في اليوم العالمي للمتاحف – التجربة الأردنية/ الجزء الثالث

أشرف عبدالله الضباعين
2021 / 5 / 12

كانت النية أن يكون الجزء الثالث مخصصًا للحديث عن التجربة المتحفية في الأردن ومصر والإمارات، وما أحدثته الحروب والجماعات المتطرفة في متاحف سورية والعراق، لكن أرتأيت أن يكون للتجربة أو الحالة الأردنية مقال واحد مستقل بذاته لأهمية إبراز الحالة الأردنية والتي يمكن القول أنني مطلع عليها بشكل كبير.
ينتشر في الأردن عدد من المتاحف الأثرية والتراثية وعددها اليوم ثمانية عشر مُتحفًا ( المصدر: موقع دائرة الآثار الأردنية الإلكتروني) موزعة على المحافظات الأردنية بعضها مُغلق لغايات الصيانة والترميم، وأشهر هذه المتاحف متحف الآثار الأردني الذي يقبع فوق قمة جبل القلعة في العاصمة عمان وقد بني بين عامي 1951- 1952، أما مبناه الحجري فقد قام بتصميمه المهندس البريطاني أوستن هاريسون، الذي صمم بناء المتحف الفلسطيني بالقدس، وذلك بإشراف مدير عام الآثار آنذاك جيرالد لانكسترهاردنج (المصدر: أرشيف وزارة الثقافة الأردنية)، ومساحة المتحف تبلغ نحو 550 مترا مربعا، بينما تبلغ مساحة الطابق الأرضي الذي تشغله المستودعات قرابة 300 متر مربع، وجُلبت خزائن العرض المصنوعة من النحاس والزجاج والخشب من بريطانيا، وكذلك الحال بالنسبة لحاملات بطاقات الشروحات للقطع، وبعد عقدين من الزمن، أضيفت خزائن من الخشب والألمنيوم والزجاج عندما تضاعفت أعداد القطع الواردة للمتحف.
صُمم المتحف ليعتمد على الإنارة الطبيعية (ضوء الشمس) من خلال الشبابيك الموجودة أعلى المبنى، وعلى مصابيح كهربائية ثُبتت على جدران المتحف وفوق الخزائن بحيث لا تسلط الضوء مباشرة على القطع الأثرية فتؤذيها، وفي وقت لاحق أضيفت مصابيح الفلوروسنت المثبتة على سقف المتحف.
في عام 1980 أوصى المؤتمر الدولي الأول لتاريخ وآثار الأردن برعاية صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال والذي عُقد في أكسفورد بإنشاء متحف وطني، وقد أشرف الأمير الحسن على ذلك بإنشاء جمعية التراث الأردني في عام 1989 والتي بدأت بوضع الأفكار الرئيسية للمتحف والتي تطورت لاحقًا لتصبح المفاهيم العامة للمتحف.
في عام 1999 وقعت الحكومة الأردنية اتفاقية قرض مع الحكومة اليابانية لتمويل مشروع تطوير القطاع السياحي تضمنت في أحد بنودها تمويل المتحف الوطني. وفي عام 2002 صدرت الإرادة الملكية السامية بإنشاء المتحف الوطني فجرى تعديل لقانون الآثار الأردني ليتضمن مادة خاصة بهذا المتحف، فتشكل مجلس أمناء للمتحف برئاسة صاحبة الجلالة الملكة رانيا العبدالله ونائب الرئيس صاحبة السمو الملكي الأميرة سمية بنت الحسن، وقد وضع حجر الأساس للمتحف عام 2005 في موقع مميز في وسط المدينة، حيث يمثل هذا الموقع مركزًا حضاريًا وثقافيًا وسياحيًا في العاصمة عمان، وافتتح المتحف باسم متحف الأردن في عام 2013 كمؤسسة مستقلة لها مديرها العام يعمل تحت إشرافٍ من مجلس الأمناء. والمتحف عضو في المجلس الدولي للمتاحف (International Council of Museums – ICOM) ويُصنف على أنه متحف قائم ضمن أفضل المقاييس العالمية لدى المجلس المذكور، كما أنه يُعد مركزًا تراثيًا شاملاً لتاريخ وحضارة وثقافة المملكة عبر العصور المتعاقبة ويحتوي على قطع مميزة وفريدة من آثار المملكة تعود لفترات مختلفة، ناهيك عن كونه أداة تعليمية ووسيلة سياحية ثقافية متطورة لكونه من أنجح أدوات التسويق السياحي الثقافية في المملكة جنبًا إلى جنب مع المواقع الأثرية الأردنية، والمتحف يُعتبر مركزًا لدعم التأليف في مجال الآثار والتراث حيث صدرت عنه عددٍ من المؤلفات والإصدارات المتخصصة.
أما العرض المتحفي وهو من أهم نقاط تقييم أي متحف في العالم فإن متحف الأردن يحاكي ويروي قصة المملكة وسكانها بتسلسلٍ تاريخي من ما يقارب مليون ونصف عام مضت، وراعى أسلوب العرض المُستخدم تسع نقاط حيوية مهمة وهي التي يركز عليها العرض المتحفي: الحياة اليومية، الكتابات والتخاطب، الطقوس والعبادات والديانات، الإنتاج الزراعي والصناعي، التبادل التجاري والثقافي، البيئة، الإدارة والسياسة والجيش، وغيرها، ويلاحظ أن هذا العرض المتحفي في متحف الأردن تم عبر قاعات متحفية ومعارض موزعة بشكل ناجح وتم التعبير عنه من خلال مجموعة من القطع الأثرية لا تزيد عن ثلاثة آلاف قطعة وضعت وعرضت بطريقة جذابة ومهنية، ومن هذه القطع بعض تماثيل عين غزال الجصية، بعض مخطوطات البحر الميت، صندوق طبقة فحل العاجي، قارورة سيران البرونزية، مخطوطة بلعام، جداريات مختلفة وقطع أُخرى.
يُشار إلى أن متحف الأردن يُعتبر من المتاحف الحديثة والمصنفة عالميًا كمتحف ضمن المقاييس التي تراعي التقدم التكنولوجي مستخدمًا أفضل أساليب العرض والتقديم، فقد وظف المتحف العديد من الوسائل التكنولوجية والتفاعلية في العرض المتحفي منها على سبيل المثال لا الحصر تنظيم جولات افتراضية (Virtual Tours) والتي تشمل كافة معارض المتحف، كذلك الشاشات والوسائط التفاعلية لإثراء عمليات العرض المتحفي (Interactive Exhibits) وأعمال التوثيق الرقمي ثلاثي الأبعاد (3D Scanning & Documentation) وأعمال العرض التي توظف التقنيات الحديثة وأنظمة الأرشفة الرقمية وأنظمة التحكم في البيئة المتحفية (BMS) وأنظمة السيطرة والأمن المتحفي المتقدمة، كما يستخدم المتحف مرافق تعليمية تعتمد على تكنولوجيا الإتصال عن بعد وتستخدم وسائل التواصل الاجتماعي في عمليات الترويج الرقمي. وبهذا الصدد يُشار إلى أن المتحف يضم صالات عرضٍ دائمة وصالات عرضٍ مؤقته ومكتبة رائدة ومختبرات للصيانة والترميم ومستودعات وجميعها بالإضافة للمرافق اللوجستية والخدماتية الأخرى تدار عبر أنظمة ذكية للحماية الأمنية والكهروميكانيكية.
وفيما يتعلق بتأثير جائحة كورونا على المتحف، فقد أصدر المتحف دليلا إرشاديًا لإجراءات السلامة والوقاية من الجائحة تضمن عدة أهداف من أهمها وقاية زوار المتحف وكوادره من الجائحة والحفاظ على سلامتهم من خلال القيام بإجراءات إدارية وصحية ولوجستية وفنية تضمن إدامة عمل المتحف وتمكينه من تحقيق رؤيته ورسالته. ويحتوي الدليل على وصفٍ لعددٍ من الإجراءات البيئية وأعمال النظافة وأعمال الإدامة ووضع خطة طوارئ محكمة وكل ذلك ضمن أعلى معايير السلامة.
لقد تأثر قطاع السياحة ككل في الأردن من تداعيات هذه الجائحة ولم يكن متحف الأردن بعيد عن هذا التأثير، حيث شهد ولأول مرة المتحف انخفاض شديد في أعداد الزوار منذ عام 2020 ومع ذلك فقد استخدم المتحف الوسائل التكنولوجية والتقنية الحديثة المتوفرة لديه لاستمرارية وديمومة عمله وأهمها الزيارة الإفتراضية إلى كافة معارض المتحف (Jordan Museum Virtual visit)، فإن كان إغلاق المتحف خلال فترة الحظر الكلي في عام 2020 أو إغلاقه لاحقًا خلال فترات التعقيم ضرورة وتماشيًا مع اجراءات السلامة العامة فإن المواطن والزائر والمهتم يمكنه الولوج للزيارة الإفتراضية والتمتع بمشاهدة هذه الآثار بطريقة مبتكرة وعصرية.
وفيما يلي روابط مفيدة يُنصح بالدخول إليها للإطلاع على مرافق المتحف والاستزادة من المعلومات والإطلاع على القطع الأثرية:
https://www.true-markets.net/media/360tour/jordan-museum/index.htm
https://www.jordanmuseum.jo/
في نهاية هذا المقال أشكر عطوفة المهندس إيهاب عمارين مدير عام متحف الأردن على تعاونه وتزويدي بكافة المعلومات والبيانات والتسهيلات الممكنة لكتابة هذا المقال.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي