ذكريات الحب الأول.. قصة قصيرة

حسن الشامي
2021 / 5 / 13

كنت أقف عند منعطف أحد الشوارع عندما جاءني طفل صغير لا يتجاوز السابعة من عمره..
كان الطفل جميلا يشع من عينيه الزرقاوين بريق جميل، وكان شعره المتهدل على وجهه يزيده جمالا..
وقد كان يرتدي بنطلونا أزرق قصيرا وقميصا أبيض اللون..
وبعد أن تأملت الطفل في لمح البصر، كان هو يمد يده إلي حاملا في قبضتها الصغيرة ورقة مطوية..
وقال لي الطفل :
ـ ماما تسلم عليك.. وتقول لك خذ هذه..
فقلت له مداعبا :
ـ أنت اسمك أيه يا بابا ؟!!
ـ اسمي أحمد منصور..
ودهشت عندما سمعت ذلك الاسم..
وأخذت الورقة من الطفل على عجل.. وما كدت آخذها حتى فتحتها، وقرأتها، ثم طويتها، ثم قرأتها، ثم طويتها، وأخيرا قرأتها للمرة الثالثة، وكان بها جملة واحدة : "مازلت على عهدك.. صباح"..
............

وكان الطفل مازال واقفا أمامي.. فقلت له :
ـ هي ماما فين ؟
فأشار الطفل إلى حيث تقف والدته، وكانت تقف أمام محل حلويات.. وتأملتها.. كان منظرها جميلا.. وقدها حلوا.. كما عهدتها دائما..
وعندئذ أعطيت الطفل ورقة لأمه بعد أن كتبت بها :
"أنت مجنونة.. أهتمي بمنزلك وزوجك وأطفالك.. ولا تفكري في ذلك مرة أخرى.. عبد الرحمن"..
ثم انطلقت في شارع مجاور.. وأنا أهرول من شارع إلى شارع.. حتى ابتعدت..
............

وبدأت أتذكر.. وأستعيد أيامي الجميلة معها..
تذكرت أول لقاء معها..
كنا في الخامسة عشرة من عمرينا..
وكانت صباح تقطن المنزل المجاور لمنزلنا..
وكانت أسرتانا متحابتين.. تود كل منهما الأخرى في كل المناسبات..
وكنت على اتصال دائم بصباح..
وكانت والدتي ووالدتها تتحدثان طويلا دون أن تملا الحديث.. وفي كل مرة.. بمناسبة وبدون مناسبة.. تقول والدتي لوالدتها باستمرار :
ـ عندما يكبر عبد الرحمن ويخلص الجامعة والجيش إن شاء الله ويشتغل مهندس.. هنجوزه صباح..
فتجيب والدتها بفخر واعتزاز :
ـ إن شاء الله يا حبيبتي.. سوف نجهزها ونحضرها لغاية باب البيت.. هو عندنا أحد أغلى من عبد الرحمن وصباح.. هما أول فرحتنا..
............

وكنت أنا وصباح نستمع إلى هذا الحديث ونحن سعداء.. وعندما انفرد بصباح أقص عليها أحلامي الوردية.. أحلام الصبيان والبنات التي لا تحدها حدود أو تمنعها موانع..
وكانت صباح تستمع إلي في طرب وسرور..
فأذكر لها أننا سوف نتزوج وننجب طفلين فقط.. وأشترط طفلين فقط.. ولد نسميه أحمد وبنت نسميها ياسمين..
وكان أحمد اسم جدي الذي أحبه كثيرا.. وياسمين هي معلمتي في المدرسة الابتدائية التي أحببتها كثيرا كأمي.. وكانت فخورة بي لتفوقي الدراسي المبكر.. ونظافة ملابسي المدرسية.. بل كانت تحث أصدقائي في الفصل على التشبه بي.. وتقول لهم :
ـ شوفوا عبد الرحمن عامل أيه واعملوا زيه..
وكم كان حزني شديدا.. عندما تركت أبلة ياسمين المدرسة ونحن في ثالثة ابتدائي حيث ستتزوج في منطقة بعيدة عن المدرسة.. واستمر حزني وبكائي على فراق أبلة ياسمين شهرا كاملا.. ومازلت حتى الآن أتذكرها ولا أنساها أبدا..
............

كنت أواصل مع صباح أحلام المستقبل..
فأذكر لها أحلاما تبدو في نظري وكأنها شئ لابد أنه سيحدث يوما ما.. فكانت أحلامي عديدة.. وكثيرة.. ومنها أنني سوف أكون مهندسا إن شاء الله دليل التفوق في الدراسة.. وضابطا في الجيش إن شاء الله دليل حبي للوطن.. وسوف أرتدي البدلة العسكرية التي طالما أعجبت بها عندما أراها فوق جسد أحد الضباط..
............

وكنت أذكر لها أنني أريد أن أراها طبيبة ماهرة تداوي المرضى والجرحى بالحنان الذي كنت أحسه في كل تصرفاتها..
وكانت صباح توافقني في كل أحلامي.. وأحيانا أجدها تسبقني في هذه الأحلام !!..
............

كانت صباح ذات أنوثة ناضجة.. صدرها ناهد.. وشعرها أسود طويل مسترسل ويصل إلى منتصف ظهرها تماما.. وعيناها.. ما أجمل عيناها !!
فلون عينيها نادر.. نادر جدا.. فلونها أخضر تظهر فيه صفرة خفيفة.. ويخيل إليك أن الحقول الخضراء والصحراء الصفراء قد أمتزجتا معا في سيمفونية رائعة الجمال.. وعيناها واسعتان يحفاهما حاجبان كثيفان جميلان.. أما أهدابها فطويلة جدا كأنها مظلة تحمي عينيها من كل الحاسدين..
أما ردفاها وساقاها فجميلة بكل ما تحمله الكلمة من معاني..
والقد والخصر والطول.. كل ذلك يلاءم خيالي كشاعر وروائي..
............

كانت تقرأ كل ما أكتب من أشعار وقصص بشغف وحب زائدين ثم تناقشني فيما قرأت وكانت تكتشف أخطائي فقد كانت بارعة في ذلك.. وكانت تطلب مني أن أسمعها ما أكتب بصوتي..وكانت تسرح فيما أقول..
وبعد أن كبر حبنا أنا وصباح.. كنا ننفرد بعضنا ببعض.. نقص أحلامنا الجميلة.. ونسرح في الحياة الوردية الساحرة.. ونعيش هذه الحياة الخيالية كأنها حقيقة..
............

وفي أحد الأيام جاءتني صباح مسرعة قلقة.. وقالت لي :
ـ هل أنت جاد فعلا في حبنا ؟!!
فقلت لها :
ـ نعم.. وهل عندك شك في ذلك ؟!!
فقالت لي :
ـ وماذا أعددت لذلك الحب ؟!!
فقلت لها :
ـ ماذا تقصدين ؟!!
فردت بجدية شديدة :
ـ أذن يجب أن نفكر فيما يجب أن نفعله معا وليس فيما نحلم به..
فقلت لها :
ـ إن الأحلام هي أول الطريق لتحقيق ما نريد في المستقبل..
فقالت صباح في هدوء :
ـ لقد جاء إلى منزلنا أمس.. ابن خالتي وأسرته ليخطبني من أبي.. وتمت قراءة الفاتحة فعلا..
فتغير لوني.. واصفرت شفتاي.. وشحبت سحنتي.. فقلت وقد اضطربت الكلمات في فمي :
ـ كيف يحدث هذا ؟!!
فكررت الكلمات بنفس الهدوء :
ـ لقد تمت قراءة الفاتحة فعلا.. هل سمعت ما قلته ؟!!
فقلت لها :
ـ وهل والدك وافق ؟!!
فردت صباح وهي تنظر للأرض :
ـ نعم...
فصرخت وقد أشتد غضبي.. وقلت :
ـ لا.. لا.. لن تتزوجي غيري.. ليس معقولا أن يتحطم حلمنا هكذا.. ليس معقولا أبدا..
وكان كلامي وصراخي وغضبي هو أقصى ما يمكن أن أفعل.. فهذا هو سلاح الضعفاء.. الكلام فقط.. دون أي فعل.. فالحديث والصراخ والوعيد لا فائدة منهم.. وسرعان ما يذهب أدراج الرياح..
ولم تتحرك صباح أو يهتز لها جفن.. ولكن قلبها ينفطر.. والعبرات تتأرجح في عينيها بين السقوط وعدم السقوط.. وتحاول أن ترد على كلامي في هدوء :
ـ إذا كنت تريد فعلا الزواج مني.. تقدم لأسرتي مثلما تقدم هو.. لا تتأخر..
فقلت لها محاولا استجماع شجاعتي :
ـ ولكنك تعلمين أنني لست جاهزا لذلك.. فانا ما زلت طالبا في الصف الثالث الثانوي.. وأمامي الدراسة في الجامعة.. والخدمة العسكرية.. ثم البحث عن عمل مناسب لي.. فالطريق مازال طويلا.. وأنت كذلك مثلي.. فالزواج ليس بهذه السهولة.. ويجب عدم التسرع في ذلك..
فقالت ومازالت تنظر إلى الأرض :
ـ يجب عليك أن تتحرك بسرعة حتى لا نندم نحن الاثنان..
وتركتني وحيدا..
............

وعدت إلى منزلي حزينا..
كنت واجما.. متألما أشد الألم..
لا أدري ماذا يجب علي أن أفعل ؟!! وكيف أتصرف ؟!!
ودخلت البيت في صمت.. محاولا عدم إحداث صوت حتى لا يشعر أحد بدخولي..
وبمجرد أن دخلت.. نادتني أمي.. وأخبرتني أن صباح خطبت لأبن خالتها منصور.. فسألتها :
ـ كيف يحدث هذا ؟! وأين وعدهم لي بالزواج بها..
فقالت أمي :
ـ هو تقدم لها لأنه أحق منك..
فصرخت من شدة غضبي :
ـ كيف يكون أحق مني ؟!!
فردت أمي بهدوء :
ـ هو ليس أحق منك بالحب.. ولكنه أبن خالتها.. وسنه أكبر منها بخمس سنوات.. وتخرج من الثانوي الصناعي العام الماضي.. وهو وحيد أسرته.. يعني ليس مطلوبا للخدمة العسكرية..
فقلت لها :
ـ هو يعمل فنيا في مصنع.. وأنا سأكون ضابطا مهندسا إن شاء الله..
وأغرورقت عيناي بالدموع وأنا أقول لها :
ـ أنا وصباح متفقين على كل حاجة.. وأنتم عارفين كده من زمان..
فردت أمي بهدوء وهي تتحاشى النظر إلي :
ـ اسمع مني كلمتين.. صباح مش من نصيبك.. ولازم تبص لمستقبلك كويس.. مفيش داعي للحزن.. خليك راجل.. الحياة فيها مصاعب كثير ولازم نستحمل علشان نعيش..
وتركتني أمي وحيدا.. حزينا..
............

وظللت أبكي حتى الصباح..
ولم تمنعني أمي من البكاء..
وكانت هذه أول مرة أبكي في حياتي.. فأنا لا أبكي أبدا مهما كان الألم أو المرض.. هكذا علمتني أمي :
ـ وهل يبكي الرجال ؟!!
وبعد ذلك.. توسلت إلى أبي وأمي ولكن دون جدوى.. وعرف كل أقربائي وأصدقائي حالة الحزن التي أعيشها.. ولكن لم يساعدني أحد..
ومرت بي أيام الحزن طويلة مملة كئيبة وكأنها سنوات.. حتى جاء موعد زفاف صباح إلى خطيبها..
وهكذا مرت الأيام سريعة كأنها تتعجل نهاية حبي الذي استمر سنوات طويلة.. هكذا انتهى في أيام..
ومنذ أن خطبت صباح إلى منصور لم أرها إلا مرة واحدة حينما جاءت لتودعني وهي منهارة وتبكي وتقسم أنها ستكون مخلصة للحب الذي عشناه ولن تنسى أبدا أحلى سنوات العمر..
ولم استطع الرد.. فماذا أقول وأنا أودع حبيبة القلب ؟!!
............

وتذكرت يوم زفاف صباح.. عندما رأتني وأنا أنظر إليها.. بل إلى عينيها.. وفي عيني تساؤل غريب :
ـ أراضية أنت يا صباح !! أهكذا حبنا لسنوات طويلة يموت سريعا ؟!!
وعندما لم أجد في عينيها إجابة على سؤالي.. شعرت بخيبة أملي وتركت المنزل بل المنطقة كلها وذهبت أفضي بهمومي بعيدا.. لكي لا أرى بعيني حبي يموت هكذا.. الحب الذي نسجته من خيالي وعشته في حياتي.. وعشته واقعا مع صباح كل يوم.. كيف أراه أمام عيني يضيع هكذا ؟!! لا أستطيع الاحتمال.. ومن أين لي قلب يتحمل كل هذا العذاب ؟!
............

وعندما عدت إلى منزلنا في منتصف الليل.. كانت الطبول قد خفتت والزغاريد قد سكنت والزينة قد أزيلت.. وكان يطبق على الحي سكون غريب موحش رهيب لم يعهد فيه من قبل.. أذن فقد حدث شئ مروع.. وهل هناك شئ مروع غير زفاف صباح إلى شخص أخر غيري ؟!!
دلفت إلى منزلنا في هدوء.. ولكني وجدت أمي تنتظرني.. كانت صامتة.. واجمة على غير عاداتها.. فسألتها :
ـ ماذا حدث ؟!!
فأخبرتني أمي أنني عندما تركت الحي أغمى على صباح وهي بجوار العريس.. وفوجئ الجميع بما حدث.. وتم نقل صباح للمستشفى.. وتأجل الزفاف إلى الشهر القادم.. وانصرف المدعون من الأهل والأصدقاء والجيران وهم قلقين عليها..
وشعرت بالحيرة الشديدة مما حدث.. وتساءلت بيني وبين نفسي :
ـ هل صباح لم تستطع الرد على سؤالي فحدث لها الإغماء ؟!!
............

وبعد هذه الحادثة بأسبوع..
كنت جالسا فوق سطح منزلنا كما كنت أفعل أنا وصباح سنوات طويلة..
وكانت هي فوق سطح منزلهم.. ولكن لم أهتم بها ولم أحاول النظر إليها..
فأشارت بيدها اليمنى كأنها تنادي شخصا بعيدا.. وهذه الإشارة تعني أنها تريد مقابلتي.. فتساءلت عن المكان بنظرة من عيني.. فأشارت بزهرة في يدها.. وهذه الإشارة معناها أنها تريد مقابلتي في الحديقة القريبة من منزلنا.. فوافقت على طلبها.. ونزلت هي مسرعة.. ونزلت أنا كذلك للقائها..
............

وفي أخر لقاء بيننا.. كانت صباح في أسوأ حالاتها النفسية.. تتعجل الكلام.. ولا تنتظر الرد مني.. لا تهدأ ولا تسمح لنفسها بالتفكير فيما تقول.. وحاولت أن أوضح لها ما قالته أمي لي.. ولكنها لم تكن على استعداد لسماع أحد..
فعلا.. كانت في حالة انهيار نفسي شديد..
كانت تتنفس بصعوبة.. وتتكلم بسرعة شديدة لا تسمح بالتقاط أنفاسها..
ولذلك فضلت الصمت التام.. وكنت أهز رأسي بين لحظة وأخرى مشاركة لها في انفعالاتها..
............

أخبرتها أن هذا هو قدرنا وعلينا أن نقبل به.. رغم أنني أشد منها حزنا وألما ولكنني لا أريد أن أسبب لأهلها أزمات خاصة صلة الرحم مع خالتها وزوج خالتها وباقي الأسرة.. كما تعهدت أمامها أنني لن أتزوج قبل سنوات طويلة.. وأنه مازال أمامي استكمال الدراسة والعمل وتكوين المستقبل.. ومن المستحيل أن تنتظرني كل هذه السنوات.. ومن الأفضل أن أضحي بسعادتي في سبيل سعادتها وبراحتي من أجل راحتها..
ولم تقتنع صباح بما أقول.. واتهمتني بالكذب عليها طوال السنوات الماضية.. وأنني خدعتها بالكلام المعسول والأحلام الوردية.. والآن أتركها وحيدة بعد أن كنت أملها وحبها الأول.. وانهارت في نوبة بكاء طويلة انفطر لها قلبي.. ولم استطع الانصراف قبل الاطمئنان عليها وعودتها للمنزل..
............

وعندما عدت للمنزل..
كانت أسرتي كلها في انتظاري.. أبي، وأمي، وأخوتي.. فاليوم كان عيد ميلادي الذي ينتظرونه كل عام..
وكانت الشموع والورود والهدايا في استقبالي.. وكان الجميع ينتظرونني..
وبمجرد إشعال الشموع في التورتة، وتم إطفاء إضاءة الحجرة.. اندمجوا في أغنية "سنة حلوة يا جميل".. وشعرت أن عاما جديدا قد بدأ..
ثم طلبوا مني إطفاء الشموع، فشعرت أنه يجب أن أنسى ما حدث في الماضي..
............

ثم أضاءوا أنوار الحجرة مرة أخرى.. وأحسست فعلا أن سنة جديدة قد بدأت..
وعلى أنغام موسيقى عيد الميلاد شعرت أن عمرا جديدا قد بدأ فعلا ويجب الاحتفال به ونسيان ذكريات الحب الأول..
............

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر