بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لوفاة نابليون، فيلم المخرج أيبل گانس عنه، يستعيد شكله الأصلي

سمير حنا خمورو
2021 / 5 / 12

يصادف عام 2021 الذكرى المئوية الثانية لوفاة نابليون بونابارت . ومن ضمن الاحتفالات بهذه الذكرى ، قامت السينماتيك الفرنسية، وبدعم المركز الوطني للسينما، ومؤسسة نابليون، ونيتفليكس ، بوضع اللمسات الأخيرة على ترميم وإعادة إنشاء وتركيب نسخة من فيلم نابليون للمخرج الفرنسي أبيل گانس Abel Gance تحت إشراف المخرج والباحث "جورج مورييه"* تقترب من تلك التي شاهدها المتفرجون عام 1927، احد الافلام الصامتة الأخيرة ، والذي عرض قبل أشهر قليلة من ظهور السينما "الناطقة" في باريس. قدم المخرج فيه رؤية ملحمية وحتى اسطورية للاحداث التاريخية من وجهة نظره ، لتسليط الضوء على مآثر هذه الشخصية الفرنسية وتمجيدها لا سيما عن المعارك التي خاضها.

ولكن هناك جانب تقني غاية في الاهمية استخدمها المخرج في هذا الفيلم، ويعتبر الفيلم تحفة كبيرة من روائع السينما العالمية الصامتة، تم الاشادة به حال عرضه من قبل العاملين في السينما العالمية والنقاد وايضا الجمهور عام 1927. يشتهر بشكل خاص بالعديد من الابتكارات التي وضعها المخرج للفيلم ، من بينها الكاميرات المثبتة على الخيول ، والسيارات على قاعدة هزازة ، وكذلك عرض الفيلم على الشاشة الثلاثية، وقد سعى المخرج إلى إضفاء ديناميكية على فيلمه لم يسبق له مثيل في ذلك الوقت. وكان قد خطط لسبعة فصول من حياة نابليون في الاصل، لكن الصعوبات الفنية والمالية لم تسمح بتحقيقها كلها. ومع هذا فيلم نابليون يعتبر عنوان مرجعي تاريخي فرنسي تمت الإشارة إلى الفيلم أيضًا في العديد من المصادر والكتابات السينمائية. وكان عنوان الفيلم على الشاشة هو (نابليون كما رَآه أبيل گانس).

يقع الفيلم في خمسة اجزاء، وصور بسعة ثلاثة أضعاف من سعة شاشة العرض المعتادة عن طريقة التجاور بين للقطات والمشاهد، اي تكرار اللقطة على شاشات ثلاث مرات؛ إسقاط ثلاث وجهات نظر لنفس المشهد، قال گانس عن هذه التقنية ، التي يسميها تعدد الرؤية "Polyvision": في بعض لقطات نابليون ، قمت بتركيب ما يصل إلى ستة عشر صورة ، قاموا بدورهم" المتوقع "مثل خمسين آلة تعزف في حفل موسيقي. قادني هذا إلى عرض (متعدد الرؤية) أو شاشة ثلاثية تقدم عشرات من اللقطات في نفس الوقت. الجزء المركزي من الثلاثية هو النثر والجزءان الجانبيان هما الشعر ، وكل هذا نسميها سينما ". في نهاية تصوير الفيلم في اب / أغسطس 1926 ، صور المصور السينمائي "سيكوندو دي شومون" الذي كان يعمل معه بعض من مشاهد رحيل جيش نابليون من إيطاليا بفيلم ملون ، باستخدام كاميرا مجهزة بجهاز من انتاج شركة كيلر - دوريان التي تاسست عام 1924. ولكن لم يكن بالامكان أستخدام الفيلم الملون بشكل عام لأسباب فنية في ذَلِك الوقت . گانس تخلى في النهاية عن الألوان لأن الجانب المثير للعملية أللونية كان سيضر بالدراما وجماليات فيلمه، كما كان يعتقد.

أقيم العرض الأول الكبير لفيلم نابليون في 7 نيسان / أبريل 1927 في أوبرا گارنييه Opéra Garnier في باريس بنسختين: واحدة مدتها 4 ساعات ( بطول 5,200 متر ) ، قدم على ثلاثة شاشات متجاورة ، مع الاوركسترا التي عزفت مقطوعات موسيقية تناسب الأحداث من تأليف الموسيقار الفرنسي "ارتور هونيكير" في عشرة عروض وهذه هي النسخة القصيرة ، المسماة "أوبرا" نسبة الى مكان العرض، والأخرى بمدة 9 ساعات و 30 دقيقة ( بطول 12,800 متر ) قدمت في مسرح أبولو الذي كان يسمى سابقا بمسرح المعبد، وعلى شاشة واحدة ويطلق عليها نسخة "أبولو"، نسبة الى المسرح وعرض للصحافة والموزعين في هذا المسرح. وفي تشرين الثاني / نوفمبر 1927 ، أعيد عرض نسخة أوبرا مع الأوركسترا وعلى ثلاثة شاشات، بسينما ماريفو في باريس، ولكن تم تجزئة الفيلم بسبب مدة الفيلم، وكانت السينما تعرض في الصباح شباب نابليون، وحصار ميناء تولون والمشاهد الثلاثية للجيش الإيطالي، وفي المساء بقية الفيلم.

ولما كان فيلم نابليون طويلًا جدًا ، وخطط له ان يُعرض على ثلاثة شاشات متجاورة وقد ضاعف فيه "ابيل گانس" جرأته في استخدام ثلاثة كاميرات للتصوير وللقيام بحركات جديدة لم تك معروفة في ذلك الوقت ، والنتيجة مع كل هذه الابتكارات جعل استغلال الفيلم في صالات السينما والمسارح صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا.

ولهذا خضع فيلم نابليون بالفعل للعديد من عمليات المنتجة، والتقليل من طوله من قبل مخرجه بعد ذلك . وقد أضيف الى نسخة عام 1935 موسيقى للموسيقار هنري فردان وعرض الفيلم تحت عنوان (نابليون بونابرت). ويتذكر جورج مورييه شغف المخرج الاميركي المعروف فرانسيس فورد كوبولا بفيلم نابليون واشترى حقوق استغلاله الدولي عام 1981، وطلب من والده الموسيقار والملحن "كارمين كوبولا" الذي شارك في تأليف الموسيقى التصويرية لافلامه (القيامة الان) وفيلم العراب الثاني والثالث، تأليف الموسيقى التصويرية للفيلم، وفي عرض فريد بقاعة "راديو سيتي" للموسيقى، توافد 6000 شخص لمشاهدة نابليون . كما عمل ديفيس قائد الأوركسترا والملحن الأمريكي بالمشاركة في تأليف الموسيقى لنسخة نابليون التي عرضت عام 1981. وبعد ذلك هيء ماريوس كونستانت ملحن وقائد أوركسترا فرنسي من أصل روماني موسيقى تصويرية اضافية لنسخة نابليون لعام 1992.

حتى عام 1971 ، كان للفيلم عدد من نسخ مختلفة، بعضها من منتجة أبيل گانس، كما في نسخة 1935 و 1938 . واجمالا، حتى قبل عملية الترميم الاخيرة، كان هناك 22 نسخة من فيلم نابليون، وبلغ عدد عمليات الترميم حتى الان اي قبل ان يعهد الى جورج مورييه عملية الترميم الكامل للفيلم بحسب سيناريو أبيل گانس ودخول منصة البث نيتفليكس بثقلها المادي وامكاناتها التقنية العالية، خمسة محاولات سابقة للترميم :

1 . حصل “هنري لانكلوا” مؤسس السينماتيك الفرنسية على عدد من العلب للفيلم عام 1949 وعمل على حمايته من التلف، واشتغل لفترة طويلة مع "ماري إبستين"* بأول ترميم للفيلم، وانشاوا نسخة من 19 بكرة من نابليون في محاولة لاستعادة النسخة الصامتة لعام 1927. وكان يطلق عليها "نسخة المتحف" واستمر العمل على تحسينها حتى عام 1959

2 . عمل كيفن براونلو مؤرخ سينمائي انكليزي ، مع معهد الفيلم الانكليزي BFI من عام 1969 إلى 1979 أول عملية ترميم حقيقية للفيلم (بلغ طول الفيلم 6630 متر) أو 4 ساعات و 50 دقيقة ، تم عرضه (المسرح السينمائي الوطني)، واقيم العرض الاول الحقيقي في مهرجان تيلورايد في كولورادو ، الولايات المتحدة)، 1 ايلول / سبتمبر 1979.
3 . اجرى كيفن براونلو ترميمه الثاني في عام 1983 وايضا بالتعاون مع معهد الفيلم الانكليزي مع BFI ، ولكن أيضًا هذه المرة مع السينماتيك الفرنسية وبلغ زمن الفيلم خمسة ساعات و 13 دقيقة ( بطول 7،155 متر ) ، تم تقديمه في لوهافر في يومي 13 و 14 تشرين الثاني /نوفمبر 1982 ، ثم في باريس في قصر المؤتمرات بتاريخ 23 و 24 و 25 تموز / يوليو 1983.

4 . من عام 1991 إلى عام 1992 ، وبفضل عناصر جديدة ذات جودة استثنائية ، لم تكن معروفة جزئيا حتى ذلك الوقت اكتشفها المخرجة والباحثة بامبي بالارد مع السينماتيك الفرنسية، عملت على ترميم الفيلم بناءًا على نسخة براونلو، وصار مدته خمسة ساعات و 28 دقيقة (بطول 7500 متر ) ، تم تقديمه في مدينة نيم لارينا Nîmes Arena في 17 و 18 تموز/ يوليو 1992 ، ثم تحت قوس لا ديفنس الكبير Grand Arche de la Défense في باريس يومي 29 و 30 و 31 تموز / يوليو 1992.

5 . في عام 2000 ، أكمل كيفن براونلو ترميمه الثالث والأخير للفيلم (مع إدخال الصبغة والتنغيم) ، وتناول العناصر الجديدة التي اكتشفها بامبي بالارد وأدى إلى مدة متطابقة تقريبًا. مدة الفيلم خمسة ساعات و 30 دقيقة ( أو 7542 مترًا)، عُرض في قاعة المهرجانات الملكية Royal Festival Hall في لندن في حزيران/ يونيو 2000.

جميع عمليات الترميم التي تم تنفيذها منذ عام 1949 ، بما في ذلك تلك التي قام بها كيفن براونلو وبامبي بالارد ، تستخدم عناصر من نسختي الفيلم ، ( أوبرا ) و ( أبولو )، دون تمييز. وكشفت عملية البحث والدراسة الدقيقة التي قام بها المخرج والباحث جورج مورييه المسؤول في السينماتيك الفرنسية عن ترميم الفيلم منذ 2007، مع فريق من المختصين والذي أستمر العمل فيه لمدة أثني عشر عاما، عن وجود غير متوقع حتى الآن لنسختين أصليتين من النيكتيف. وعمل "الفريق" على تثبيت كلا الاصدارين ومن ثم منتجة وتركيب المشاهد من الافلام السالبة، لإعادة بناء نابليون في نسخة أبولو ، مما سيتيح للسينماتيك تقديم الفيلم في مدة تقارب ستة ساعات و 25 دقيقة ( 6h,25 )، مع إيقاعها الموسيقي ، كما أرادها گانس في عام 1927. ومن المقرر الانتهاء من هذا الترميم وعرض الفيلم في النصف الثاني من عام 2021، كما سيتم عرض الفيلم على منصة بث نيتفليكس.

يقول جورج مورييه، عملنا كما يعمل باحث ومنقب آثاري حقيقي. كان يتعين على الفريق ابتكار منهجية من أجل فرز ما يكتشفونه في هذه الصناديق الثلاثمائة ، وكان هناك فوضى حقيقية حيث تم خلط بكرات الأفلام المختلفة التي كرّسها گانس لنابليون معًا، وايضا افلام لا علاقة لها بفيلم نابليون، أدركت أنه لا يوجد شيء اسمه نسخة "رسمية" من نابليون. لهذا كان علينا ترك كل شيء بعيدا، وإعادة فهرسته من جديد لاننا وجدنا أن 80٪ من المعلومات المدرجة من قبل "السينماتيك" تبين انها خاطئة. وبدأ بالكتابة، وسرد ما يجده من المواد بدقة متناهية، يقول مورييه " الكتابة باليد تساعد على استيعاب الفكر وتدوين الذاكرة. إنه جنون ورثته من گانس الذي كتب كل شيء بالتفصيل ". إنه يحضر بالفعل كتابًا وفيلمًا وثائقيًا عن هذا الترميم ، كوسيلة لنقل المصاعب التي صاحبت هذه المغامرة السينمائية غير العادية لجميع الأجيال. واختتم حديثه بروح الدعابة قائلاً: " في مواجهة نابليون ، أنا المخرج الصغير ، يشبه إلى حد ما مطالبة رسام يوم الأحد بترتيب استوديو مايكل أنجلو! "

فيلم نابليون ؛ سيناريو واخراج أبيل گانس ، تمثيل ألبير ديودونيه بدور نابليون بونابارت ، جينا مانيه بدور جوزفين بوفيه أوجيني بوفيي بدور ليتيسيا بونابرت أنتونا أرتو بدور مارا، بيير باتشيف بدور لازار هوش ، ماكس ماكسوديو بدور بول بارا ، أبيل گانس بدور. سانت جاست، سوزان بيانكيتي بدور ماري أنطوانيت، فيليب رولا بدور ماسينا. التصوير السينمائي، جول كروكر ، ليونس هنري بوريل ، روجيه هوبير ، جورج لوكا ، جوزيف لوي موندويلر ، فيدور بوركاسوف ، نيكولا توبوركوف . والمونتاج الأصلي أبيل گانس و ماركريت پوجي، مكياج پوريس دي فاست، مصمم الديكورات: الكسندر بينوا وهنري مينسييه، المؤثرات الخاصة دبليو بيرسي داي، يوجين شوفتن ، وسيگوندو دي شومون.

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي