أشواك على الطريق.. قصة قصيرة

حسن الشامي
2021 / 5 / 13

... لا تعرف من أين تبدأ.. فالأمور قد اختلطت كلها وأصبحت شيئا واحدا تقريبا في رأسها الصغير ذي السبعة عشرا ربيعا..
لا تستطيع أن تميز شيئا عن أخر أو تفرق أحدا دون الآخرين.. ولكنها تستطيع ـ وبكل بساطة ـ أن "تصطنع" الأحداث من بدايتها، فهي تتمثل البداية واضحة جلية، عندما جاء إلى والدها شاب ليخطبها منذ عدة شهور مضت..
وكان هذا الشاب أحمد ـ وهذا اسمه ـ معروف عنه أنه خجول جدا، والحي كله يعرف ذلك.. وجميعهم يتندرون عليه وكأن "ليس للطيب نصيب" في هذه الدنيا العجيبة..
جاءها الشاب خاطبا وهي لا تريد أن تتزوجه.. ليس لأته طيب وخجول فقط.. فالطيبة أو الخجل ليست شيئا مكروها أو غير محبوب.. ولكنها استطاعت أن تزن الأمور بحكمة وتدقق فيها وتتمعن وقائعها..
فقد رفض والدها هذا الشاب لأن أختها الكبرى مازالت غير متزوجة وقد بلغت الخامسة والعشرين فأصبحت بذلك ـ في نظر المجتمع ـ عانسا.. فكيف للفتاة الصغيرة ذات السبعة عشر ربيعا أن تتزوج والكبرى لا تتزوج قبلها ؟!!
ولقد أحتار الوالد أمام ذلك الحدث، وكاد أن يقول للخطيب : إما أن تتزوج الكبرى وإما فلا زواج.. وكان يعلم مسبقا أن الجواب سيكون : إما الصغرى وإما فلا زواج!!
ولذلك أثر الوالد الصمت، ورفض الشاب دون أن يبدي سببا واضحا.. في الرفض.. وقال مشيرا إلى الأخت الكبرى :
ـ إن الفتاة مازالت صغيرة وهناك من هي أحث منها بالزواج..
ولكن الشاب مع أنه طيب وخجول ـ أو هكذا عرف عنه ـ لم ينخدع بزواج العانس وترك الوالد لأنه رفض..
وهنا تجئ البداية..
يرفض الوالد الخطيب لأنه يرفض أن تتزوج أبنته الصغرى قبل الكبرى.. ولكن أهل الحي جميعا يظنون أنه رفض لأن الفتى طيب وخجول..
............

... وتكتب الفتاة في مفكرتها التي تعتبرها السامر الوحيد والأنيس اليتيم.. تكتب فيها عن هذا اليوم فتقول :
"جاء الخاطب ـ ولكنني في سريرة نفسي ودون أن أطلع أحدا ـ لا أحبه لأنه طيب وخجول، ويتندر عليه الجميع، حتى أصبح أحمد ندرة لهم جميعا، وأنا أرفض أن يكون زوجي كذلك"..
... ثم تذكر الفتاة حبيبها.. أجل حبيبها.. إنها لن تنساه أبدا، فهو الفتى الذي تتمناه كل فتاة، وإن أطلق العنان للفتاة ـ أية فتاة ـ فهي لن تتخيل أجمل منه فارسا لأحلامها.. فهو فتى، طويل فارع الطول، ممشوق القد، عريض المنكبين، يمشي وأنفه في السماء مع أن رجله فوق الأرض، أما شعره فهو منسدل في براءة فوق جبينه، وأما عيناه فجميلتان وخضراوان يشع منهما بريق خاطف للأنظار.. ساحر للألباب والعقول..
............

... أما الفتاة "إيمان" رغم أنها كانت في السابعة عشر من عمرها.. فإن ملامح الأنوثة والنضج المبكر تظهر عليها واضحة.. فالنهدان بارزان، والخدان ورديان، والشفتان رقيقتان.. ناعمتا الملمس، وساقاها جميلتان، وخصرها دقيق ولكن في حلاوة وتناسق بديع.. وشعرها.. ما أجمل وشعرها.. طويل إلى منتصف ظهرها..
ورغم كل ذلك الجمال وسنها الصغير، فمجرد أن رأت حبيبها، فقد أحبته وعشقته من كل قلبها وما تزال..
............

... إنها ما تزال تذكر كم تلاقت شفاههما فوق سلم العمارة بعيدا عن الناس ـ كل الناس ـ وفي إحدى هذه المرات رآهما بواب العمارة ـ عم عثمان ـ فخجل من نفسه، ولكنه لم يعطهما الفرصة ليكملا قبلتهما الثانية، فسعل سعلة عالية، جعلتهما يفزعان وتسقط القبلة من بين شفتيهما لتستقر تحت أقدامهما ويدهساها وهما فزعان.. ومضطربان..
............

... "البواب" ـ عم عثمان ـ الرجل الأسود.. هو أول من عرف قصة حبها مع سمير حبيبها.. "أبو سمرة"..
عم عثمان ومنذ أن رآهما وشفاههما لا تلتقيان على السلم أبدا خوفا من أن تسقط قبلاتهما وتضيع هباء كما ضاعت واحدة منها !!!
............

... ذات مرة قبلها سمير فوق سطح العمارة.. وأراد أن يقبلها ثانية لولا ظهور زوجة البواب التي كانت تصعد السلم لتسقي الحمام الذي ترعاه فوق السطوح..
رأتهما المرأة ـ زوجة البواب ـ فهمت أن تصيح أو تصرخ لولا أن أعطاها سميرة ورقة نقود.. وضعها ودسها بسرعة وقال لها :
ـ كل سنة وأنت طيبة يا شيخة..
وذهلت المرأة.. وذهولها هذا أربكها وجعلها لا تصيح ولا تصرخ.. والنقود التي أعطاها سمير لها ـ في نظرها ـ "أحسن من عينه وعينها"..
وهكذا أنكشف غرام "روميو وجولييت" أمام بواب العمارة وزوجنه..
............

... أما إيمان فإنها لا تعرف من أين الشجاعة التي جاءت لحبيبها وأخرج النقود لزوجة البواب ولم يسقط من طوله مثلما فعلت هي.. وتمنت أن تنشق الأرض وتبتلعهما في الحال.. ثم تبتلع معهما جريمة الحب والغرام..
ولكن الأرض لم تنشق.. فأرادت أن تقذف بنفسها من فوق السور من أعلى العمارة.. ولكنها لم تفعل.. وفكرت : "يا إلهي!! أقذف نفسي.. وشبابي يموت وجمالي يزوي!! لا.. لا"..
ثم سقطت مغشيا عليها.. وما أن رأتها زوجة البواب حتى أسرعت وأحضرت بصلة وكسرتها وشممتها للفتاة فأفاقت وعاد إليها وعيها.. وهنا لم تملك زوجة البواب إلا أن تقول لها :
ـ مالك يا اللي تنحشي.. وقعت من طولك.. وشك أصفر ؟!
ولكن الفتاة لم تجب.. وبماذا تجيب ؟ أتقول لها أنت السبب.. أم ماذا تقول ؟
ولكنها فضلت الصمت، وأثرت السكوت كما فعلت زوجة البواب.. فلم يسعها إلا أن تنظر إلى ورقة النقود التي كانت ما تزال في يدها ودستها في جيبها.. ثم قامت لتسقى الحمام وقد نسيت كل شئ عن الغرام الحرام فوق السطوح..
............

... أما سمير.. فالفتاة لا تدري ما الذي فعله عندما أغمى عليها، ولكته قال لها عندما سألته :
ـ بعدما نزلت زوجة البواب لتحضر البصلة.. أخذت أقبلك حتى أنقطع نفسي، ولكنك لم تفيقي إلا على رائحة البصل !!!
فأخذت تضحك وتضحك.. فماذا كانت تستطيع أن تفعل غير ذلك ؟!!!
ثم قالت لسمير :
ـ ولماذا لم تقل لي شيئا من كلامك العذب وشعرك الخلاب.. الذي يجعلني أنسى نفسي ولا أحس بما حولي ؟!!
... أجل لقد كان يقول لها كلاما يجعلها تسعد وتفرح وتغيب عن الدنيا من حولها..
فلقد كان يقول لها :
ـ يا إيمان.. أنت أجمل من كليوباترا، وأروع من جولييت، وابتسامتك أجمل من ابتسامة الموناليزا، وشفتاك أحلى ما رأيت في حياتي.. فأنت ملاك طاهر.. إذا راءك المذنب يعترف بذنبه.. وإذا راءك العليل يشفى من دائه.. وإذا راءك الحزين يبعد عنه حزنه.. وإذا راءك الفرح يزداد فرحا..
... كانت تستمع إلى حديثه فتفرح.. ومن يستطيع غير سمير أن يقول ذلك ؟
............

... ولكنها ـ الآن ـ لا تدري أين سمير ؟ لماذا لم تعد تراه منذ مدة طويلة ؟ لقد كانت تضحك من أعماقها وهي تستمع إلى كلمات الإغراء والإطراء بالجمال والحسن الذي تتمتع به هذه الصغيرة الساحرة..
............

... إنها ـ بجمالها وحسنها ـ تفوق أختها العانس وزوجة أبيها الجميلة.. نعم فلقد كان لها أخت عانس لا تمل من التزين ووضع البودرة والروج وكثيرا ما تنشب بينها وبين زوجة الأب مشاجرات مستمرة، ومعارك متصلة حول هذه المستحضرات..
............

... أيمان.. أجل إن إيمان تكره رقم "5" لأنها استمرت مع حبيبها خمسة شهور.. ثم غاب ولم تعد تراه.. ولم تصدق ما قاله الناس عنه.. فقد قالوا : أن سمير ذهب إلي مصحة الأمراض العقلية لأنه أصيب بلوثة جنون.. هكذا يقولون!!
وتكره رقم "5" أبضا لأن والدها تزوج غير أمها يوم "5" في شهر "5" ولا تذكر ما هي السنة.. لأنها تكره أن تذكر أشياء تؤلمها وتنغص عليها حياتها..
... أمها.. إنها لا تذكر ما هو شكلها لأنها توفيت وهي طفلة صغيرة.. ولم تكن يومئذ تستطيع أن تميز..
... طفلة.. آه طفلة.. إن إيمان تريد أن تلد طفلة ذات عيون خضراء، وشعر أصفر.. نعم إنها تحب الشعر الأصفر ولا تحب الشعر الأسود مع أن شعرها أسود..
... إنها لا تحب اللون الأسود أبدا.. لأن اللون الأسود يدعو للتشاؤم.. وهي متفائلة دائما..
... وهي تحب اللون البني.. لأن عينيها بنيتان، والفستان الذي قابلت به سمير أول مرة كان بني اللون.. وكان هو يرتدي حذاءا بني اللون أيضا..
... وتتمنى أن ترتدي طفلتها من سمير فستانا بني اللون.. كما أن قطتها التي تحبها بنية اللون أيضا.. ولذاك تحب كل شيء بني اللون.. تحبه حبا كثيرا..
............

... وتذكر أيمان ـ بكل وضوح ـ زوجة أبيها.. التي تحاول أن تكون جميلة.. وتسرف في الزينة وتضاهي بذلك الفتيات الجميلات صغيرات السن.. وتحاول أن تتفوق في الزينة والملابس على الفتيات ذوات العشرين عاما.. وربما كان ذلك سببا في إعجاب والدها بها..
... أما أختها العانس فإنها كثيرا ما تتزين.. وكثيرا ما سرقت البودرة والروج من دولاب زوجة أبيها.. وكثيرا ما نشب بينهما الكثير من الشجار والعراك بسبب ذلك.. وربما كانت هذه المعارك أحد الأسباب التي تسببت في السمعة السيئة لأختها في الحي كله..
............

... أما الأب فإنه كان حائرا ـ عظيم الحيرة ـ أمام ذلك.. وكثيرا ما كان يتساءل : هل يطلق زوجته التي تلبي مطالبه ويعتمد على أبنتيه ؟!! وهل تستطيعان ذلك ؟!!
... ولكن أبنتيه.. إحداهما عانس وهذه مسكينة لا تستطيع أن تعد لنفسها طعاما.. فكيف لها أن تخدم والدها وأختها ؟
وأبنته الثانية.. مازالت طالبة ويجب أن تنتبه لدراستها.. وليس لها في شئون المنزل خبرة.. فلم تتعلم شيئا من والدتها التي توفيت وهي طفلة..
... وأصبح الوالد في حيرة شديدة.. ولا يدري ماذا يفعل.!!
............

... والفتاة العانس قبيحة الصوت والصورة.. ويزيد من قبحها هذا الأنف الكبير الذي يستحوذ على مساحة كبيرة من وجهها.. أما عيناها فغائرتان، وأذناها كبيرتان، وشفتاها غليظتان، وفمها واسع وكبير جدا..
... وتذكر الفتاة الصغيرة ـ إيمان ـ أن أختها العانس لديها صدرا ناهدا ولكنها تفرط في استعمال شدات الصدر الضيقة جدا والتي تجعل نهديها بارزين.. وتذكر أن أختها عندما تدخل الحمام فإنها لا تخرج منه قيل ساعتين، وتفرط في استعمال أدوات الزينة..
............

... والفتاة الصغيرة تعتبر كل هؤلاء.. سواء أكان ذلك والدها، أو أختها، أو زوجة أبيها، أو البواب، أو زوجته، أو الفتى الطيب الخجول الذي تقدم لخطبتها.. كانت تعتبر كب هؤلاء أشواكا في طريقها.. لأنهم كانوا يحولون دون وصولها إلى ما تتمناه..
... فمنهم من لا يريد لها السعادة ويقف في سبيلها كأبيها وزوجته وأختها..
... ومنهم من يتجسس على لقاءاتها وقبلاتها مع حبيبها المفضل والوحيد في الدنيا.. مثل البواب وزوجنه..
... ومنهم من يريد أن يستأثر بها وهو ليس أحق بذاك.. مثل الفتى الطيب الخجول..
... أذن فكل هؤلاء أشواك في طريقها.. والزهرة الوحيدة وشط هذه الأشواك فهو حبيبها سمير والذي لا يبلغ من عمره أكثر من واحد وعشرين عاما.. وهو طالب متفوق في كلية الهندسة.. إنها لا تصدق أن حبيبها هذا فد دخل مستشفى الأمراض العقلية.. إنه أشد الناس عقلا من كل المحيطين بها.. حتى والدها.. لأنه يفهمها ويعرف ما تريد ويلبي لها كل ما تريد.. قبل أن تنطق..
............

... لقد فكرت يوما ما أن تذهب إليه في المستشفى.. ولكنها سمعت أن لون المستشفي أصفر.. السرايا الصفراء.. وهي تكره اللون الأصفر إلا في الشعر الأصفر الطويل فقط..
ولكنها صممت على زيارته هناك.. لا يهم لون المستشفى.. أصفر أو غير أصفر.. وقررت أن تزور حبيبها وتبحث عنه وتطمئن عليه مهما حدث من أمور..
............

... وذهبت هناك ووجدته.. وبعد ذلك أصبحت تزوره وتعود مبكرة دون أن يعلم أحد.. حتى والدها. وتكررت زياراتها له وهي على يقين أنه سيشقى يوما ما.. وسيعود إليها هي فقط!!
... وكانت متأكدة أنه سيشفى ليعود إليها.. هي فقط.. وليكون رفيقها الوحيد الذي تحبه وتبحث عنه ليساعدها ويدهس كل الأشواك التي تعترض طريقها..
............

... ومرت خمسة شهور.. ومازال حبيبها في المستشفى.. ورغم أنها تمقت رقم خمسة هذا الذي يجلب عليها النحس والشؤم.. وتكره الحاسدين الذي حسدوا سمير حبيبها.. الذي لا تتخيل حياتها بدونه..
... وتذكرت الذكريات المؤلمة التي صادفتها في حياتها.. ولكن لم تتخيل أن حبها الوحيد سيكون مصدرا للألم في حياتها..
... وكتبت في مفكرتها :
"أتمنى لو يهرب حبيبي من المستشفى ويكون معي.. ليساعدني في حياتي ويدهس معي ما يعترضنا من أشواك تعوق سعادتنا.. ولكن يا ترى هل يستطيع أن يهرب ؟ هل ؟ هل ؟!!".
............

... ولكنها بعد عدة أيام ـ وقبل أن تجيب ـ جاءتها الأخبار من الناس تقول : إن سمير حبيبها ضرب رأسه في الحائط بالمستشفى.. حتى مات من شدة الألم..
... إنها لا تصدق أن يموت حبيبها قبل أن يتزوجا ويعيشا في سعادة.. بعيدا عن هؤلاء الكاذبين والحاقدين.. ... وبعد ذلك بمدة قصيرة كتبت في مفكرتها : "لقد جاءتني الأخبار تؤكد أن الشاب الطيب الخجول فد خطب فتاة طيبة ومتوسطة الجمال ثم تزوجها وذهب بها بعيدا ليعيشا معا حيث لا أعلم أين هما الآن ؟".
............

... ومر عام على ذلك.. وأصبحت الفتاة في الثامنة عشرة من عمرها.. ومازالت المفكرة هي رفيقتها الوحيدة والأنيس المفضل.. وهي تسجل فيها ذكرياتها وأفكارها.. لم تتورع أن تكتب في هذه المفكرة التغيرات التي تطرأ علي جسدها :
"أصبح عمري 18 عاما.. وطولي 165 سم.. ووزني 70 كيلو جراما.. أما نهداي فقد كبرا.. وتوردت وجنتاي.. وبدأت أحس أنني أنثى ناضجة.. والعينان بنيتان.. والحاجبان كثيفان وغزيران جدا.. والأهداب طويلة جدا وجميلة !!".
... وسجلت إيمان كذلك ذكريات حبها الثاني.. كان ضابط شرطة حديث التخرج.. ولم يستمر حبهما سوى خمسة شهور فقط.. حتى قرأت نعيا في العمود الخامس بإحدى الجرائد اليومية.. ينعى حبيبها ضابط الشرطة.. شهيد الوطن والواجب..
... بكت بكاء شديدا على فراقه.. ولم يعلم أحد ـ حتى والدها ـ لماذا تبكي ؟
وتعجب والدها لأحوال أبنتها التي كانت تبكي منذ فترة قصيرة.. وفجأة عادت السعادة تنير وجهها.. ولكن لم تستمر هذه السعادة طويلا.. وهاهي الآن.. مكتئبة وحزينة ولا يعرف أحد السبب في كل مرة..
وأعتقد والدها أن تصرفاتها غير مفهومة.. لقد جنت إيمان !!!
............

... وتركها والدها وهو حائر أمام تصرفاتها وحزين على أحوالها.. وهي ترفض أن تقول لأحد ما الذي تشعر به..
... ولم تمر سوى أسابيع قليلة حتى ماتت أبنته الكبرى مختنقة بالغاز وهي في الحمام.. وكان ذلك بتدبير من زوجة الأب الغيور منها.. التي أحدثت ثقبا في أنبوبة الغاز.. وتسرب الغاز والفتاة في الداخل والنوافذ مغلقة والباب أيضا.. ورغم صرخات الفتاة غي الحمام لم يستطع أحد إنقاذها.....
... وأسفرت التحقيقات عن اتهام زوجة الأب في الجريمة..
... ولم يحتمل الأب ما يحدث.. فخرج من البيت ولم يعد مرة أخرى..
............

... وأصبحت إيمان وحيدة في هذا العالم الغريب..
فقدت الحبيب الأول.. الذي تزوج أخرى..
وفقدت الحبيب الثاني.. ومات شهيد الوطن والواجب
وفقدت أختها الكبيرة.. مخنوقة بالغاز..
وفقدت زوجة أبيها.. المتهمة في وفاة أختها..
وفقدت أباها,, الذي خرج ولم يعد..
واختفت الأشواك من طريقها.. واحدة.. واحدة.. حتى الزهرة الوحيدة في حياتها ـ حبيبها سمير ـ اختفى أيضا..
وهكذا.. أصبحت وحيدة بلا صديق أو رفيق.. ولم يتبقى في حياتها أنيس سوى مفكرتها التي تكتب فيها كل أخبارها وكل أسرارها..
............

... وذات يوم.. صعدت الفتاة إلى سطح العمارة في نفس المكان الذي شهد قصة حبها الأول.. وأجمل لحظات حياتها.. نفس المكان الذي رأتهما فيه زوجة البواب.. وكشفت حبها الأول.. وقررت أن تكون نهاية حياتها في نفس المكان الحبيب إلى قليها..
............

... وفي صباح اليوم التالي.. وجد أهل الحي جثة الفتاة الجميلة ملقاة في الشارع أسفل العمارة.. وكان يقف أمامها بواب العمارة وزوجنه الذين شهدا أول حب لها.. وأول قبلاتها مع حبيبها..
... ودخلت زوجة البواب وأحضرت قطعة قماش وغطت جسد الفتاة لتحميه من العيون الشرهة التي بدأت تختلس النظرات إلى الفتاة الجميلة المنتحرة..
... وحضر رجال الشرطة.. وصعدوا إلى سطح العمارة.. الذي قذفت منه الفتاة بنفسها.. ووجدوا مفكرتها وبها الجملة الأخيرة في الصفحة الأخيرة :
"لقد زالت الآن من طريقي كل الأشواك.. وهل تستطيع الزهرة أن تعيش بعيدا عن الأشواك !!!".
... ولكن أحدا لم يفهم ما تعنيه الفتاة.. لأنها هي وحدها التي تعرف ما تعنيه !!
............

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب