هل يمكن وصف ممارسات الولايات المتحدة بالفاشية؟

الطاهر المعز
2021 / 5 / 12

مُطالعات
ما الحَدّ الفاصل بين "ديمقراطية الرأسمالية" والفاشية؟
نموذج الولايات المتحدة الأمريكية
الطاهر المعز

تنشر جامعة "غوتبرغ" (السّويد) تقريرًا سنويا، تعدُّهُ مجموعة من الباحثين من مختلف جامعات العالم، حول "الديمقراطية" بعنوان ( Varieties of Democracy )، وهو يدافع عن الليبرالية وعن الديمقراطية البرجوازية عمومًا، ولا يعتبر نظام فنزويلا أو بوليفيا (على سبيل المثال) ديمقراطيا، لكن تقرير سنة 2020، الذي نُشر بنهاية آذار/مارس 2021، يقدّم بعض الملاحظات الهامة، مفادها أن الديمقراطية الليبرالية بصدد التّراجع في العالم، من سنة إلى أخرى، وأصبحت الأنظمة بشكل عام أكثر استبدادية في جميع أنحاء العالم، غير أن القوى الدّيمقراطية تمكّنت من "تعبئة الجماهير دفاعًا عن الديمقراطية الليبرالية" أي الديمقراطية البرجوازية، التي لا تهتم سوى بشكل الحكم (نيابي أو رئاسي) وبتنظيم انتخابات دَوْرِيّة، في مواعيدها، يُصاحبها صَخَبٌ دعائي وإعلامي هائل، ولم تُدْمِج الرأسمالية بَعْدُ الحقوق الإقتصادية والإجتماعية في قاموسها "الديمقراطي"، لكن لفت انتباهي هذا التقرير لأنه يُقدّم بعض النّقد للوضع، سنة 2020، ويتخذ الهند نموذجًا لتراجع قِيَم الدّيمقراطية، لكن التقرير، في مجمله، لا ينقد الديمقراطيات البرجوازية العريقة، في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية...
يُقارن التقرير وضع الحُرّيّات (وهي جُزء من الدّيمقراطية)، بين سنة 1990 ( انهيار الإتحاد السوفييتي) و سنة 2020، لِيُسجل ارتياح الباحثين، للتقدّم الكبير، "رغم بعض التراجع التّدريجي، في أوروبا الشرقية والوُسطى وأمريكا الجنوبية والمحيط الهادئ وآسيا الوسطى، خلال القرن الواحد والعشرين، وظهور "موجة من الاستبداد"، لكن "لا يزال العالم أكثر ديمقراطية مما كان عليه في السبعينيات أو الثمانينيات، رغم مستوى الحقوق والحريات الديمقراطية للمواطن العادي سنة 2020 التي تشبه المستوى الذي كان عليه في عام 1990"، ويعود ذلك إلى "العولمة المعاصرة التي يَسَّرت حركة رأس المال، وتوسع معها الفساد والرّشوة والمحسوبية، على حساب السّكّان"
إن هذه المُقتطفات تُبيّن وعْيًا بمساوئ العولمة الرأسمالية (وليس الرأسمالية في حدّ ذاتها)، وتُظْهر قناعة بإمكانية إصلاح الرأسمالية لتَحُدّ من هذه "التّجاوزات"، عبر تثبيت "الضّوابط والتّوازنات"، كما يُبْطِن جوهرُ هذه المُقتطفات مُستوى الرّضا عن ديمقراطية أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية، ويقتصر النّقد على الدول التي كانت تُعدّ اشتراكية، خلال أربعة عقود من القرن العشرين، وعلى أمريكا الجنوبية وآسيا، أما إفريقيا والوطن العربي، فلم تتكرّم الديمقراطية بزيارتها أصْلاً...
أما النموذج الذي اختاره التّقرير لنقد مظاهر تراجع الديمقراطية في العالم، فهو الهند، وهي "كلمة حق أُرِيدَ بها باطل"، أي إن نقد الهند يُجَنِّبُ نقد ديمقراطية الولايات المتحدة وأوروبا، حيث يطغى المال ومصالح مجمعات الصناعات العسكرية واللُّوبيات، على الحملات الإنتخابية وعلى اختيار الرئيس ونواب البرلمان، ما سبّب انخفاضًا مُستمرًّا في مُشاركة المواطنين في العملية الإنتخابية، كتعبير عن يأسهم من التّغيير عبر صندوق الإقتراع...
وَصَفَ الإعلامُ الرأسماليُّ السّائدُ، "الهندَ" طيلة عُقُود، بأنها "أكبر ديمقراطية في العالم"، لكن نتائج الإنتخابات، خاصة منذ 2014، وفَوْز حزب "باهارتيا جاناتا" ورئيس الوزراء "ناريندرا مودي" أظْهَرت هشاشة هذه الدّيمقراطية التي أدّت إلى فَوْز حزب هندوسي رجعي (بالمفهوم الإجتماعي) طائفي وعنْصُري، يُرَوِّجُ عَلَنًا لإقصاء غير المُنْتَمين للطائفة الهندوسِيِّة من حقوق المُواطنة، وهو لا يختلف في ذلك عن النازية والفاشية (وهي بضاعة من إنتاج أوروبي خالص، كما الإستعمار والإمبريالية)، ما شكّل تَدَهْوُرًا للحريات وحتى لظروف المنافسة السياسية، في إطار الديمقراطية البرجوازية ذاتها، لكن ما تفعله الهند حاليا، رَوّجت له الحركة الصّهيونية منذ القرن التّاسع عشر، ويُطبِّقُهُ الكيان المنبثق عن هذه الحركة، في فلسطين المُحتلّة، ويُعْتَبَرُ نقد الكيان الصّهيوني من المُحَرّمات في أوروبا وأمريكا الشمالية...
أدّت هيمنة الشركات العابرة للقارات ورأس المال المالي إلى "تضييق الحيز الديمقراطي" وتدمير الضوابط والتوازنات التي نشأت على أساسها الديمقراطية البرجوازية، في الدول الرأسمالية العريقة، لكن الإعلام المُهَيْمن (والإيديولوجيا السائدة التي تقف خلفه) يعتبر أي بلد ديمقراطيا، ما دامت الإنتخابات "حُرّة" والمُؤسّسات التمثيلية تتجدّد دَوْرِيًّا، وفي مواعيدها، ولا يتطرق إلى دور المال في إبراز التيارات الأكثر رجعية ولا إلى العراقيل التي تعترض فئات واسعة من المجتمع، تمنعها من التّعبير عن رأيها ومن نشره في وسائل الإتصال، كما تمنع فئات واسعة من المُشاركة في عملية اختيار النواب أو الرئيس، وتُشكل الولايات المتحدة نموذجا لإقصاء ملايين المواطنين السّود والفُقراء من اللوائح الإنتخابية، رغم صُعُوبة تغيير النظام في الولايات المتحدة، كما في أوروبا، عبر الإنتخابات...
إن الجدل حول الديمقراطية يُثير عددًا من التّساؤلات عن طبيعة الحُكْم في الولايات المتحدة وفي أوروبا أو اليابان أو الهند والبرازيل وغيرها. هل يُمكن اعتبارها نماذج ديمقراطية؟ هل يُمكن الحديث عن عودة الفاشية في الدّول الرأسمالية العريقة، بعد إقرار قوانين "مكافحة الإرهاب" والحَدّ من الحُرّيات الفردية، وحرية التجمّع والتّظاهر، وتفكيك المؤسسات الرسمية للديمقراطية التمثيلية، وقمع الحريات الإعلامية والأكاديمية، والمجتمع المدني، عبر التّشويه وتوجيه تُهَم "دعم الإرهاب"، ونشر أخبار كاذبة ضد المعارضين...
إنه "الإستبداد" بوسائل مُتَنَوِّعَة، الذي يظهر في الدّاخل من خلال قَمع الحُرّيّات وحَظْر التّظاهر والإحتجاج، ومن خلال المَيْز بين المواطنين، بهدف تقسيم الفئات التي تُشكل أغلبيةً عَدَدِيّة (الأُجَراء والكادحون والفُقراء...)، أما في الخارج فيتمثل في نَهْبِ ثروات الشعوب وتخريب البلدان الفقيرة وتفتيتها، وإشعال نار الحُرُوب "الأهْلِية" المُدَمِّرَة...

اختلاف الهامش لمجابهة الوباء والدّيون:
لا تقتصر الدّكتاتورية المُقنّعَة (أو "النّاعِمَة") على الشعوب في داخل حدود كل دولة، بل تمتد إلى جميع مناطق العالم، بحُكْم سيطرة الدّول الغنية الإمبريالية على المنظمات الدّولية كالأمم المتحدة، عبر حق النّقض (الفيتو) وصندوق النقد الدّولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها، بواسطة حُقُوق أو حصص التّصويت، فالولايات المتحدة تمتلك حوالي 17% من أصوات صندوق النقد الدّولي، ولهذه الأسباب وغيرها، مثل القوة العسكرية، والشركات العابرة للقارات التي تنهب الثروات، والقُوّة الإعلامية، وما إلى ذلك من وسائل القوة التي تزيد من حدّة الفوارق بين الدول الغنية الإمبريالية (المَركز) والدول الفقيرة الواقعة تحت الهيمنة، أو "الأطراف"، أو "المُحيط".
أنفقت الدّول الغنية، سنة 2020، حوالي من 12 تريليون دولارا، أو أكثر من 31% من ناتجها المحلي الإجمالي المتراكم ، لتخفيف آثار جائحة كوفيد 19، ولتجنب أزمة اقتصادية حادّة، بالإضافة إلى مبالغ التحفيز النقدي، من خلال خفض أسعار الفائدة، وشراء المصارف المركزية، أُصُولا مالية، وما إلى ذلك. أما في البلدان النامية، فإن النظام المالي العالمي يُعَرّضُ أرواح ملايين البشر للإزهاق، بشكل يفوق أضرار فيروس كورونا.
أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، قُبيْل قمة مجموعة العشرين في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، برئاسة السعودية، "إن الدول النامية على شفا الخراب المالي وتَزَايُد الفقر والجوع والمعاناة التي لا توصف"، وطلب من الدول الغنية مُراعاة هذه الظروف.
أما رئيس البنك العالمي فاعتبَرَ الآثار الإقتصادية لجائحة كوفيد 19 على اقتصاد ما يُسمّى البلدان النامية في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، "أسوأ بكثير من من الأزمة المالية للعام 2008 ومن أزمة أمريكا الجنوبية وأزمة الديون في الثمانينيات "، لكن الدّول الغنية، ومعها البنك العالمي، لم تُلْغِ دُيُون البلدان الفقيرة، بل أجّلت تسديد فوائد القُروض العمومية (وليس الخاصة) لفترة قصيرة جدًّا (حوالي ستة أشهر)، للدّول الأكثر فقرًا، فيما أصرّت المصارف الخاصة ( مثل "بلاكروك" و "جي بي مورغان" و "إتش إ سبي سي" و "يو إس بي"...) على سداد حصص القروض وفوائدها في مواعيدها، ما زاد من اختناق اقتصاد العديد من الدّول الفقيرة وشعوبها، على حسب تعبير وزير المالية الغاني، ولتوضيح صورة الفوارق بين قُدرات الدول الغنية والدول الفقيرة على مجابهة تأثيرات الوباء، نُذكِّرُ بأن متوسّط الإنفاق الفردي على الصحة لا يزيد عن 35,6 دولارا سنويا في البلدان الأكثر فقرًا، ويصل إلى معدّل 262 دولارا سنويا للفرد، في الدول متوسطة الدّخل، ويبلغ 5562 دولارا سنويا للفرد في الدول الغنية، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية الخاصة بسنة 2018، وتُكَبِّلُ الدّيُون الدّول الفقيرة، لأن الدّائنين يشترطون عدم توجيه الإنفاق نحو الصحة والتعليم، بل خصخصة كل القطاع العام وإلغاء دعم الغذاء والدّواء والطاقة والنقل العمومي، وغير ذلك...
طلبت عشرات الدول الفقيرة تأجيل تسديد الدّيون (أو خدمة الدّيون) ولكن الدّائنين لم يوافقوا سوى على تأجيل 5,4 مليارات دولارا من مدفوعات الفوائد، من إجمالي حوالي 500 مليار دولار من الدّيُون، ولما طلبت الدول الأكثر فقرًا قُروضًا جديدة، ارتفعت تكاليف الاقتراض ، مما زاد من عبء ديونها.
ارتفعت قيمة الدّيون العالمية، منذ الأزمة المالية 2008/2009، وبلغت نسبتها نحو 320% من الناتج الإجمالي العالمي بنهاية سنة 2019، إلى ما يعادل 365% من الناتج الإجمالي العالمي، بنهاية سنة 2020، لكن ديون الدول الغنية مُقَوّمة بعملاتها، كالدّولار الأمريكي واليورو في الإتحاد الأوروبي والين في اليابان، وبالتالي تتحكم الدول الغنية في رفع وخفض قيمتها، عبر التلاعب بقيمة العُملة، في حُدُود، ولم تكن الدّيون سببًا رئيسيا في أزمة الإقتصاد الرأسمالي العالمي، قبل انتشار جائحة "كوفيد – 19"، بل جابهت الدّول الغنيةُ الأزمات الحادّة بتوزيع المال العام على المصارف والشركات الخاصة، بأسعار فائدة تقترب من الصّفر، واستخدم الأثرياء المال العام للمضاربة بالأسهم في البورصة ولم يستخدموها للإستثمار في القطاعات المنتجة (إلا إذا كانت أرباحها مرتفعة جدًّا كقطاع التكنولوجيا المتقدمة أو صناعة الأدوية...)، أو لخلق وظائف... أما الدول الفقيرة فإن عُملاتها غير معترف بها دوليا، وهي غير قادرة على مجابهة الأزمات التي يخلقها رأس المال، وهي بالمناسبة ليست أزمات عَرَضِيّة وإنما أزمة هيكَلِيّة ودَوْرِيّة، وتتمثل خاصّية الأزمة الحالية في انخفاض العَرض والطلب مَعًا...
تخلفت ست دول فقيرة ( زامبيا والإكوادور ولبنان وبليز وسورينام والأرجنتين ) عن سداد ديونها سنة 2020 ، مقارنة بثلاث دول فقط خلال الأزمة المالية العالمية، ما يرفع نسبة الفائدة على اقتراضها مُستقبلاً، وما أزمة ديون البلدان الفقيرة سوى أحد مظاهر الأزمة الهيكلية للنظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي، وتُشكل الدّيون ومعاناة شعوب الدّول الفقيرة لتسديدها، فُرصة لزيادة ثروات المصارف والدّول الغنية والأطراف الدّائنة، ما يجعل مطلب إلغاء دُيُون دول الأطراف الفقيرة، التي تُشكل شعوبها أغلبية سُكّان العالم، مطلبا مشروعًا وصائبًا...

الولايات المتحدة نموذج لديمقراطية رأس المال الإحتكاري
بعد صعود النازية، كتب "إيمي سيزير" عن شعوب أوروبا:
"... إنهم كانوا شُركاءها قبل أن يُصبحوا ضحاياها، فهم تعايشوا وتسامحوا مع النازيّة قبل أن تُفرضَ عليهم، فقد غَضُّوا النظر عنها، بل بَرّأُوها، وشَرْعَنُوها، وبَرّروا أفعالها، طالما كانت تُمارس ضدّ الشعوب غير الأوروبيّة فحسب... إنهم غذّوا النازيّة، ويتحمّلون مسؤولية نشأتها وأفعالها، طالما كانت دماء ضحاياها من خارج الحضارة الغربيّة المسيحيّة... " (إيمي سيزير 1913 – 2008 كاتب وسياسي من المستعمرات الفرنسية بجُزُر بحر الكاريبي )
تأسّست الولايات المتحدة الأمريكية وأمثالها من المُستعمرات الإستيطانية (كندا وأستراليا ونيوزيلندا...) على العُنْصُرية ونُكران "الآخر"، وما هذا "الآخر" سوى صاحب الأرض والوطن الذي اسْتَوْلَى عليه المُستعمرون المُستوطنون القادمون من أوروبا، بالقوّة، وإبادة السّكّان الأصليين، الشّرْعِيِّين، وهذا ما يُحاول الكيان الصهيوني تنفيذه في فلسطين.
انتشرت العُبُودية، بالتّوازي مع إبادة السّكّان الأصليين، في الولايات المتحدة الحالية، حيث حملت السّفُن ملايين البشر الذين وقع اصطيادهم وتصديرهم طيلة قَرْنَيْن ونصف القرن (من بداية القرن السابع عشر إلى 1865، تاريخ النهاية الرسمية لاستيراد العبيد والمتاجرة بهم)، وبذلك تأسست الرأسمالية في أمريكا الشمالية، على جماجم أصحاب الأرض الشّرعيين، ومن عَرق ودماء سُكّان إفريقيا الذين وقع استغلالهم في زراعة الأرض التي وقع افتكاكها من أصحابها، ما جعل عملية التّراكم الرأسمالي غير مُكلفة، ثم وقع استغلال العبيد "المُحَرّرين" في الصناعة، ما مكّن الإحتكارات من النّمُوّ بأرخص ثمن...
تحاول بعض "المدارس" التّاريخية تبرئة الولايات المتحدة من استعمار الشعوب الأخرى، لكن السفن التجارية الأمريكية المُسَلّحَة جابت بحار الكَون وحاربت إسبانيا في مستعمراتها، في كوبا وفي الفلبين، وقصفت هذه السّفن سواحل ليبيا وتونس والجزائر، منذ بداية القرن التاسع عشر، بذريعة مكافحة القَرْصَنَة البَحْرِيّة (على بُعْد آلاف الأمْيال من سواحل أمريكا الشمالية !!! )، وتستمر هذه الإعتداءات على الشّعوب والأوطان، بذريعة "مكافحة الإرهاب"، ما جَعَل القُوّة أساسًا للسياسات الأمريكية، منذ تأسيسها، سواء في الدّاخل أو في الخارج...
خاضت الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، 18 حربًا رسميّة مُعْلَنَة، بالإضافة إلى العدد الكبير من الحُروب العدوانية غير المُعْلَنَة، أو غير الرّسْميّة، وتدبير الإنقلابات، وتمويل وتسليح الثورات المُضادّة، وأدت جميعها إلى تغييرات كبيرة وعنيفة في مناطق عديدة من العالم، منها أمريكا الوُسطى والجنوبية ومنطقة بحر الكاريبي والمحيط الهادي وجنوب شرقي آسيا، وخلقت وغَذّت انقسام الشُّعُوب على أُسُسٍ دينية أو طائفية، وإثنية، داخل البلدان، وقَرّرت "مُعاقبة" شعوب البلدان التي لا تستجيب حكوماتها لرغبات الولايات المتحدة، فتفرض الحَظْر والحِصار الإقتصادي والمالي والتجاري على الشعوب في كوبا وفنزويلا وكوريا الشمالية وإيران وسوريا واليمن، ناهيك عن استفزاز روسيا والصّين، والدعم المُستمر للكيان الصهيوني...
إنه منطق القُوّة، ولا تختلف مُعاداة شعوب العالم، ذات الأصول غير الأوروبية البيضاء، عن العداء للشعوب الأصلية والمُسْتَعْبَدين من ذوي الأصول الإفريقية، داخل الولايات المتحدة، فجهاز الدّولة الأمريكية الذي يستَغِلُّ ويضطَهِدُ ويقمع في الدّاخل، يستخدم أسلحة "الدّمار الشّامل" ضدّ الشُّعوب في الخارج، لنهب ثرواتها، وللإستفادة من المواقع الإستراتيجية لأوطانها، ويُمَجّد التاريخ الرّسمي الأمريكي اغتصاب البلاد وإبادة أصحابها، لذا فلا غرابة من ظُهُور المنظمات الفاشية والعُنصُرية التي تَدّعِي تفَوُّق البيض على بقية البشر، من "كيو كلاكس كلان" إلى النّازيين الجُدُد و"برود بويز" (الصبيان الفَخُورين)، والتحالف اليميني المُتَطَرِّف الذي خطط ونَفّذ الهجوم على رمز الديمقراطية النّيابية الأمريكية (مبنى الكابيتول) في بداية سنة 2021، بدَعْمٍ من رُمُوز الفاشية داخل مُؤسّسات الحُكْم، منها المُسَلّحة كالجيش والشرطة الأمريكية التي (الشرطة) قتلت في المتوسط ثلاثة أشخاص يوميا، خلال السنوات الخمس الأخيرة (مُعدّل 1100 سنويا )، ومعظمهم من الشبّان ذوي الأُصول غير الأوروبية البيضاء، ويُشكل سُكّان الولايات المتحدة أقل من 5% من سُكّان العالم، لكن مساجينها يُشكلون حوالي رُبُع مساجين العالم...
تأسّست الولايات المتحدة على أساس عرقي عنصري، أجاز وبَرّرَ إبادة السّكّان الأصلِيِّين، واستعباد ملايين البشر من أصلٍ أفريقيّ، وهي نفس الإيديولوجيا التي تُبَرِّرُ العدوان على الشّعوب الأخرى ونهب ثرواتها، ويُجَسِّدُ تاريخ الولايات المتحدة وتطور الرأسمالية داخلها حتى مرحلة الإمبريالية، التّرابُطَ الوثيق بين الرأسماليّة والإمبرياليّة، وظهور الفاشيّة التي لا تتردّد في الإنقلاب على قواعد الديمقراطية البرجوازية، عندما تعجز المُؤَسّسات المُنتَخَبَة عن إدارة التناقضات بين رأس المال والعمل، وعن المُحافظة على الإستقرار عبر الوفاق الطّبَقِي، باسم الإحتكام إلى القوانين التي تُصدِرُها تلك المُؤَسّسات "باسم الشّعب"، لكن "دولة القوانين والمؤسسات" الرأسمالية لا يُضيرها اتساع الفجوة الطّبقية، وارتفاع عدد ذوي الدّخل المُنْخَفِض والفُقراء والمُشَرَّدِين والعاجزين عن تسديد ثمن إيجار المسكن والتعليم والرعاية الصحية، بالتوازي مع ارتفاع أرباح الأثرياء والمصارف والشركات الكبرى إلى نحو 850 مليار دولارا، خلال الأشهر الستّ الأولى من انتشار وباء "كوفيد-19"...
كانت إبادة المُستعمرين الأوروبيين للسّكّان الأصليّين جريمة مُنظّمة ومُخطط لها مُسبقًا، تم تنفيذها بشكل منهجي، تمامًا كما الجريمة الصهيونية ضد الفلسطينيين، لكن التاريخ المكتوب من قِبَلِ المُنتَصِرِين في أي حرب، يحتفظ برواية الغالب، ويُهمل رواية المهزوم، كما يغض الطرف عن العنف الاستعماري...
من دَوْر التقدّميين والثّوْرِيِّين، ومن واجبهم، إعادة كتابة التاريخ والتعريف برواية السّكّان الأصليين لأمريكا (جنوبها وشمالها) وأستراليا ونيو زيلاندا وفلسطين، وغيرها، وبرواية الطّبقة العاملة والفلاحين والفُقراء في العالم، وكذلك النّساء والأطفال والأقليات، وجميع من تم كَتْمُ أصواتهم، من قِبَل الجُيُوش الغازية أو المحلّية، والمليشيات والمجموعات المُسلّحة...
لم تهتم أي حكومة أو أي أغلبية نيابية أمريكية، سواء من الحزب الجمهوري أو الديمقراطي، بمعالجة مسائل الفقر وعالجت مشكلة الجوع ونقص الغذاء بقَسَائم الغذاء، وتتمثل في شراء الحكومة الأمريكية فائض الإنتاج من كبار المُزارعين، وتوزعه على الفُقراء بأسعار رمزية، بعد التّثَبُّت من وضع الفُقراء، وبدل معالجة مثل هذه المشاكل، للقضاء على الفقر والتّشرد، خفضت الدّولة ميزانية الرعاية الصحية والتعليم، لتصبح مثل هذه الخدمات الضرورية محصورة بالأثرياء، وزادت ميزانية الحرب، لتبلغ حوالي تريليون دولارا، منها حوالي 740 مليار دولارا مُعْلَنَة، ونجحت حكومات الولايات المتحدة - تدْعَمُها وسائل الإعلام التي يمتلكها الأثرياء المُستفيدون من التخفيضات الضّريبية - في تأليب الرأي العام ضد الصّين وروسيا وإيران، وسوريا، والعراق وكوبا وفنزويلا، ولا تزال القائمة طويلة، ونجحت في تحويل أنظار الشعب الأمريكي نحو الخارج، بدل التّركيز على الإستغلال والإضطهاد والقمع في الدّاخل، واستمرت الدّولة في مواجهة مشاغل الفُقراء بالقتل والسّجن والعنصرية، وبالتوازي مع القمع الدّاخلي، اتجهت الولايات المتحدة، منذ سنوات عديدة، نحو عسْكَرَة السياسة الخارجية، ومواجهة المُنافسين بالتهديد العسكري، وباستخدام قوات حلف شمال الأطلسي، ولا يختلف دونالد ترامب عن جوزيف بايدن، فقد دَشَّنَ بايدن عهده بعدد من المناورات العسكرية الضخمة، في بحر الصين الجنوبي، بدعم من جيوش الحلفاء، منها ألمانيا وفرنسا وكندا وبريطانيا، وفي بداية آذار/مارس 2021، طلب قائد المنطقة العسكرية الأمريكية التي تضم المحيطَيْن الهندي والهادئ، ميزانية إضافية بقيمة 27,3 مليار دولارا لتسليح القوّات البحرية والجوية المتواجدة قريبًا من الصين، وتتواصل مثل هذه المخططات العدوانية ضد الصّين، منذ أكثر من سبعة عُقُود، مع الإدعاء بأن الصين، التي لاتتجاوز ميزانيتها العسكرية رُبُع قيمة الميزانية العسكرية الأمريكية، تُشكل تهديدًا للأمن العالمي، ولا تمتلك دول العالم مجتمعة، حجم القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في أرجاء العالم، وعددها ثمانمائة، ناهيك عن قواعد حلف شمال الأطلسي التي يُديرها الجيش الأمريكي...
أظهرت التجارب أن الإستعمار والإمبريالية يخلقان طابورًا خامسًا من السّكّان المَحَلِّيِّين للبلد المُسْتهدف، من ذلك أن الحُكّام الحاليين للعراق وليبيا وأفغانستان وغيرها تخرّجوا من مدرسَة العمالة التي تُشرف على إدارتها وكالات المخابرات الإمبريالية، وعلى رأسها الأمريكية، وتَدْعو المُعارضة الرجعية في سوريا والعديد من البلدان الأخرى إلى التدخّل العسكري الإمبريالي لقلب نظام الحُكم المَحَلِّي، لكن من مصلحتنا كمواطنين عرب (أو نعيش في الدّول العربية) المقاومة والصّمود والتّحالف مع الشّعوب الواقعة تحت الهيمنة الإمبريالية، في أمريكا الجنوبية وإفريقيا وآسيا، وتوحيد النّضالات ضد الإمبريالية، وضد الوجود العسكريّ الأميركيّ والأطلسي، لأن في إنهاك هذه القُوى العُدْوانية إضْعَافٌ للكيان الصّهيوني، وإضعاف للأنظمة المُستبدّة التي تُمثل مصالح الإمبريالية وشركاتها العابرة للقارات...

الهيمنة الأمريكية "النّاعمة" – "يو أس أيد" نموذجا
تستخدم الإمبريالية الأمريكية القوة العسكرية لتهديد خُصُومها ومنافسيها، ولا تتردّد في احتلال بعض البلدان، منها أفغانستان والعراق وشمال سوريا، إضافة إلى مستعمراتها العديدة في المحيط الهادئ وبحر الكاريبي والقواعد العسكرية الثمانمائة، المُنتشرة في أرجاء العالم، لكنها تستخدم وسائل أخرى كالإعلام (من إذاعة "صوت أمريكا"، إلى قناة "الحُرّة" ) والمنظمات الحكومية ( يو أس آيد) وشبه حكومية (هيومن رايتس ووتش) وتمويل منظمات محلية في الدّول الأخرى، بهدف تخريب المجتمعات من الدّاخل، بالإضافة إلى مؤسسات البُحُوث والدّراسات (ثِنْك- ثَانْكْس)، واستخدام البعثات الدّراسية والتبشيرية الإنجيلية، والمنح الدّراسية وغير ذلك من أساليب التّدخّل غير العسكري، والذي يُؤَدِّي إلى تهيئة المُجتمعات لتقَبُّل التّدخّل الإمبريالي، عندما تُطالب به بعض أحزاب ومنظمات المُرتَزقة.
نقتصر في هذا الحَيّز على "يو أس أيد" (الوكالة الأمريكية للتنمية الدّولي)، وهي واحدة من أشهر هذه المُؤسّسات الإستعمارية.
تأسّست الوكالة الأمريكية للتنمية الدّولية سنة 1961، خلال فترة حكم الرئيس جون كندي، بالتوازي مع تشديد العدوان على شعب فيتنام، ومع محاولة غزو كوبا وتأسيس "فيلق السّلام"، لنَشْرِ صورة مُضَلِّلَة للإمبريالية الأمريكية، وأصبحت الإطار الوحيد الذي يُنسّق سياسات التنمية الإقتصادية والثقافية الخارجية للولايات المتحدة، في مواجهة أعداء الحُرّية في جميع أنحاء العالم، بحسب الرئيس كندي.
يدّعي مُحَرِّرُو موقع "يو أس أيد" أنها منظمة غير حكومية، "تدعم ماليًّا ولوجستِيًّا الأفراد والمؤسسات ... لتشجيع المبادرات الثقافية والتنموية..." ولها بعثات ومكاتب في البلدان العربية وخصوصًا في البلدان الواقعة تحت الإحتلال، في فلسطين والعراق وسوريا واليمن والصومال وليبيا، وكذلك البلدان الأخرى، وورد في فقرات أخرى من موقع "يو أس أيد" أنها "تأسست لتنفيذ برامج المساعدات التنموية، وهي مسؤولة عن إدارة المساعدات الخارجية التي تقدّمها الحكومة الأمريكية للمَدَنِيِّين في العالم، بحسب توجّهات السياسة الخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي، تحت مراقبة الكونغرس، وتسعى إلى مُساعدة الشعوب التي تكافح للعيش في دولة حرة وديمقراطية، والشعوب التي تعاني من الكوارث وما إلى ذلك".
تعد الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أداة النفوذ في المجالات الإقتصادية والإجتماعية، وإحدى أدوات الحرب الأمريكية "الناعمة"، وهي مسؤولة مباشرة أمام رئيس أمريكا، وتلقى ميزانيتها من وزارة الخارجية، بعد موافقة الكونغرس، وتُنفقها في إرسال المساعدات والخُبراء والفَنِّيِّين، لمساعدة الدّول والمنظمات (بما فيها منظمات الأمم المتحدة كمنظمة الصحة العالمية واليونسكو ومنظمة الطفولة...) على "حسن الإدارة" وإرساء وتعزيز "اقتصاد السّوق"، عبر دعم بعض أنواع الجمعيات ومبادرات القطاع الخاص، وهو في واقع الأمر دعم للسلع والشركات الأمريكية، وتستغل الوكالة هذه "المساعدات" لجمع البيانات عن الدول والشعوب، لصالح الحكومة الأمريكية، وكانت صحيفة "واشنطن بوست" (من خلال الإطلاع على موقع الصحيفة يوم 24 نيسان/ابريل 2021) قد أثارت موضوع تسديد وكالة التنمية الأمريكية مبلغ الكفالة لإطلاق سراح موظفي المنظمات، غير الحكومية، في مصر، سنة 2012، وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية "إن الخبر تنقُصُهُ الدّقّة".
اتهمت العديد من الحكومات وكالة "يو أس أيد" باستخدام الخدمات الإنسانية والمساعدات كواجهة لتنفيذ خطط الحكومة الأمريكية، وتخريب مجتمعات البلدان التي تُريد الولايات المتحدة إخْضاعها، ومساعدة وكالة الإستخبارات الأمريكية على تجنيد العُملاء وعلى تنظيم الإنقلابات العنيفة أو "النّاعمة"، ولذلك أغلقت العديد من الحكومات (منها بوليفيا وروسيا وفنزويلا) مكاتب الوكالة وأطردت موظفيها...
في سوريا، أعلنت الوكالة الأمريكية للتنمية الدّولية "مُساعدة المَدَنِيِّين"، وكشفت العديد من الوثائق السمعية البصرية إلقاء طائرات عسكرية أمريكية أكياسًا ورزما من الأغذية وأجهزة الإتصال وتجهيزات أخرى في مواقع التنظيمات الإرهابية المُسلّحة التي عرض مُسَلّحوها هذه الطُّرُود القادمة من السّماء، وعليها شعارات "يو أس أيد"، وزعمت الوكالة حصول ذلك بطريق الخَطَأ، لأن الطُّرُود "ظَلّتْ طريقها".
أما في فلسطين فيجب أن يعلن الموظفون المحليون موقفًا واضحًا ضد مقاومة الإحتلال، كما تقتضي شُرُوط تمويل المشاريع المُشاركة في مؤتمرات وندوات في المستوطنات، تُمجّد الإستسلام وتعايش المُستوطنين والفلسطينيين (على أرض الفلسطينيين)...
نَشَر موقع مجلّة "كورنت أفيرز" مقالا بتوقيع "سَاهِلِي خَسْتِغر" بتاريخ العاشر من آذار/مارس 2021 مقالا عن العلاقة الوثيقة بين "يو أس أيد" والشركات الأمريكية (ترجم موقع "حبر" المقال في أيار/مايو 2021)، لتصبح "مُساعدة" يو أس أيد مَشْرُوطة بفتح موارد وتجارة البلاد أمام السّلع والشركات الأمريكية، لتصبح وكالة التنمية أداةً لغزو الشركات الأمريكية أسواقًا جديدة، أو تعزيز موقعها في الأسواق القديمة، وتضمنت هذه السياسات، منذ بداية القرن الواحد والعشرين "دعم وتحفيز القطاع الخاص، من خلال تقديم الوكالة ضمانات قروض للشركات، وتوفير المنح الدراسية للطلاب للدراسة في الولايات المتحدة، وإنشاء برامج تنمية زراعية فتحت أسواق البلدان الفقيرة أمام الأعمال التجارية الزراعية الكبيرة... وأصبحت الوكالة تتعاقد من الباطن مع شركات أمريكية خاصة، لتصميم وتنفيذ برامج في الخارج، مبنية على مبدأ سيادة وحرية السُّوق، تحت يافطة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وهو ما حصل في العراق وفي أفغانستان، باسم إعادة البناء، بناء ما خربه الجيش الأمريكي، وخصخصة قطاعات الطاقة والمياه والخدمات والمرافق..."، بحسب "ساهلي خستغر".
ساهمت الوكالة في انهيار الإتحاد السوفييتي، عبر تمويل وإرشاد وتوجيه المُعارضات اليمينية في أوروبا الشرقية، وتمويل مجموعة "سوليدارنوشك" (تضامن) البولندية، بحسب "إيريك بوستل"، أحد مسؤولي الوكالة، خلال فترة رئاسة "باراك أوباما"، وسارعت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بدعم القطاع الخاص في تلك المنطقة، بالتعاون مع الشركات الأمريكية، بالتوازي مع إعداد برامج في قطاعات الزراعة والغذاء والطاقة، بهدف منافسة الصين في إفريقيا وفي آسيا، وإدماج المبيدات والبُذُور المعدلة وراثيًا، في أرياف البلدان الفقيرة، بواسطة الشركات الأمريكية الخاصة التي تُواصل ترويج مواد منعت حكومات أوروبا وأمريكا الشمالية، ترويجها وبيعها منذ ثلاثة عُقُود، لكنها لم تمنع تصنيعها وبيعها للبلدان الفقيرة، باسم المُساعدة على التنمية، بتواطؤ من برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة ومنظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية، وعلى سبيل المثل فقد أشرفت شركة "دوبونت" ( Dupont ) التي تصنع وتبيع مواد ومبيدات خطيرة جدا، بالتعاون مع وكالة التنمية الدولية ، منذ سنة 2010، على برنامج يهدف ظاهريا "تحقيق الأمن الغذائي والتنمية الزراعية" في الحبشة، وباسم مكافحة الجوع وسوء التغذية، أنشأت الشركة بتمويل وزارة الخارجية الأمريكية (بواسطة الوكالة) مصانع ومستودعات للمبيدات الخطيرة وللبذور المُعدّلة وراثيا، ووزعت البُذُور على المزارعين إلى أن فُقِدَت البُذُور المحلّيّة التي تكيّفت مع المناخ المحلي، وظهرت، منذ سنة 2013، الآثار المدمرة لصحة البشر والحيوانات والأشجار والنباتات في الحبشة كما في العديد من البلدان الأخرى التي تلقّت "مُساعدة" الوكالة الأمريكية، لقاء تنفيذ الشركات الأمريكية (مثل كوكاكولا) على أراضيها أكثر من 1600 برنامج مُضِر بالصحة وبالمياه وبالمحيط، وتحقيق أرباح ضخمة، بفضل الإستغلال الفاحش للعمال وللنساء والأطفال الفقراء، خلال خمسة عشر سنة (من 2001 إلى 2015)، في الحبشة وغانا ونيجيريا وساحل العاج، واستفادت منها شركات عابرة للقارات، مثل دوبونت ومايكروسوفت، وإنتل، وسيسكو، وكوكاكولا، وجونسون آند جونسون وهيرشيز ومارس ونستله وموندليز (الشركة الأم لشركة كادبوري) بفضل الشراكة مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وخاض السكان والمزارعون معارك ضد هذه الشركات، لكن تواطؤ الحكومات المحلية وقمع الإحتجاجات أجْهَض هذه النضالات المَشْرُوعة...

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي