م 2 / ف 11 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 833

أحمد صبحى منصور
2021 / 5 / 11

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 833
شهر ربيع الآخر أوله الأربعاء‏:
وظائف أكابر المجرمين :
1 ـ ( في رابعه‏:‏ خلع على قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي واستقر في الحسبة بالقاهرة ومصر ، عوضاً عن الأمير أينال الششماني مضافاً لما معه من نظر الأحباس‏.).
تعليق
1 ـ عودة العينى للصدارة بتولّى الحسبة بدلا من الأمير المملوكى اينال الششمانى. الحسبة منصب أمنى تحكمى عنيف لا يليق بالشيوخ ، وكان أمراء المماليك الأكثر صلاحية له، ولكن تولاه العينى أكثر من مرة. العينى أيضا هو المشرف على كثير من الأحباس ( الأوقاف ). الأوقاف كانت ــ ولا تزال ــ أكبر مغارة اللصوص ، تتضاءل أمامها مغارة (على بابا ) . رئيس العسكر المستبد بمصر الآن جعل الأوقاف المصرية ضمن سرقاته بقرار من مجلسه النيابى ، وأوكل لمجموعة من خدمه إدراة أملاك الوقف في مصر ، وبذلك تحكّم في نسبة كبرى من الثروة المصرية العينية والنقدية . وهذا الفرعون السيسى لا يُسأل عما يفعل ، ولا يملك أحد أن يسأله عما أخذ وعما أنفق . وفى النهاية فما أغنى عنه ماله وما كسب .
2 ـ ( وفي تاسعه‏:‏ خلع على الأمير شهاب الدين أحمد الدوادار واستقر في نيابة الإسكندرية عوضاً عن الأمير أقبغا التمرازي، ورسم بإحضاره )
3 ـ ( وفي ثالث عشره‏:‏ خلع على الصاحب تاج الدين عبد الرزاق بن الهيصم وأعيد إلى نظر الديوان المفرد عوضاً عن الوزير الصاحب كريم الدين عبد الكريم ابن كاتب المناخ.)
3 ـ ( وفي خامس عشرينه‏:‏ خلع على الأمير علاء الدين أقبغا الجمالي الكاشف واستقر أستاداراً عوضاً عن الأمير زين الدين عبد القادر بن أبي الفرج على أن يحمل مائة ألف دينار بعد تكفية الديوان، فلم ينهض بها‏.). تولية مناصب ودفع رشاوى إلزامية . الرشوة هنا هائلة لم ينهض بها الأمير المملوكى أقبغا الكاشف .
هبوط الأسعار
( وفي هذا الشهر: انحل سعر الغلال، فأبيع القمح بمائتين وخمسين درهماً الأردب، والشعير بمائة وعشرة دراهم الأردب . )
الطاعون يزحف من الشام الى الوجه البحرى ( الدلتا) في مصر ( واثق الخطوة يمشى ملكا )
( وفيه فشى الطاعون في الوجه البحري سيما في النحريرية ودمنهور، فمات خلق كثير جداً بحيث أحصي من مات من أهل المحلة زيادة على خمسة آلاف إنسان‏. ومن ناحية ( صا) زيادة على ستمائة إنسان. وكان قد وقع بغزة والقدس وصفد ودمشق في شعبان في السنة الماضية طاعون واستمر إلى هذا الشهر‏. وعُدّ هذا من النوادر فإن الوقت شتاء وما عهد فيما أدركناه وقوع الطاعون إلا في فصل الربيع‏. ويعلل الأطباء ذلك بسيلان الأخلاط في الربيع وجمودها في الشتاء ولكن الله يفعل ما يريد‏. وقدم الخبر بشناعة الطاعون بمدينة برصا من بلاد الروم وأنه زاد عدد من يموت بها في كل يوم على ألفي وخمسمائة إنسان‏. وأما القاهرة فإنه جرى على ألسنة غالب الناس منذ أول العام أنه يقع في الناس عظيم حتى لقد سمعت الأطفال تتحدث بهذا في الطرقات‏. فلما أهل شهر ربيع الآخر هذا‏:‏ كانت عدة من ورد الديوان فيه من الأموات اثني عشر إنساناً ، وأخذ يتزايد في كل يوم حتى بلغت عدة من ورد الديوان بالقاهرة في يوم الأربعاء سلخه ثمانية وأربعين إنساناً‏. وجملة من أحصاه ديوان القاهرة في الشهر كله أربعمائة وسبعة وسبعون إنساناً‏. وبلغ ديوان المواريث بمدينة مصر دون ذلك‏. هذا سوى من مات بالمارستان ، ومن جهز من ديوان الطرحاء على الطرقات من الفقراء وهم كثير‏.).
تعليق
انتشر الطاعون آتيا من الشام فوصل الى الوجه البحرى بمصر حتى غرب الدلتا ( دمنهور) ، وتكاثرت أعداد ضحاياه في الدلتا ، وإنتقل الى بلاد الروم . والخوف من الطاعون كان على ألسنة الأطفال في القاهرة الكبرى ( القاهرة ومصر )، وهذا ما سمعه المقريزى منهم في الطرقات ، بالإضافة الى تعداد الضحايا رسميا كان عن طريق ديوان المواريث في ضواحى القاهرة وقتها. أما الموتى في المستشفيات ( المارستان ) وجثث الفقراء الملقاة في الطريق فلا حصر لها.!!
شهر جمادى الأولى، أوله الخميس:
أخبار الطاعون
1 ـ ( فيه برز سعد الدين إبراهيم بن المرة ناظر جدة إلى خارج القاهرة وقد توجه معه كثير من الناس يريدون العمرة والحج‏.) . الحج وقت الطاعون لينتشر الطاعون .
2 ـ ( وفيه بلغت عدة من ورد الديوان بالقاهرة مائة على أنهم لا يرفعون في أوراقهم إلى الوزير وغيره إلا بعض من يرد لا كلهم‏.). عدد الضحايا وفقا لديوان المواريث في القاهرة مائة ، وهذا هو البعض فقط .
3 ـ ( وفيه نودي في الناس بصيام ثلاثة أيام وأن يتوبوا إلى الله تعالى من معاصيهم ويخرجوا من المظالم ثم يخرجوا في يوم الأحد رابعه إلى الصحراء‏. هذا والحكام والولاة على ما هم عليه‏: لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم ) .
نداء بالصيام وبالتوبة عن المعاصى والظلم ، والخروج الى الصحراء إعلانا للتوبة . والمقريزى يتندّر قائلا : ( هذا والحكام والولاة على ما هم عليه‏:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم ) .!
4 ـ ( وفي يوم الأحد رابعه‏:‏ خرج قاضي القضاة علم الدين صالح في جمع موفور إلى الصحراء خارج باب النصر وجلس بجانب تربة الظاهر برقوق ، فوعظ الناس على عادته في عمل الميعاد فكثر ضجيج الرجال والنساء وكثر بكاؤهم في دعائهم وتضرعهم، ثم انفضوا قبيل الظهر. فتزايدت عدة الأموات عما كانت‏.).
أكابر المجرمين من رجال الدين يقودون حملة للتوبة في الصحراء . النتيجة : ( فتزايدت عدة الأموات عما كانت‏.). ماذا لو خرج اليوم أكابر المجرمين في حملة للتوبة ؟ هل ستنهزم أمامهم كورونا ؟ أم ستنتشر أكثر ؟
5 ـ تفصيلات عن وباء الطاعون في هذا الشهر :
( وفي هذا الشهر‏:‏ شنع الموتان الوحي السريع بالطاعون والنزلات التي تنحدر من الدماغ إلى الصدر فيموت الإنسان في أقل من ساعة بغير تقدم مرض‏. وكان أكثر في الأطفال والشباب ثم في العبيد والإماء وأقله في النساء والرجال‏. وتجاوز في مدينة مصر الفسطاط المائتين في كل يوم سوى من لم يرد الديوان‏. وتجاوز في القاهرة الثلاثمائة سوى من لم يرد الديوان‏. وضبط من صلى عليه في مصليات الجنائز فبلغت عدتهم تزيد على ما أوردوه في ديوان المواريث زيادة كثيرة‏. وبلغت عدة من مات بالنحريرية - خاصة - إلى هذا الوقت تسعة آلاف سوى من لم يعرف وهم كثر جداً‏. وبلغت عدة الأموات بالإسكندرية في كل يوم نحو المائة‏. وشمل الوباء عامة البحيرة الغربية والقليوبية‏.).
تعليق
1 ـ المقريزى يستعمل وصف ( الوحى ) للطاعون ، يعنى السريع ، أي سرعة الطاعون في الانتشار بحيث يقضى على المُصاب في أقل من ساعة . وكان أكثر الضحايا من الشباب والأطفال والرقيق والمماليك، الذين لا حصانة لديهم ، بينما كانت نسبته أقل من الكبار ، فقد نجوا من طاعون سابق واكتسبوا منه حصانة . ويورد المقريزى إحصاءات تقريبية عن الضحايا في القاهرة وضواحيها وبعض مدنها . وطبعا لا علم له بالضحايا في المدن الأخرى والقرى ، ويكتفى بالقول (وشمل الوباء عامة البحيرة الغربية والقليوبية‏.) ، فماذا عن الصعيد وبقية أقاليم مصر ؟ .
2 ـ ( وفي العشر الأخر من هذا الشهر‏:‏ وجد بالنيل والبرك التي بين القاهرة ومصر كثير من السمك والتماسيح ، قد طفت على وجه الماء ميتة، واصطيدت بنية كبيرة ، فإذا هي كأنما صُبغت بدم من شدة حمرتها‏. ووجد في البرية ما بين السويس والقاهرة عدة كثيرة من الظباء والدياب موتى‏. وقدم الخبر بوقوع الوباء ببلاد الفرنج‏.). قبل السد العالى كانت التماسيح تمرح في النيل حتى مصبّه في رشيد ودمياط . ووصل اليها الطاعون ، كما أصاب أيضا الحيوانات البرية من الذئاب والظّباء . ووصل الطاعون الى أوربا .
3 ـ ( وفي يوم الخميس سلخه‏:‏ ضبطت عدة الأموات التي صلي عليها فبلغت ألفين ومائة ، ولم يوُّرد في أوراق الديوان سوى أربعمائة ونيف‏. وفيه مات ببولاق سبعون لم يوُّرد منهم سوى اثني عشر‏.... ‏. وشنع الموت بخانكاه سرياقوس حتى بلغت العدة في كل يوم نحو المائتين، وكثر أيضاً بالمنوفية والقليوبية حتى كاد يموت في الكفر الواحد في كل يوم ستمائة إنسان‏.).
يذكر المقريزى أعداد الضحايا المُتاحة له ، موضحا الفارق بين الأعداد الرسمية التي يتم توصيلها الى ديوان المواريث ، وهى أقل كثيرا من الأعداد الحقيقية حيث يتكتم الناس عن التبليغ عن موتاهم حتى لا يستولى على معظم تركاتهم ديوان المواريث والذى يتحكّم فيه أكابر المجرمين من العسكر ورجال الدين . وفى خانقاة ( سرياقوس ) التي أنشأها السلطان الناصر محمد بن قلاوون كان يموت فيها يوميا حوالى مائتين . والبلدة لا تزال حتى الآن معروفة باسم ( الخانكاة ) في محافظة القليوبية . وعن إنتشار الطاعون في القرى القريبة من القاهرة يقول ( ، وكثر أيضاً بالمنوفية والقليوبية حتى كاد يموت في الكفر الواحد في كل يوم ستمائة إنسان‏.). ( الكفر ) بفتح الكاف يعنى القرية ، و لا يزال مستعملا حتى الآن .
4 : ويذكر المقريزى بين سطور الخبر السابق تفصيلات درامية ، يقول :
4 / 1 :( وشنع الموتان حتى أن ثمانية عشر من صيادي السمك كانوا في موضع فمات منهم في يوم واحد أربعة عشر ، ومضى الأربعة ليجهزوهم إلى القبور فمات منهم وهم مشاة ثلاثة فقام الواحد بشأن السبعة عشر حتى وصل بهم إلى المقبرة مات أيضاً‏.)
4 / 2 ( وركب أربعون رجلاً في مركب وساروا من مدينة مصر نحو بلاد الصعيد ، فماتوا بأجمعهم قبل وصولهم الميمون‏.)
4 / 3 : ( ومرت امرأة من مصر تريد القاهرة وهي راكبة على حمار مكاري ، فماتت وهي راكبة ، وصارت ملقاة بالطريق يومها كله حتى بدأ تغير ريحها فدفنت ولم يعرف لها أهل‏. ) . أين ذهب المكارى يا شيخنا المقريزى ؟ ( المكارى ) هو الذى يحمل الناس على الحمار.
4 / 4 : ( وكان الإنسان إذا مات تغير ريحه سريعاً مع شدة برد الزمان .)، أي مع شدة البرد كانت الجثث تتعفّن سريعا .!
4 / 5 وصف أعراض الطاعون : ( وفي هذا الشهر: شنع الموتان الوحي السريع بالطاعون، والنزلات التي تنحدر من الدماغ إلى الصدر، فيموت الإنسان في أقل من ساعة، بغير تقدم مرض.)
4 / 6: أغلب الضحايا : ( وكان أكثر في الأطفال والشباب، ثم في العبيد والإماء، وأقله في النساء والرجال. )
4 / 7 : تقدير لأعداد الضحايا :
4 / 7 / 1 : ( وتجاوز في مدينة مصر الفسطاط المائتين في كل يوم، سوى من لم يرد الديوان. وتجاوز في القاهرة الثلاثمائة سوى من لم يرد الديوان. وضبط من صلى عليه في مصليات الجنائز فبلغت عدتهم تزيد على ما أوردوه في ديوان المواريث زيادة كثيرة. وبلغت عدة من مات بالنحريرية- خاصة- إلى هذا الوقت تسعة آلاف، سوى من لم يعرف، وهم كثر جداً. وبلغت عدة الأموات بالإسكندرية في كل يوم نحو المائة. وشمل الوباء عامة البحيرة الغربية والقليوبية . ) ،
4 / 7 / 2 :( وفي يوم الخميس سلخه: ضبطت عدة الأموات التي صلي عليها، فبلغت ألفين ومائة، ولم يورد في أوراق الديوان سوى أربعمائة ونيف . وفيه مات ببولاق سبعون لم يورد منهم سوى اثني عشر.)
4 / 7 / 3 : ( وشنع الموت بخانكاه سريا قوس، حتى بلغت العدة في كل يوم نحو المائتين، وكثر أيضاً بالمنوفية والقليوبية، حتى كاد يموت في الكفر الواحد في كل يوم ستمائة إنسان .)
5 : الطاعون يصيب حيوانات البرّ والبحر : ( وفي العشر الأخر من هذا الشهر: وجد بالنيل والبرك التي بين القاهرة ومصر كثير من السمك والتماسيح، قد طفت على وجه الماء ميتة، واصطيدت بنية ( سمكة ) كبيرة، فإذا هي كأنما صبغت بدم من شدة حمرتها. ووجد في البرية ما بين السويس والقاهرة عدة كثيرة من الظباء والدياب موتى.)
6 : وصول الطاعون لأوربا بسبب العلاقات التجارية : ( وقدم الخبر بوقوع الوباء ببلاد الفرنج )

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي