م 1 / ف 11 الحياة في ظل تطبيق الشريعة السنية عام 833

أحمد صبحى منصور
2021 / 5 / 9

قراءة في تاريخ السلوك للمقريزى / المقريزى شاهدا على العصر
قال المقريزى في التأريخ لسنة 833
مقدمة :
1 ـ في هذا العام كانت النقمة بنوعين من المصائب : الوباء والمماليك الجُلبان ، اشتدّ فيه الطاعون ثم خمد ، وقضى على وباء بشرى آخر هو المماليلك الجلبان ، مما جعل برسباى أكبر أكابر المجرمين يأتي بآخرين.
2 ـ جاء برسباى مملوكا ، إشتراه الأمير المملوكى دقماق المحمدى ، وأهداه للسلطان الظاهر برقوق فأعتقه السلطان برقوق وجعله من مماليكه . وشقّ برسباى طريقه ؛ يتولى إمارة ثم يدخل السجن وهكذا، الى أن تولى السلطنة في الثامن من ربيع الأول عام 825 الموافق أول ابريل عام 1422 . لتقوية مركزه في أول سلطته بدأ برسباى بشراء مماليكه السلطانية من عام 825 . ولم يكن لديه وقت لشراء أطفال يربيهم ، سريعا كان يريد شبابا قادرا على حمل السلاح. كان الشباب الصعاليك في أواسط آسيا وأوربا يوقعون أنفسهم في الرق باختيارهم ليؤتى بهم الى القاهرة فيكونوا أمراء بل ربما سلاطين . لذا كان أولئك المماليك الجلب أو ( الجلبان ) عصابات مجرمة أكثر من كونهم جنودا ، وكونهم جنودا جعلهم أكثر الجنود وحشية ، وفى غير أوقات الحرب تسلطوا على الشعب سلبا ونهبا وإغتصابا للنساء والصبيان . وأصبح هذا عادة لا تستدعى الدهشة أو الانكار من القُضاة والفقهاء ، وبالتالي أصبح عندهم معلوما من الدين السُّنّى بالضرورة .!!.
3 ـ المماليك الجلبان الذين إشتراهم برسباى عام 825 وما بعده ليقيم بهم سلطانه قضى على معظمهم طاعون هذا العام 833 ، فإشترى برسباى غيرهم في نفس العام 833 وما بعده ، فقضى على معظمهم طاعون 841 ، الذى شهد موت برسباى . يمكننا أن نتخيل أعمار هؤلاء المماليك الجلبان : جىء بهم شبابا عام 825 فإنغمسوا في الفتن مباشرة حتى قضى على معظمهم طاعون 833 . أي بعد 8 سنوات من مجيئهم . جىء بالجلبان الآخرين من عام 833 ، فإنغمسوا في الفتن 8 سنوات أخرى حتى قضى على معظمهم طاعون 841 ، فالطاعون هو بطل الأحداث هنا . أي حكم برسباى 16 عاما ( 825 : 841 )، نصفها الأول بمماليك جلبان قضى عليهم الطاعون ، ونصفها الآخر بمماليك جلبان جُدد قضى عليهم نفس الطاعون . ثم كانت نهاية برسباى بمرض أفظع من الطاعون ، فالطاعون يُميتُ الانسان سريعا ، أما برسباى فقد أوصلته آلام مرضه الى الجنون ، وكان عبرة لمن يعتبر .
ولكن أين يوجد من يعتبر .! كل مستبد قبل أو بعد برسباى يفقد صوابه حين يصل الى الكرسى ، ويحسب نفسه خالدا ، وينسى أن هذا الكرسى لو دام لغيره ما وصل اليه . ذلك أنّ ( شوشو / الشيطان ) سوّل لهم وأملى لهم . ثم في النهاية ينتظرهم عذاب الحريق .
اللهم إنتقم من الظالمين في يومنا هذا في الدنيا والآخرة .!
4 ـ البشر وهم الآن تحت قصف وباء كورونا يجدر بهم أن يتعظوا . تقدمهم الهائل هزمه فيروس غاية في الضآلة ( البلايين من فيروس كورونا أقل حجما من حبة أرز ). أكابر المجرمين من السياسيين ورجال الدين يحتلون الصدارة ويصفق لهم الناس . جاء تسونامو كورونا يهدد الجميع . فهل نتعظ .؟ . فيما نكتب بالتدبر القرآنى والبحث التاريخى نبتغى الإصلاح ما استطعنا . ( إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) (هود / 88 )
6 ـ هيا بنا الى المقريزى في كتابه السلوك ( شاهدا على العصر ) . يقول في التأريخ لعام 833:
( سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة
أهلت هذه السنة بيوم الجمعة، الموافق له ثاني بابة: والشمس في نصف برج الميزان، والوقت فصل الخريف. )
لم يذكر المقريزى الديباجة المعروفة من أسماء أكابر المجرمين من المماليك وخدمهم المدنيين ، في المناصب الديوانية والدينية . دخل مباشرة على أحداث شهر محرم ، ونقسمها حسب الموضوع : قال :
وظائف أكابر المجرمين
( شهر المحرم: في يوم السبت :
1 ـ ( ثانيه: خلع على الأمير زين الدين عبد القادر أستادار خلعة الإستمرار، ثم خلع عليه ثانياً في يوم الاثنين رابعه. )
2 ـ ( وخلع على الأمير أقبغا الجمالي كاشف الوجه القبلي خلعة الاستمرار، وقد أرجف باستقراره أستادارا وألزم بحمل عشرين ألف دينار . ). وطبعا سيدفع أهل الصعيد الفقراء له أضعاف هذا المبلغ . السلطان يأخذ أولا ، وكاشف الوجه القبلى يمُصُّ دماء أهل الصعيد الذين لا يسمع أنينهم أحدُّ ، سوى رب العزة جل وعلا .!
3 ـ ( وفي تاسعه: خلع على الصاحب كريم الدين الوزير، واستقر في نظر الديوان المفرد، مضافاً إلى الوزارة، ليتقوى به الأمير زين الدين أستادار. )
مناخ وضفادع
( وفي ليلة الجمعة تاسعه أو عاشره: أمطرت مدينة حمص مطراً وابلاً، ونزل معه ضفادع خضر حتى امتلأت بها أزقة المدينة وأسطحة الدور. )
المماليك الجلبان يطلبون زيادة المرتبات ويرهبون الأعيان
( وفي العشر الثاني من هذا الشهر: حملت نفقة المماليك السلطانية من حاصل الأستادار إلى قلعة الجبل، لتنفق في المماليك على العادة في كل شهر، فامتنعوا من قبضها وطلبوا أن يزاد كل واحد على ماله مبلغ ثلاثمائة درهم في كل شهر وكانوا قد فعلوا ذلك في نفقة ذي الحجة، حتى زيد كل منهم أربعمائة درهم في كل شهر فبلغت الزيادتان في الشهر نحو الخمسة آلاف دينار. وكان قبل رضائهم بذلك قد استطار شرهم، وتعدوا في العتو طورهم حتى خافهم أعيان أهل الدولة، ووزعوا ما في دورهم خوف وقوع الفتنة ).
تعليق
مماليك برسباى يطلبون زيادة المرتبات ، وهم يستطيلون على الناس ، ويرهبهم أكابر المجرمين من الجناح المدنى ، حتى كانوا يقومون بإخفاء ما في قصورهم من ذرية وأموال ومتاع . فماذا عن الشعب المسكين ؟!
الحج
( وفي حادي عشرينه: قدم ركب من الحاج تقدم أولا، ثم قدم الركب الأول من الغد، وقدم المحمل ببقية الحاج في ثالث عشرينه ).
ابن تيمورلنك يطلب شرح البخارى الذى عمله ابن حجر وأيضا تاريخ السلوك للمقريزى
( وفي رابع عشرينه: قدم رسول ملك المشرق- شاه رخ بن تيمور- بكتابه يطلب فيه شرح البخاري للحافظ قاضي القضاة شهاب الدين، أحمد بن حجر، وتاريخي السلوك للدول الملوك ويعرض فيه بأنه يريد أن يكسو الكعبة ويجري العين بمكة . ) . شاه رخ بن تيمور أرسل يطلب نسخة من كتاب ابن حجر العسقلانى في شرح البخارى ، ونسخة من كتاب السلوك للمقريزى ، وطبعا الأجزاء الأولى من السلوك . وليست هذه الأخيرة منه . وسنتوقف مع شاه رح ابن السلطان تيمورلنك وعلاقته بالسلطان برسباى وبعده السلطان جقمق فيما بعد.
أخبار خارجية : ملك شمال أفريقيا يغزو صقلية ومالطة : ( حرب بين أكابر المجرمين في الغرب )
( وفي ثامن عشره: بعث صاحب تونس وإفريقية وتلمسان- أبو فارس عبد العزيز- أسطولاً فيه مائتا فرس، وخمسة عشر ألف مقاتل من العسكرية والمطوعة، لأخذ جزيرة صقلية، فنازلوا مدينة مارز حتى أخذوها عنوة، ومضوا إلى مدينة مالطة. وحصروها حتى لم يبق إلا أخذها فانهزم من جملتهم أحد الأمراء من العلوج، فانهزم المسلمون لهزيمته، فركب الفرنج أقفيتهم، فاستشهد منهم في الهزيمة خمسون رجلاً من الأعيان، ثم إنهم ثبتوا وقبضوا على العلج الذي كادهم بهزيمته، وبعثوا به إلى أبي فارس، فأمدهم بجيوش كثيرة.) .
شهر صفر، أوله الأحد:
وظائف أكابر المجرمين
( في رابع عشره: خلع على السيد الشريف شهاب الدين كاتب السر ونزل إلى الجامع المؤيدي، وقد استقر ناظره على العادة، فقرئ به تقليده بكتابة السر، تولى قراءته منشأة القاضي شرف الدين أبو بكر الأشقر نائب كاتب السر. وقد حضر قضاة القضاة الثلاث، ولم يحضر الحنفي، وحضر الأمير أركماس الدوادار، وكثر من الأعيان، فكان من المجامع الحفلة الحشمة . ) . إحتفال بتولية كاتب السّر ناظرا للجامع المؤيدى الذى أنشأه السلطان المؤيد شيخ . وأُقيم حفل بهذه المناسبة . ولا ننسى ان تولى أىّ منصب لا يكون إلا بالرشوة .
2 ـ عزل ابن حجر والعينى من القضاء ، وتنقلات في الوظائف
( وفي يوم الخميس سادس عشرينه: خلع على قاضي القضاة علم الدين صالح ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، وأعيد إلى قضاء القضاة عوضاً عن الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر، وخلع على قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن التفهني، وأعيد إلى قضاء القضاة الحنفية، عوضاً عن بدر الدين محمود العيني، ورسم باستقراره صدر الدين أحمد بن محمود العجمي في ميشخة خانكاه الأمير شيخو، عوضاً عن قاضي القضاة زين الدين التفهني. ).
قال بعدها المقريزى عن محاولة لاصلاح القضاء : ( ورسم أن لا يزيد الشافعي على عشرة نواب، والحنفي على ثمانية، والمالكي على ستة، والحنبلي على أربعة فكان حسناً أن تم. ).
تعليق
هل كان عزل ابن حجر ( الشافعى ) والعينى ( الحنفى ) ضمن اصلاح برسباى ( الفاسد الأكبر ) لفساد القُضاة ؟ أم أنّ الأمر مرتبط بجشع برسباى في أخذ الرشوة . ربما.! لأنه فيما بعد سيتولى ابن حجر بعد أن يدفع الرشوة ، وهكذا دورة من العزل والتولية ، والمستفيد هو السلطان الذى يبيع المناصب . والشعب هو الذى يدفع لأكابر المجرمين من العسكر ورجال الدين .
ارتفاع الأسعار في مصر
( وفي هذه الأيام: ارتفع سعر الذهب حتى بلغ الدينار الأفرنتي مائتين وستين درهماً، وارتفع أيضاً سعر الغلال )
ارتفاع أسعار في الشام مع تزايد الطاعون
( وقدم الخبر بغلاء الأسعار بمدينة حلب ودمشق، وأن بدمشق وحمص طاعون فاش في الناس . ) .
شهر ربيع الأول، أوله الاثنين:
وظائف أكابر المجرمين
1 ـ ( فيه خلع على صدر الدين أحمد بن العجمي، واستقر في ميشخة الشيخونية . )
2 ( وفي يوم الثلاثاء سلخه: خلع على سعد الدين إبراهيم بن كريم الدين عبد الكريم ابن سعد الدين بركة كاتب جكم، واستقر في نظر الخاص، عوضاً عن أبيه بعد وفاته، وألزم بحمل ستين ألف دينار، فشرع في حملها.). يرث الولد منصب أبيه ، وعليه دفع الرشوة إلزاميا .!
هبوط أسعار الغلال
( وفي هذا الشهر: انحل سعر الغلال، وسبب ذلك أن المحتسب أينال الششماني منع كل من ورد بغلة إلى ساحلي مصر وبولاق من بيعها، وتشدد في ذلك، فامتنعوا وأخذوا في بيع الغلال السلطانية، على أن كل أردب من القمح بثلاثمائة وستين درهماً، فتوفرت الغلال في مدة بيعه، ثم أذن لهم في بيعها، وقد تكفي الطحانون بغلال السلطان، فانحل السعر ولله الحمد، وربما صحت الأجسام بعد العلل.) . كانت للسلطان أراضيه وضياعه ، وكان يتدخل في التجارة الداخلية والخارجية محتكرا ، يفرض السعر . واحيانا كان في ذلك منفعة لإنقاذ الناس من جشع التجار .
تبدأ أخبار الطاعون في الشهر التالى : ربيع الآخر

حول دور وافاق اليسار في تونس، حوار مع الكاتب والمفكر فريد العليبي القيادي في حزب الكادحين التونسي
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي