بين عولمة الدين ودين العولمة

مجدى عبد الحميد السيد
2021 / 5 / 13

انتشرت فى الآونة الأخيرة دعاوى تجديد الخطاب الدينى ليس فى الاسلام فقط بل فى المسيحية الشرقية وأديان الشرق أيضا ، ولا يمكن أن نفصل تلك الدعاوى أيا كانت طريقتها عن تطورات العولمة وتدخلها فى الأديان منذ ثلاثين عاما فى معظم أديان العالم . لقد تبنت العولمة فتح الباب لكل الأديان لتعرض أفكارها ومعتقداتها كما تشاء دون قيود ، ولم تتحيز إلى أى دين أو عقيدة بل تركت ذلك لديناميكية التفاعل بين رجال الدين والمفكرين والعامة من خلال طريقين رئيسيين : الطريق الأول هو نشر المعرفة الدينية لكل الأديان الذى يضع المقارنات بين الأديان ويغير الفكر الدينى لدى رجال الدين والعامة فى نفس الوقت بطريقة " عولمة الدين "، والطريق الثانى هو طريق اعتناق التكنولوجيا كدين " دين العولمة " خاصة لدى الشباب .
ففى الطريق الأول " عولمة الدين " بدأت تظهر وتنتشر المقارنات بين الأديان بعد أن تم كشف وتوضيح أسرار الملل التى بقيت فترات طويلة تحت طى الكتمان ، وربما كان ذلك لتطور أدوات العولمة وانتشار المعرفة وليس من باب محاربة الأديان ، وقد حدث ذلك فى معظم الملل التى نشأت عن الأصول المسيحية والإسلامية والهندوسية ، ونضرب على ذلك عدة أمثلة تدل على تدخل العولمة فى أمور الدين من خلال النشر عبر وسائل العولمة القوية مثل الانترنت والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعى:
- فى الديانة المسيحية ظهرت مخطوطات متنوعة منذ نهاية القرن التاسع عشر فى منطقة الشرق الأوسط ( فلسطين – الأردن – مصر) لم يتم نشر محتوياتها إلا مع وسائل العولمة بداية الألفية الجديدة ، وبعض تلك المخطوطات تم رفضها من الكنائس الكبرى ولكن اعتمدت عليها أقليات مثل الغنوصيين فى دعم وجهات نظرهم ، بل تم إنتاج فيلم مثل شفرة دافنشى يتعرض للفكر الغنوصى المسيحى الذى يجعل من المسيح شخصا بشريا عاش وتزوج قبل أن يتم رفعه ، ولأول مرة تظهر أناجيل منحولة غير معترف بها ( أبوكريفا) بصورة شبه كاملة كتبت قبل القرن الرابع الميلادى وبالتالى فمخطوطاتها أقدم من المخطوطات الموجودة للكتاب المقدس الحالى التى يعود معظمها للقرون بعد التاسع الميلادى.
- فى الإسلام ولأول مرة تم العثور على نصوص قرآنية تختلف عن نصوص القرآن الحالى تعود للقرن الأول الهجرى فى اختلاف ترتيب السور فى المصحف وفى حذف وإضافة ألفاظ مما يشكك فى تعرض النص القرآنى لبعض التبديل والتطوير قبل العصر العباسى ، وذلك يختلف نوعا ما عن القراءات التى تختلف أيضا ولكن مع توحيد شكل النص القرآنى ، وبرغم مرور سنوات طويلة على اكتشاف المخطوطات إلا أن نشرها كان أيضا فى عصر العولمة ، بل ظهرت دعاوى كثيرة تشكك فى أى فكر إسلامى يتبع طريقة العنعنة ( أحاديث وفقه وتفاسير) قبل القرن الثالث الهجرى لعدم وجود مخطوطات أصلية لأى كتاب يمكن الاعتماد عليه الآن ، وبالتالى بدأت بوادر العودة لفكر طه الحسين فى التشكيك فى التراث العربى ككل من الناحية التاريخية والجغرافية وخاصة التراث غير القرآنى لقلة التغيير فى نصوص القرآن الكريم بالمقارنة بغيره .
- فى اليهودية تم العثور على مخطوطات متعددة فى منطقة البحر الميت بها اختلافات عما هو متداول فى الكتاب المقدس الحالى (العهد القديم) حتى لو كان الاختلاف بسيطا وبالتالى أصبحت أقدم نسخة من التوراة تعود للقرن الثانى قبل الميلاد وليس أقدم من ذلك لعدم وجود أى دليل على أى فكر دينى أو أنبياء قبل القرن الثانى قبل الميلاد .
- فى ديانات الهند مثل الهندوسية والبوذية وغيرها تم تفنيد قدم تلك الديانات التى كان يعتقد الهندوس أنها تعود لعمق عشرات الآلاف من السنوات كتجليات إلهية ، فتم التأكيد على أن عمر تلك الأديان هو عدة آلاف من الأعوام فقط مثلها مثل ديانات الشرق الأوسط وليس خمسين ألف عام كما يظن معظم الهنود.
- تم الاستعانة بالعلم والتكنولوجيا مثل الاشعاع وفترة عمر النصف للكربون للوصول إلى عمر المخطوطات ومتبقيات أى شئ قديم من أصل نباتى أو حيوانى ، بل وتحديد التغييرات التى تمت على الأشياء المقدسة مثل كفن السيد المسيح ودم سيدنا عثمان وغير ذلك وبالتالى تم التشكيك فى معظم تلك المقدسات بطريقة علمية محايدة ، بل ووصل الأمر إلى فضح التجاوزات الجنسية لرجال الدين المسكوت عنها سابقا حيث بدأت أذرع العولمة فى كشف المستور ، وقد انتشرت تلك المعلومات المهملة والمخفية والمقارنات أيضا خلال الثلاثين عاما ماضية.
إذن استطاعت العولمة أن تغير أفكار الناس من خلال عرض المعلومات والمعارف الدينية للمسيحية والإسلام والهندوسية والبوذية والتاوية دون التحيز لأى منها ونشرت الكتب الدينية التى كان من الصعب الوصول إليها للعامة وتركت الحكم للديناميكية والتفاعل بين المختصين وللعامة فى نفس الوقت مما جعل أهل السنة فى الإسلام ولأول مرة يشاهدون القنوات الشيعية والعكس بالعكس أيضا ، ونفس الشئ حدث للأديان الحديثة مثل البهائية والمرمون والقاديانية وللأديان القديمة قليلة العدد مثل الدروز والشيعة النصيرية (العلوية) والموارنة حيث أصبحت تجد لها مناصرين بعد أن كانت مغمورة عن السطح ومشكوك فيها فى معظم البلاد.
إذن العولمة بدأت بالفعل فى الوصول لكل أديان العالم بلا تمييز لتغير وقلقلة المفاهيم الراسخة لدى أتباع تلك الأديان ووصلت أخيرا لعقول العامة عبر أذرع العولمة القوية مثل الانترنت والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعى حتى لو تسببت العولمة أيضا فى ظهور تيار متشدد وصل للتراث المتشدد أيضا عبر وسائل العولمة .
وبالنسبة للطريق الثانى وهو " دين العولمة " ، فلم تتدخل العولمة فى الأديان فقط بل بدأت فى نشر مفاهيم جديدة عن ملامح الدين الشبابى الجديد وهو دين العولمة ، الذى يعنى الإيمان الكامل بالتكنولوجيا فى أن تكون هى دين العالم القادم التى ستسيطر على عقول الشباب الذين سيصبحون قادة بعد سنوات ، فالشباب لا يهتمون كثيرا بما يهتم به جيل الآباء الحالى خاصة فى أمور الدين والثقافة العادات والتقاليد فهم لا يعتقدون كثيرا فى جدوى المناقشات الدينية والغيبية أصلا لإن تلك الموضوعات أصبحت إرثا عتيقا لا يقدم ولا يؤخر بالنسبة للتطور والتقدم العلمى التكنولوجى العالمى. لقد أفرزت العولمة بعد عام 2010 جيلا جديدا يعتقد بأن جيل الآباء يضيع الوقت فيما لا طائل منه من مناقشات تاريخية عديمة الجدوى بالمقارنة بما تنتجه التكنولوجيا من زيادة الرفاهية للعالم والمساواة بين البشر من جميع الأديان ، فلا مكان فى العالم الجديد إلا للإبداع والتطور والتقدم. وقادة تلك التغييرات نحو دين العولمة الجديد هم معتنقو العولمة العلمية مثل ميشيو كاكو وستيفن هوكينج وستيف جوبز وأخيرا يوفال هرارى واليون ماسك وغيرهم ممن آمنوا بأن عصر الغيبيات قد انتهى بالفعل ليصعد للسطح الدين العالمى الجديد وهو دين العولمة المدعوم بالعلم والتكنولوجيا.
مجدى م. عبد الحميد السيد

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي