ما أجملك أيها الحب ! .. قصة قصيرة

حسن الشامي
2021 / 5 / 14

أدارت مفتاح المذياع، فتهادى إليها صوته ناعما، هامسا، يشدو بلحنه الجديد، تخيلته يرسل نغماته إليها وحدها، رغم أن هناك الكثيرين يسمعونه، منهم من ذهب إلى المسرح ليستمع إليه ويراه رؤى العيان، ومنهم من فضل سماعة ورؤيته على شاشات التليفزيون، ومنهم من لم يتح له أن يراه لا في المسرح ولا التليفزيون فقنع وظل قابعا في منزله يستمع له في المذياع.. وهى من هذا النوع الأخير.. ليس لأنها لا تملك ثمن دخول المسرح.. أو لأنها لا تملك جهاز تليفزيون.. ولكن لأنها لا تريد أن تراه وجها لوجه.. أو حتى مجرد رؤيته على شاشة التليفزيون.. لماذا ؟.. لأنها خاصمته.. وكرهته..
أجل.. إنها لا تحبه منذ أسبوعين.. عندما تركها.. وحيدة.. عندما جرح مشاعرها.. عندما أهانها.. عندما مضى في طريقه إلى غير رجعة..
............

وتململت "نجوى" في فراشها.. وهى تستمع إلى مقاطع أغنية حبيبها حاتم..
تقلبت في الفراش وهمست لوسائدها :
ـ إنني أكرهه.. أكرهه..
ثم تمتمت في همس :
ـ لا.. إنني أحبه.. أحبه..
ثم انتبهت فجأة وهمهمت :
ـ لا.. بل أبغضه.. أكرهه.. أتمنى لو أقابله الآن ثم أقتله..
............

ثم هبت من فراشها.. وجرت إلى جهاز التليفزيون وضغطت على مفتاحه بعصبية وجنون.. وجاء إليها الصوت متحشرجا.. بغيضا.. عدلت وضع الأريال.. وسرعان ما سمعت الصوت واضحا نقيا والصورة تتفتح شيئا فشيئا.. نظرت إليه وهى تفكر..
ـ إنه الآن هناك.. يا إلهي.. إنه ينظر إلى الفتيات اللاتي تجلسن في هذه المقصورة.. يا إلهي.. إنه يحول نظره إلى الفتيات في المقصورة الأخرى..
ـ ثم.. لا.. لا.. يا إلهي إنه يحول نظره إلى الفتيات في الصف الأول بالصالة كعادته دائما.. لا.. لا.. لا أطيق النظر إليه..
ثم أغلقت جهاز التليفزيون بعصبية وجنون.. وذهبت إلى فراشها.. وأدارت مفتاح المذياع.. وتهادى إليها الصوت هامسا.. ناعما.. يغني لها وحدها.. داعب جفونها النوم.. ولكن..
ـ لا.. لا أريد أن أنام.. صوته يهيج جفوني.. يحرق قلبي..
وتساءلت :
ـ لماذا أشعر الآن بأنني أكرهه من أعماقي ؟.. هل هذا الكره كان كامنا من زمن بعيد ثم ظهر الآن ؟.. لا أدري لا أدري..
............

وجاء إليها صوت "حاتم" يعتب عليها في لين وعطف ويعدد مآثر حبهما معا.. وكيف كان يقضيا أيامهما في هناء وعز وسرور.. وكيف ترنمت لذلك الطيور ورقصت لهما الأشجار وزغردت العصافير.. وكيف سطعت النجوم وأصبح الليل نهارا والغيم تحول إلى صفاء.. و..
ثم همست في سرها :
ـ مخادع.. كذاب.. مضلل.. منافق..
ثم بصقت على الأرض بقوة وهمهمت :
ـ غشاش.. كذاب..
تململت في سريرها وقد احتقن وجهها، ودمعت عيناها وتحشرج صوتها.. وأصبح جسمها يرتعش كله.. إنها لا تدري لماذا ترتعش اليوم هكذا مع أن الجو كان ربيعيا.. والنسيم عليلا..
عاد إليها بعض هدوئها.. وتصنتت للصوت شيئا فشيئا.. وجاء إليها الصوت قويا يتوعدها جزاء ما غدرت ويقول لها :
ـ سأنتقم.. سأنتقم.. وإن طالت الأيام.. وبعدت الأزمان.. ونأت المسافات..
وصرخت بقوة وقالت :
ـ غشاش.. كذاب.. مخادع.. أناني..
ثم شهقت شهقة، وأنت أنينا عاليا.. وزفر قلبها أهات عميقة.. والتصفيق الحاد يأتي مسامعها من جهاز المذياع قويا.. هادرا.. اهتزت له أوتار قلبها.. فلم تملك قلبها إلا أن تغلق المذياع في وحشية وتمضي إلة دورة المياه والشرر يتطاير من عينيها..
............

غسلت وجهها وجففته.. وغيرت ملابسها بسرعة.. قم فتحت صندوقا ما في حجرة نومها.. وأخرجت منه شيئا أخفته بين طيات ملابسها.. ونزلت الدرج مسرعة وأخرجت سياراتها من الجراج واستقلتها مسرعة وهي في حالة يرثى لها..
............

وفي المسرح.. كان هناك يحيط يه حشد من المعجبات..
يتناثرن حوله، ويقذفنه بالورود والأزاهير، وهو يوزع عليهن ابتساماته بلا خجل.. وتظن كل من تراه أنه يبتسم لها وحدها.. فابتسامته تحرك قلوب العذارى.. وترفرف لها أرواحهن الغضة.. وتوقع في قلوب المتزوجات غيرة لا حد لها..
وهو.. هو لا يحس بذلك.. فلا هم له إلا أن يوزع ابتساماته على الجميع في سخاء وكرم.. وهو لا يدري.. لماذا اليوم ـ بالذات ـ لا يحس بما حوله.. فعيناه زائغتان.. وقلبه حيران.. لماذا ؟
ألانه قد خاصم "تجوى" ولم يقابلها منذ أسبوعين ؟؟..
أم لأنها لم تحضر حفلته اليوم ؟؟ رغم أنها كانت تحضر جميع حفلاته قبل أن يعرفها وبعد أن عرفها.. حتى الأيام التي كانا يتخاصمان فيها.. أم السببان معا ؟؟ أم لماذا ؟؟ وأخذ يفكر وحده ويبتسم للجميع..
تقدمت منه عدة فتيات يردن توقيعه.. فمنهن من قدمن مناديل ذات أطراف مزركشة للتوقيع عليها.. وأخريات قدمن له "أتوجرافات".. ابتسم لهن.. ثم وقع باسمه على كل ما يردن.. وبعد ذلك تدافعت عليه الجموع من العذارى يردن التصوير معه !!!
............

انتهى "حاتم" من التوقيع لهن والتصوير معهن.. ثم خرج من المسرح والجموع ما زالت ملتفة حوله.. ثم سرعان ما دلف إلى سيارته.. ومضى بالسيارة مسرعا رغم تدافع الجموع أمامه..
أصبحت الشوارع والطرقات ملئ بالورود والأزاهير وكذلك المسرح من الداخل والخارج.. كلها تحية للمطرب "حاتم" الذي يخطف قلوب العذارى.. وهو حائر ولا يدري بما حوله وقلبه مشغول !!
............

لمحت "نجوى" سيارته من بعيد فأدارت سيارتها نحوه واقتربت منه.. وألتفت السيارتان على كورنيش النيل.. نظرت أليه في حيرة واضطراب.. وتتابعت أنفاسها وصدرها يعلو ويهبط بسرعة..
هبط "حاتم" من سيارته.. وأقترب من سيارتها.. وفتح بابها.. ولم تتحرك هي.. تسمرت فوق مقعدها..
أقترب وجهه من وجهها.. لم تحرك ساكنا.. ولكن دقات قلبها كانت تتابع وتتلاحق في عنف واضطراب..
وأقترب وجهه من وجهها أكثر فأكثر.. ثم طبع قبلة رقيقة على جبينها.. فأحمر وجهها خجلا.. فأخذ يدها في يده بحنان وأخرجها برفق من السيارة..
سارا قليلا نحو الكورنيش.. وأخرج علبة قطيفة حمراء من جيب سترته وفتحها أمامها دون أن يتكلم.. نظرت إلى العلبة في ذهول وغير مصدقة.. أحمر وجهها.. تتابعت دقات قلبها.. ولكن في فرح..
............

سرعان ما ذاب جبل الجليد.. سرعان ما سقط حائط الغضب والكراهية أمامها.. وتحطم كل ما كانت تضمره من حفيظة.. أمسكت يده بحرارة وكأنها تضع فيها قلبها.. وديعة.. أمانة عنده.. وكأنها تهمس له "لا تخوني"..
وطوق يدها بيديه بسرعة وكأنه يقبلها قبلة خاطفة بعيدة عن أعين الرقباء.. ثم وضع يده فوق كتفها وكأنه يريد أن ينتشلها من هذا العالم.. إلى عالم بعيد.. بعيد ليس له وجود !!!
............

سارا بضع خطوات.. تحدثا قليلا.. نسيت كل ما كانت تفكر فيه.. نسى هو حزنه.. عاد إليه رشده.. سمعا البلابل تغرد لهما لحن الحب الوفي.. الشجي.. العذب من جديد!!
............

ـ أنت خبيث جدا..
قالتها له ثم سكتت كأنها تعاتب نفسها..
تساءل في استنكار :
ـ لماذا ؟!!
ـ لأنك لم تتصل منذ أسبوعين.. وكذلك لم تهنئني بعيد ميلادي.. وكذاك لم ترسل لي دعوة حفلتك الليلة..
ـ أنا أسف وأعتذر بشدة عن كل دقيقة كنا بعيدين.. وأنت تعرفين أن عيد ميلادك لا أنساه لأنه عيد ميلادي.. وهل لي غيرك ؟!!
تساءلت غير مصدقة :
ـ معقولة ؟!!
همس في حنان :
ـ نعم... أو لا يكفي كل هذا ؟!!
وأقترب منها.. فاقتربت منه.. والتقت عيونهما وتتابعت أنفاسهما..
............

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار