لحظة الوداع.. قصة قصيرة

حسن الشامي
2021 / 5 / 13

وقفت أمامه صامتة.. شاردة الذهن..
عندما طلب منها الافتراق عنه..
لأن في ذلك ـ على حد قوله ـ بقاؤهما سالمين..
وستكون هي سعيدة.. وهو ـ ربما ـ سيكون كذلك..
............

لم تفكر لحظة في حديثه..
ولم تستطع التفكير..
لأنها لو استطاعت لما وقفت شاردة.. صامتة هكذا..
والآن ماذا بوسعها أن تفعل بعدما عرض عليها فكرة الافتراق ؟!!
............

إنها لا تتصور ـ مجرد تصور ـ حياتها بعد الفراق..
حب سنوات طويلة ينتهي هكذا في لحظات !!..
ما أبشع كلمة الفراق !!
أينهار حبهما الذي كرسا حياتهما من أجله ؟!!
أينتهي حبهما هكذا في ثوان ؟!!
مستحيل !!!
............

إنها الآن تتذكر لحظة لقاءهما الأول..
عندما رأته.. من سنوات..
هالها حسن طالعه.. وقامته الفارهة الطول.. ومنكباه العريضان.. وعيناه البنيتان الممزوجتان بصفاء كصفاء السماء.. في يوم ربيعي جميل !!
وهي تتذكر أيضا حينما تلاقت عيناهما لأول مرة..
وكيف خجلت منه وتوردت وجنتاها..
وهو أيضا أطرق رأسه خجلا..
ثم لاحت منها ابتسامة أضاءت وجهها وشجعته على أن يتفوه بكلمات ترحيب بها وسعادة على هذه الفرصة التي أتيحت لهما ومنحتهما فرصة هذا اللقاء الجميل..
ولم تجب وقتها بشيء..
وإنما هزت رأسها ردا على تحيته.. وموافقة على استمرار حديثه.. الذي لم تسمعه تماما.. لأنها قد أخذت بأول كلمة منه وحارت في تفسيرها وتحليلها.. وهي ربما لم تسرح في ذات الكلمة بل فيمن قالها..
............

أخذها من صمتها.. وأخرجها منه حينما قال لها :
ـ أنا أشد منك ألما.. ولكن هذا هو قدرنا.. ويجب أن نفترق الآن.. وبأسرع ما يمكن..
وأكمل كلامه دون أن ينظر إلى عينيها المملوءة بالدموع :
ـ يجب أن تعلمي.. أنني غير راغب في فراقنا.. ولكن ماذا بوسعنا أن نفعل أمام ذلك إلا الاستسلام والصمت ؟!!
فقالت وهي في أشد حالت الضجر.. محاولة أن تتماسك عن البكاء رغم الدموع الغزيرة التي تسيل :
ـ ليس ممكنا.. مستحيل.. مستحيل.. لا أستطيع أن أضحي بحبنا في لحظات هكذا.. ولا أستطيع أن أفترق عنك لحظة وإن افترقت أنت عني !!
ولم تستطع الاستمرار في الكلام.. فالدموع الغزيرة تملأ وجهها وتمنعها من استكمال الكلام..
وبعد أن مسحت دموعها أكملت كلامها :
ـ من قال إن في فراقنا حياة لنا ؟!! من يقدر أن يقول إن الورد من غير ماء وهواء يستطيع أن ينبت ويزهر ويستمر في الحياة ؟!!
وقبل أن يتكلم.. أكملت :
ـ لا تصدق ما يقال.. أو يهيئ لك.. أن سعادتنا في فراقنا.. وأن في بعادنا بقاؤنا سالمين !!..
............

لم يجب إلا بالصمت المريب.. والإطراق الشارد..
ثم رفع رأسه.. ونظر في هذه السماء العميقة الزرقة.. التي لم يرها من قبل بهذا اللون..
ولم يحس بذلك الغموض في السماء من قبل.. ولم يتذكر إلا كلمات قالها منذ زمن بعيد..
كان يمسك يدها بيديه ويضغط عليها وهي تضحك من أعماق قلبها..
قال لها حينذاك :
ـ نفسي أموت قبل أن أرى اللحظة التي نفترق فيها.. إني عندما أقرأ أو أسمع كلمة عن الفراق والوداع بين المحبين.. أظل أفكر وأفكر.. وأحاول ألا أتخيل هذا الموقف الذي يعرض حياة محبين كثيرين للهلاك !!
وتذكر حديثها عندما قالت له ردا على ذلك :
ـ لا.. لا.. لا تقل هذا الكلام ثانية.. إنني أحبك.. نعم أحبك.. وإن انتهى الحب من هذه الدنيا سأظل أحبك أيضا..
............

وظهرت على وجهه ابتسامة لم يعهدها من قبل.. عندما تذكر هذا اليوم.. وتذكر كيف طوقها بذراعيه واقترب منها.. فلم تستطع أن تقاوم..
وفي نفس اللحظة.. تتذكر هي الآن.. كم قال عنها في قصائده.. وكم أنشد في جمالها وحسنها.. وفيما حباها الله من حسن وجمال وفتنة..
وتذكرت أخر قصيدة كتبها لها :
كثيرات.. كثيرات يحببنني..
وأنت التي دونهن أحب
فهواك أنشودة للزمان..
ودربك للهوى درب
............

مر كل ذلك بخاطره وخاطرها في نفس اللحظة.. وكأنه فيلم سينمائي أو شريط فيديو.. يمر أمامهما في آن واحد.. وبلا حواجز أو موانع..
كم كانت تتمنى أن يعيش حبهما طويلا.. طويلا.. مدى الحياة..
ولكنه.. هاهو الآن.. يعرض عليها.. بل يفرض عليها.. الفراق.. كيف توافق عليه ؟!!
إنها لا تستطيع أن تتصور.. مجرد تصور.. هذا الفراق اللعين!!
............

لكم سمعت كثيرا عن محبين وعاشقين افترقوا دون وداع.. ودون سابق أتفاق..
فلم تحزن هي عند الوداع ؟!!
لقد قرأت.. وهي مع ذلك لم تقتنع.. أنه يمكن أن يحدث فراق بين حبيبين.. ولكن في نظرها.. قد يكون هجرا أو بعدا وليس فراقا.. لأن الفراق هو عدم لقاء مرة أخرى.. لأنه موت للحب.. أما الهجر أو البعد.. فهو عدم لقاء لفترة بسيطة لا تقدر.. وتكون لخلاف بين المحبين.. سرعان ما يعودان إلى حبهما.. وتذهب الخلافات بينهما أدراج الرياح.. وسرعان ما تتبخر وتعود الحياة لتصفو من جديد..
............

لماذا الفراق الآن ؟!!
هل حدث شئ ما يجعل لهذا الفراق مبررا ؟!!
لا.. لا.. لم يحدث..
فآخر لقاء بينهما كان كله صفاء وود وحب..
لم يتحدثا أروع مما تحدثا في هذا اليوم..
ولم يحسا بروعة الحب أكثر مما أحس في هذا اللقاء..
ماذا حدث ؟!!
إنها عندما سمعت كلمة الفراق تنساب من شفتيه لم تصدق..
ـ فراق ؟!!.. إنه يقول فراق.. ليس بعدا أذن.. ليس هجرا.. ليس خصاما أيضا.. فراق ؟!!
ما أبشع ما يقول!!
تاهت.. وذهبت في متاهات بعيدة.. متاهات الحرمان والفراق والضياع..
ومع ذلك أحست بشيء لم تحسه من قبل..
فلقد أحست بدوار ليس كدوار البحر.. ولكنه دوار في الأفكار.. وفي كيانها كله..
............

والآن.. إنه ينظر إليها ثم يهم بالقيام.. ويقول لها :
ـ يمكنك أن تفكري بعمق..وأمامك فرصة للتفكير.. يومان أو ثلاثة أيام.. بعدها سيكون فراقنا قد تم.. ويجب أن تعلمي جيدا أن حياتنا وحياتك خصوصا مهددة بالخطر إن لم نفترق !!
صرخت.. وقفت الصرخات في حلقها.. وتحشرجت في زورها.. فلم تستطع أن تقول شيئا..
يومان..
ثلاثة أيام..
ينتهي حبها..
وينتهي أملها..
وتنتهي أحلامها..
وتنتهي حياتها..
ما أبشع ذلك !!
............

لم تقل شيئا من هذا..
بل أحست به..
ونهضت فجأة.. ثم أمسكت به ولم تتكلم..
ولكنه لم يفعل شيئا سوى أنه ظل ينظر في الأرض أسفا.. نادما..
............

ماذا دهاه ؟!!
ماذا يفعل ؟؟
ماذا يقول الآن ؟!!
وهل هو حقا راض عن هذا الفراق ؟!!
إن قلبه ينفطر وأحاسيسه كلها مشتتة..
ما الذي يجب أن يفعله ؟!!
لا يدري...
وظلا هكذا..
هي ممسكة بملابسه تشبثا بحبه.. تشبثا بالماضي.. تشبثا بالآمال والأحلام..
وهو صامت.. شارد.. لا يرد.. فليس لديه كلام مقنع لها..
............

ثم أنتبه فجأة.. وقبلها في جبينها على غير عادته..
وتركها بعد أن خلص ملابسه من قبضتها..
ثم ذهب في طريقه..
وظلت هي واقفة.. صامتة.. ذاهلة.. غير واعية..
ثم تنبهت فجأة..
جرت مسرعة..
صرخت.. تحشرجت الصرخات في حلقها..
لم تستطع الكلام..
جرت مسرعة..
ولكن أين تجري ؟!!
لقد ذهب.. ذهب ولم تعد تراه !!
............

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب