الإيغريغور أو ميلاد الروح

سعود سالم
2021 / 5 / 14

أركيولوجيا العدم
٤٢ - ميلاد الروح
في هذه البيئة المفترض أن تكون أقرب ما يكون للواقع، حسب المعطيات العلمية المتاحة، والتي تبدو شبيهة بالجنة الموعودة في الأديان الكتوبية، هناك بطبيعة الحال، الحياة الحقيقية والواقعية، الحرارة في الصيف والبرد في الشتاء، الذباب والبعوض والجفاف والسيول والحرائق والكوارث الطبيعية الناتجة عن التقلبات الجوية، الرياح القوية والعواصف والفياضانات الناتجة عن الأمطار المفاجئة .. كل ذلك كان يلقي ظلا من الرعب والخوف من هذه الـ "كينونات" الغريبة والمنفصلة عن الإنسان، والتي تشكل قوى خفية ضارية وشديدة الشراسة ولا تفرق بين القوي والضعيف أو الغني والفقير أو الصغير والكبير، ولا تفرق بين الإنسان أو الحيوان أو بقية الكائنات، ولم تكن هناك أية وسيلة في البداية في معرفة الطريقة التي يمكن بها مواجهتها والتحكم فيها أو التحاور معها. لم يكن هناك طريقة للتعامل مع هذه الكوارث بطريقة دفاعية، فالقوى لم تكن متكافئة، وكان على الإنسان القبول بهذا الواقع وهذه الزلازل والعواصف والفياضانات كما هي كأشياء تفوق الطاقة البشرية على الفهم، أي في نهاية الأمر ليس كظواهر طبيعية، وإنما كقوى عليا تتحكم في الأشياء وفي مقدرات البشر. ولا شك أن التجارب الأولى للإنسان في مواجهة الطبيعة كانت سببا في الخوف والقلق الذي أدى إلى ظهور الميثولوجيا والطقوس الدينية المختلفة، وهي ظاهرة عرفها الإغريق فيما بعد تحت إسم "الإغريغور"،
‏egregore، وهي خزان لطاقة العواطف الإنسانية يتم إنشاؤه عندما يشعر العديد من الأشخاص بنفس الشيء في نفس الوقت (الخوف والقلق والرهبة وما إلى ذلك)، مما يجعل هذه المشاعر الأولية تتفاقم بسبب الوعي الجماعي مما يحتم اللجوء إلى تخيل حلول لإمتصاص هذا القلق وفصل الأفراد عن "مستودعات" الخوف والقلق والألم التي ترتبط بها المجموعة ككل، مما يؤدي إلى إبداع عالم من المخلوقات المتخيلة تلجأ إليها المجموعة البشرية لمساعدتها في مواجهة القلق.
‏Egregore مفهوم ذا أصل يوناني قديم έγρηγοράω يوحي باليقظة والإستيقاظ أو الكون مستيقظا، هو مفهوم غامض يمثل كيانًا ليس ماديًا متميزًا ينشأ عند تكون مجموعة من الناس في زمان ومكان معين ويعيشون نفس الظروف والتجارب المادية والنفسية. مع الأخذ في الإعتبار بأن القلق والخوف حالات نفسية فردية في الأساس، ولكنها معدية، بمعنى أنها تنتقل من فرد لآخر وتتفاقم وتكبر في حالة الخوف أو القلق الجماعي. ومهما كان المجتمع متماسكا ومتراصا كوحدة متينة وصلبة، فإن القلق والخوف لا يجتاح المجتمع إلا من نافذة باب أو شق في شخصية الفرد، وعملية المشاركة الجماعية وإنتشار عدوى هذا القلق للمجتمع تأتي فيما بعد وفي مرحلة لاحقة. الخوف من إحتراق المحصولات الزراعية أو تلفها من الفياضانات أو الجفاف وكذلك الخوف من المجاعة والأمراض والكوارث الطبيعية، كل ذلك يعيشه الفرد في صميم ذاته وفي جسده رغم أن الجميع قد يشاركونه هذا الخوف وهذا القلق بدرجات متفاوتة.
المجتمع السومري كان يعيش حياة مرتبطة إرتباطا وثيقا بالطبيعة ودورة الجفاف أو الفيضان لنهري دجلة والفرات، ويعتمدون إعتمادا كليا ومطلقا على الأرض والمياه - النهر والمطر والعيون والآبار ـ والشمس والقمر إلخ. لكنه كان يعيش أيضا مع هذه القوى الخفية التي تزرع الموت وتتسبب في المجاعة والفياضانات والحرائق على الأرض. ولا شك أن هذه القوى قد ظهرت وتبلورت تدريجيا، نتيجة المراقبة الطويلة للطبيعة، متخذة أشكالا وصورا متنوعة من منطقة للأخرى ومن مرحلة لأخرى ولم تظهر دفعة واحدة ذات يوم مع المطر أو السحاب. ففي البداية، الظواهر الطبيعية ذاتها هي التي كانت تسبب القلق والرعب، وهي التي كانت تعتبر كائنات مرعبة وباعثة للرهبة والقلق، الرعد والبرق والنار والفيضان والعاصفة كانت هي التي تجسد هذه القوى التي يخشاها ويخافها الإنسان، وتدريجيا تمت عملية التجريد، وأصبحت هذه الظواهر مجرد تعبير عن قوى خفية كامنة ورائها تحركها وتتحكم في ظهورها وإختفائها.

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب