النظرة الوحيدة.. قصة قصيرة

حسن الشامي
2021 / 5 / 13

تأملها طويلا..
لم تعره التفاتا..
حدق فيها جيدا..
نظر إلى عينيها..
وجدهما بحرا عميق الأغوار.. غاص فيه..
أول مرة يحس أن للعوم فائدة كبيرة..
عيناها النجلاوان يحتاجان إلى سباح ماهر يسبر غورهما..
............

ظن نفسه يفهم لغة العيون.. إلا هاتين العينين..
لم يستطع أن يجد فيهما تعبيرا واحدا ينم عما يدور بذهنها..
تجرأ على النظر إليها بإمعان..
لم تعره التفاتا..
السيارة تنوء بحملها..
الركاب يتململون من الزحام.. إلا هو..
كان هناك بعيدا.. بعيدا.. في اللا نهاية..
............

عاود النظر إليها..
أحس براحة طائر شارد يعود إلى أليفه بعد طول عناء..
يذكر ما رآه في منامه أمس.. وقبل أمس..
كانت جميلة كما هي الآن.. رقيقة.. رائعة..
شغل ذهنه بها..
ترى فيما تفكر هي الآن ؟!!
............

رغم أنها لم تنظر إليه.. ولم تطرف بعينها نحوه.. إلا أنه ظنها مشغولة به!!
يا للروعة!! وهي تجلس أمامه.. وهو يحاول جهده أن يظل واقفا بجوارها.. رغم أن ذلك كلفه جهدا كبيرا في الحفاظ على مكانه في هذا الزحام الشديد..
............

عيناها.. عيناها..
وتذكر عيني والدته..
إن لأمه عينين جميلتين أيضا..
ولكن شتان.. شتان !!
شعر بالحنين إلى أمه..
كم مضى من الوقت وهو بعيد عنها ؟!!
وكيف حال أخواته البنات ؟؟
............

عاود النظر إليها.. يستمد الأمل والنجاة !!
حقا إنها الجمال ذاته..
قدها.. شعرها.. يداها..
ترى كيف يكون الحنان بين يديها ؟!!
............

هي جاراته حقا.. ولكن هل تعلم ذلك ؟!!
تذكرها وهي رائحة.. غادية.. أمامه..
رزينة.. أنيقة.. يشيع من حولها في كل مرة دلال نادر..
رآها تتبختر في مشيتها عدة مرات..
وهاهي الآن تجلس أمامه..
آه.. كم يحس بالراحة في وجودها !!..
............

الركاب حوله يتأففون وهو وحده السعيد..
تعساء هؤلاء الناس..
الجمال معهم ولا يحسون بوجوده..
مخطئون هم.. بل قل إنهم أغبياء.. لا يعرفون كيف يبحثون عن مصدر سعادتهم !!
رغم أنها حتى الآن لم تنظر إليه.. إلا أنه لم يحجم عن النظر إليها بإمعان..
كيف يترك كل هذا الجمال ويشرد بعيدا عنه لحظة واحدة ؟!! أهو غبي مثلهم ؟!!
............

توقفت السيارة عدة مرات..
هبط ركاب وصعد آخرون..
وهو لا يدري ولا يحس ما حوله..
لكزه المحصل.. لم يهتز..
نقده ورقة مالية دون أن يلتفت إليه..
أعطاه المحصل التذكرة والمبلغ الباقي وهو ينظر إليه بدهشة يعتريها غضب ظاهر..
............

غاص في أغوار عينيها..
كانت عيناها ثابتتين.. لا تتحركان نحوه..
تنظران من نافذة السيارة.. تتابع المرئيات أمامها.. وكأن أحدا لا يستحق مجرد نظرة منها..
............

اهتز الركاب في أماكنهم عندما توقفت السيارة فجأة لتفادي طفلا يعبر الطريق..
ضج الركاب بالضحك واللعنات.. ونظر بعضهم إلى بعض وتمتموا :
ـ يا ساتر.. يا ساتر..
إلا هي.. لم تتحرك.. بل أمسكت بظهر المقعد أمامها.. ولم يبدو عليها شئ من الفزع أو القلق !!
ولم تحاول النظر إليه..
مما جعله يتأكد في قرار نفسه أنها تتعمد ذلك لعلمها بوجوده واهتمامه بها..
............

وتوقفت السيارة..
وهبط بعض الركاب..
وصعد راكب مهندم..
شعره مصفف بعناية..
وحقيبته أنيقة..
نظارته بيضاء تظهر منها عيناه في وضوح وجمال..
............

لم يهتم بالراكب..
رغم أنه وقف بجواره..
ورغم نفاذ رائحته إلى خياشيمه..
ورغم فضوله الشديد لمعرفة صاحب هذا العطر..
فقد كان ذهنه معها.. وعيناه مركزتين عليها فقط..
............

"فماذا تساوي الدنيا كلها بدونك ؟!.. وأنت يا حبيبتي الدنيا كلها..
وأنت مرفأ أملي وشاطئ حبي.. عليه استرخي بعد رحلة شاقة في بحار المجهول..
وأنت يا حبيبتي دوحة الغناء أتفيء فيها إذا جارت علي الشمس بحرها..
وأنت يا حبيبتي نبع أطفأ فيه ظمأى !!
آه.. يا حبيبتي..
إن كياني يتزلزل حينما أراك !!
وقلبي يرفرف في سماء لا نهائية إذا تذكرتك..
وعيناي لا تريان سواك.. حتى لو كنت نائما..
وفؤادي يهفو إليك..
ويستدعيك خيالي حتى ولو كنت في قصرك المنيع ودونك الموت محققا"
............

لا يمكن أن يحدث هذا!!
أمعقول أن يصدق ما حدث ؟!!
ولم لا ؟ وقد رآها بعينيه وهي تنظر إلى هذا الراكب الأنيق..
رآها تصوب نظراتها بدقة بالغة ومحسوبة بعناية إلى وجه هذا الراكب الأنيق الواقف بجواره.. ثم تعيد نظرتها الوحيدة تلك مرة أخرى بنفس الدقة لتنظر من نافذة السيارة دون أن تطرف بعينها نحوه..
رغم أنها كانت نظرة وحيدة.. خاطفة.. إلا أنه كان يود لو كانت له.. حتى ولو جزء منها.. وهي تسحب نظرتها من على الراكب الأنيق في طريقها إلى النافذة مرة أخرى..
أحس بإحباط شديد.. وشعر كأنه يهوي من حالق.. وقد دكت عتقه وهان عليه الوجود..
............

في تلك اللحظة تجسدت أمام عينيه مشاعر الحرمان التي طالما أحس بها في مراحل مختلفة من حياته..
الحرمان الذي كان يشعر به عندما كان يسير في أيام العيد بين أبناء قريته الصغار وقد ارتدى كل منهم ملابسه الجديدة لأول مرة بينما هو يرتدي ملابس العام الماضي..
الحرمان الذي كان يشعر به إذا ما ذهب إلى المدرسة في العام التالي بنفس الحذاء القديم..
الحرمان الذي كان يشعر به عندما فقد والده ذات يوم في فترة مبكرة من حياته.. ولم يع إلا بوالدته تحمل عبء تربية أخواته البنات..
ولم يكن يبدد كل مشاعر الحرمان تلك إلا شئ ما كان يستقر في أعماقه.. يستعين به على الاحتمال..
ولكن مشاعر الحرمان تلك التي سرعان ما عادت من مكمنها فجأة.. لا يدري هل حقا يستطيع أن يتغلب عليها بذلك الشيء الكامن ؟!!
أحقا يستطيع أن يتناسى كل حبه لها وهيامه بها طوال الفترة الماضية ؟!!
............

آه.. كم أحبها..
في الصباح يراها..
وعند الظهر يستدعيها خياله..
ويشتاق إليها في المساء..
ويقضي ليله معها..
حتى يتسلمه صباح جديد يراها فيه..
............

والآن.. الآن.. يا حبيبتي..
نظرتك الوحيدة لم تكن لي..
مع أنني كنت لك.. وأظنك دوما لي..
الآن.. الآن.. يا حبيبتي..
ماذا تساوي الحياة بعدك..
وكيف يهوي الأمل ويتبدد الرجاء ؟!!
............

إلى هذا الحد تكون قسوتك ؟!!..
إلى هذا الحد تبخلين علي بنظرتك الوحيدة ؟!!
هل أستطيع الاحتمال ؟!!
أحقا أستطيع ؟!!
............

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار