غطى اربع دول عربية وهي تونس ومصر وليبيا واليمن مجتمعة. تظاهرات تشرين كانت رد فعل واقعية على تدهور الأداء الحكومي في كل مجالات الحياة وكان لا بد لأخيار العراق اعلان صرختهم بوجه من تسبب بهذا التراجع والذي اثر على حياة الملايين من العراقيين وبمختلف مكوناتهم. فخرجوا الى شوارع المدن , الكبير والصغير , وشارك فيها المرأة والرجل , المتعلم والغير متعلم وهم ينادون بالإصلاح , مستلهمين العزم من قول امير الفقراء أبو ذر الغفاري وهو ينادي " عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه".
لقد خرج العراقيون الى ساحات التظاهر و بأيدهم رايات العراق مطالبين بالخبز والكرامة بدلا من السيوف و الكلاشنكوف , وهنا استشعر أعداء العملية السياسية من القوى الطائفية والمتنافسين على السلطة والقوى الخارجية التي لا تريد الخير للعراق ان ساعتهم الذهبية قد جاءت لتأليب الشارع العراقي ضد العملية السياسية التي قدم الشعب العراقي خيرة شبابه من اجلها. لقد استخدمت القوى المعادية طريقتين لاستغلال التظاهرات و هي المباشرة والتي أساسها ادخال بعض عناصرها الى التظاهرات من اجل التخريب والمواجهات مع القوى الأمنية والثانية , و الغير مباشرة , من خلال استخدام مواقع التواصل الاجتماعي المرتبطة بأعداء العراق الجديد في بث الدعايات المغرضة و الأكاذيب وحث المتظاهرين بمواجهة القوات الأمنية وحرق دوائر حكومية ومكاتب حزبية و مراكز للحشد الشعبي.
وبالمقابل استشعر العراقيون الشرفاء من مخاطر الاستمرار في التظاهر والتي تحولت من رفع مطالب مشروعة ووطنية الى مواجهات ضد القوى الأمنية وتخريب للممتلكات الدولة والمواطنين ومطالب غير المطالب التي رفعت في الأيام الاولى للتظاهرات مثل القضاء على العملية السياسية , اسقاط الدستور , اقصاء الأحزاب الحاكمة من السلطة وعدم السماح لهم في المشاركة في القرار العراقي , التهجم على المرجعية العليا في النجف الاشرف , حل الحشد الشعبي , والعداء الى ايران , وهي مطالب طالما طالب بها أعداء التغيير في العراق. لهذا السبب تقلص اعداد المتظاهرين بشكل كبير ولم يبق في التظاهرات الا القليل من الفقراء الذين نذروا روحهم من اجل تغيير الوقع ,و لكن الكثير من أصحاب الاجندات والمدعومين من قوى داخلية وخارجية.
وهكذا اصبح مصير تظاهرات تشرين كمصير تظاهرات المنطقة الغربية وهو الانحراف عن مسيرتها. كلاهما بدءا برفع شعارات ومطالب مشروعة , ولكن اختراق القوى المضادة لتظاهرات المنطقة الغربية أدى الى رفع السلاح بوجه القوات الأمنية العراقية وبالتالي دخول داعش الى الموصل وبقية المنطقة الغربية , فيما أدى تدخل القوى المضادة في تظاهرات تشرين الى فض الوطنيين ايدهم منها , وسيطرة القوى المضادة عليها و اسقاط هيبة الدولة , وشيح بغداد والمناطق الجنوبية بالسواد.
خلال عمر التظاهرات مرت احداث كثيرة بعيدة كل البعد عن السلمية , فكانت النتيجة هو سقوط دماء عزيزة كان من المفروض ان لا تسقط لولا اختراق التظاهرات عناصر مخربة , ولما استطاعت قوى خارجية بالاستهانة بدم أبناء الشعب العراقي , وخاصة أولئك المجاهدين الذين حرروا الأرض والبشر من هيمنة داعش الاجرامية , ولما انتهكت حرمة ارض وسماء العراق من القوى الخارجية. وبالتأكيد , فان للقوى السياسية الشيعية الحاكمة حصتها من الفشل في ادارة ازمة تشرين من طرفين , الأولى عدم استطاعتها وقف نزيف الدم في التظاهرات , وعدم توحيد رؤاها في تعيين رئيس وزراء مؤقت بدلا من المستقيل السيد عادل عبد المهدي , مما أدى الى اطالت عمر الازمة وانكشاف فجوة الخلافات الشيعية – الشيعية على العالم.
التظاهرات انتهت بعد سنة من مرورها , ولكن ستعود مرة أخرى و بشعارات وطنية , بعد ان حرف مسيرتها المغرضون و المخربون. التظاهرات سترجع مرة ثانية لان أبناء الشعب العراقي سوف لن يسمحوا باستمرار المفسدين في إدارة البلاد , وان لا امل لقادة البلاد السياسيين على البقاء في إدارة البلاد بدون استيعاب درس التظاهرات وتقديم برنامج ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية تعالج الازمة الاقتصادية والسياسية والمجتمعية التي يمر بها العراق , وسوف تعود التظاهرات اكثر مشاركة واقوى صوتا , ان لم يستطع قادة البلاد انقاذ شباب العراق من مخاطر البطالة , وبقاء مشكلة السكن بدون حل , واستمرار الانقطاعات في توريد الطاقة الكهربائية و الماء الصالح للشرب , والقضاء على شحة المدارس والمستشفيات في البلاد , والقضاء على الفساد المالي والإداري الذي ظل جاثما على صدر دوائر الدولة , واستمرار الساسة التقاتل على المناصب الحكومية حسب المحاصصة السيئة الصيت.
التظاهرات ستعود مرة أخرى ان لم يستطع القادة الحاليين انتشال العراق من واقعه الحالي والذي اصبح لا يحزن عدوا ولا يسر صديقا , وخاصة وان الواردات النفطية سوف لن تكون كسابقتها بسبب انهيار السوق النفط العالمي وسوف يجابه العراق عجزا مستمرا في ميزانيته العامة لم يشاهده العراق من قبل. العجز المالي سوف يقيد يد الحكومة الصرف على المشاريع الاستثمارية والتي من العادة توفر الالاف من فرص العمل لجميع شرائح المجتمع العراقي ما لم يكون قادة البلاد الجدد اكثر تفانيا واكثر خبرة واكثر ابداع في إدارة البلاد. لهذا السبب ستعود التظاهرات , ولكن هذه المرة ستكون اكثر انتظاما واكثر مسؤولية , وسوف لن يكون فيها من يحرق إطارات السيارات وسط الشوارع , ويغلق الجسور , ويتعدى على عمال الحقول النفطية , ويعتدي على الممتلكات العامة والخاصة , وحتى تدمير أماكن نوم الزائرين الى كربلاء , وهذا سبب اخر في فشل التظاهرات. التظاهرات الجديدة ستقطع دابر المندسين والمخربين , ولا يقودها الا الاحرار الذين يريدون للعراق ان يأخذ موقعه الطبيعي بين الأمم المزدهرة.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية