ايار بداية موسم الحرائق في العراق

محمد رضا عباس
2021 / 5 / 11

فواجع و مصائب العراق على ما يبدو لا تريد ان تنتهي. لقد جاء التغيير الى العراق عام 2003 , ولكن جاء معه الإرهاب الأسود الذي لم يعف طفل ولا شيخ , رجل او امرأة, رجل دين او افندي من اجرامه. ولم يحترم قدسية يوم او قدسية مكان. وكان هذا كان لا يكفي , فطلع علينا الفساد الإداري والمالي الذي وقف وظيفة الدولة من أداء واجبها الدستوري تجاه البلاد والعباد , و استفحلت العشائر حتى أصبحت قوة ننافس الحكومة وتغلق طرق رئيسية وتستخدم السلاح الخفيف والمتوسط متى تشاجر طفلان على لعبة كرة قدم. وحسنا فعل بعض شيوخ الجنوب المغاوير عندما علقوا على جدران مضايفهم الفالة والمكوار و بندقية البرنو لانهم لا يحتاجونها بعد ان كان هذا السلاح فخر العراقيين الذين شاركوا في ثورة لعشرين , واصبحوا يستخدمون في معاركهم التي لا تنقطع الكلاشنكوف و ار بي جي و الدوشكه . مصائب لم تنته حتى تداخلت معها الحرائق لتزيد الوضع الحالي اكثر قتامة والمستقبل اكثر غموضا.
وان كانت حوادث الحرائق ظاهرة عالمية , الا ان حراق العراق مختلفة. حوادث حرائق العالم على الاغلب من صنع القضاء والقدر , ولكن حرائق العراق ليست من صنع القضاء والقدر في اغلب الأحيان ويمكن تجنبها بأبسط طرق الوقاية , هذا اذا فرضنا ان بعض الحراق من فعل فاعل.
والغريب هنا وعلى الرغم من الإحصاءات المذهلة لعدد حوادث الحرائق في العراق , الا انه لا يوجد تحرك حكومي فاعل للقضاء على هذه الحوادث والتي تسبب بهدر الملايين من الثروة العراقية وتزهق ارواح الكثيرين. انها لا تزعج الحكومة ولا تكترث بها كثيرا لأن الحرائق وباء الفقراء , والفقير في العراق ليس له الا الله.
الدولة تتهم العشوائيات بحوادث الحرائق , ولكن هل قامت بإيجاد حل مرضي لأصحاب العشوائيات حتى يتخلصوا من كوارث الحرائق التي لا تنتهي؟
مشكلة العشوائيات رسمت في ذهني منذ ان زرت العراق اول مرة عام 2005 , حيث وجدت مدينة بغداد ليست منظمة كما تركتها في بداية السبعينيات من القرن الماضي. البسطات احتلت الأرصفة والشوارع حتى ضاقت على المتبضعين , وهي إشارة مبكرة لصناع القرار العراقي ان ليس كل شيء على ما يرام. كثرة الاكشاك والعربات والبسطات علامة مرض اقتصادي , وكان من المرفوض ان ينتبه صناع القرار الى هذه الظاهرة قبل ان تخرج من اليد , والتي كانت تظاهرات تشرين احد انتاجاتها.
غياب فرص العمل اضطر الملايين من الشباب اختيار البسطات والعربات و الاكشاك طريقا للرزق وحفظ كرامتهم , ولكن هل فكرت إدارة مدينة الكاظمية , على سبيل المثال, كيف ستعالج حريق ينشب في احدى الاكشاك في الوقت الذي لا يسمح الطريق المؤدي من دائرة إطفاء الحرائق الى الصحن الكاظمي من مرور شخص واحد بدون تصادم مع شخص اخر. لقد حدث حريق كما اخبرني احد معارفي هناك , ولكن خسارة أصحاب البسطات البعيدة من الحريق كانت اكبر من خسارة الحريق نفسه لاضطرار أصحابها رفع ما يستطيبون رفعه امام سيارات إطفاء الحرائق المسرعة.
قلت ان لا احد ينظر الى الفقراء في العراق , فلا يوجد في العراق مثل اردوغان , حسن روحاني , محمد بن زايد , او عبد الله بن الحسين. قد نختلف مع هؤلاء القادة سياسيا ,ولكنهم قد ادخلوا بلدانهم الى خيمة التحضر. من يمشي في شوارع تركيا , ايران , الامارات , والأردن يشعر بان هناك حكومات تنظر الى شعبها والى عمارة مدنها.
قادم الأيام سيحل على العراقيين موسم الصيف الذي كان ومازال لا يستسلم للخريف حتى يذهب ضحيته بالعشرات اما بسبب الغرق في الأنهر او بسبب صعقات المبردات الهوائية. قلت هذه الحوادث في السنوات الأخيرة لتحل محلها مشكلة اكبر , حرائق الصعقات الكهربائية. لقد ذكر المسؤولون ان وتيرة الحرائق في العراق تتصاعد ما بين شهر أيار و أيلول وانها تسبب خسائر كبيرة في الممتلكات والارواح كل عام. ولكن مع تعاظم هذه المشكلة , الا ان الحكومة لم تتحرك بالجدية الكافية للقضاء على هذه المشكلة و تترك ضحايا الحرائق يندبون حظهم العاثر.
دعنا نقول ان حرائق المدن ليست من فعل فاعل , وانما اهمال وسوء إدارة , وفساد , ولكن ماذا عن حرائق حقول الحنطة والشعير؟ في العام الماضي التهمت الحرائق انتاج 5183 هكتار من الحنطة والشعير , كان البعض منها بسبب الإهمال , واغلبها من قبل إرهابيين او من قبل اشخاص مدفوعين من دول خارجية لمنع العراق من الوصول الى الاكتفاء الذاتي. حيث جاء في تصريح رئيس لجنة الزراعة بالبرلمان , سلام الشمري , ان " اطراف خارجية تريد منع العراق التصدير وبقاءه مستورد لتحقيق مصالحها , وتنظيم داعش أيضا أداة إجرامية لتنفيذ تلك المخططات الخبيثة".
اذن , العراق مستهدف و لا يجوز للحكومة السكوت او عدم المبالات. الحكومة العراقية مسؤولة عن توفير فرص عمل للمواطنين , حماية الامن الداخلي , حماية الحدود من أعداء العراق , و حماية المواطن من كوارث الحرائق . الدولة يجب ان تعمل نحو خطين متوازنين, الخط الأول هو القضاء على العشوائيات وذلك عن طريق توفير البدائل للمواطن العراقي الذي عاني ما لم يعاني أي شعب في المنطقة والخط الثاني دعم هيئة الدفاع المدني. الهيئة تحتاج عدد اكبر من عجلات إطفاء الحرائق , اعتماد الطائرات المسيرة والكاميرات الأمنية , و تثقيف المواطن على كيفية محاربة الحرائق.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا